الاتحاد

ألوان

الطائفية.. آفة ضد مبادئ وسماحة الإسلام

أحمد مراد (القاهرة)

حذَّر علماء الدين من خطورة آفة الطائفية التي لم توجد في مجتمع إلا ودمرت وحدته وتماسكه، مؤكدين أن الإسلام ينبذها بكل صورها، ويحرم كل سلوك، أو فعل، أو قول، أو فكر، أو رأي يؤدي إلى إثارة الفتنة في المجتمع الإسلامي.

وأوضح العلماء أن نبذ الإسلام ورفضه للطائفية ودعوته للوحدة يتضح في أسمى صوره في العقيدة والعبادات، فرب المسلمين جميعاً واحد، وهم يجتمعون على قرآن واحد وسنة نبوية واحدة وقبلتهم واحدة، والأحكام الشرعية التي تنظم العلاقات بينهم واحدة.

أمة واحدة

ويصف د. محمد عبد الحليم عمر، الأستاذ بجامعة الأزهر، الطائفية بأنها آفة خطيرة تدمر وحدة وتماسك المجتمعات البشرية، حيث لم توجد هذه الآفة في مجتمع إلا وانهار وتفتت وانقسم على نفسه، ومن هنا جاء الإسلام الحنيف بشريعة ترفض الطائفية، وتحرم كل سلوك، أو فعل، أو قول، أو فكر، أو رأي يؤدي إلى إثارة الطائفية في المجتمع الإسلامي.

وفي سبيل محاربة الطائفية وذمها جاء القرآن الكريم منذ أكثر من 1430 عاماً ليؤكد أن المسلمين أمة واحدة، ولا طائفية في الإسلام، وفي هذا الشأن قال رب العزة في سورة الأنبياء: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، وإذا كان أساس هذه الوحدة هو الدين، فإن صداها يجب أن يمتد إلى سائر أمور الحياة إلى الدرجة التي يصبح معها المسلمون، مثل الجسد الواحد مهما اختلفت أعضاؤه حسب تصوير الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى».

وأضاف د. عبد الحليم عمر: وقد حث القرآن الكريم المسلمين في أكثر من موضع على نبذ الطائفية وتجنب التمذهب والتفرق إلى شيع وفرق، وطالبهم بأن يتجمعوا ولا يتفرقوا ويعتصموا بحبل الله استجابة لأمر ربهم في قوله عز وجل: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا...)، «سورة آل عمران: الآية 103»، وكذلك في قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، «سورة الأنفال: الآية 46»، وبنفس هذه المعاني دعا الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى أن يشد بعضهم بعضا حتى يقووا بتماسكهم وتعاونهم «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً».

ومما سبق يتبين موقف الإسلام الرافض للطائفية والداعي إلى الوحدة بين المسلمين، ويتضح في أسمى صوره في العقيدة والعبادات والسلوك، فرب المسلمين جميعاً واحد، وهم يجتمعون على قرآن واحد وسنة نبوية واحدة وقبلتهم واحدة، والأحكام الشرعية التي تنظم العلاقات بينهم واحدة، ولأن الإسلام دين ودنيا، وكما توحد المسلمون في أمور الدين، فإنه يجب أن يتوحدوا في أمور الدنيا حتى يكونوا أمة واحدة لا طائفية فيها ولا تمذهب ولا تفرق.

موقف حاسم

ويؤكد د. منصور مندور، من علماء الأزهر الشريف، أن الإسلام يتخذ موقفاً حاسماً وحازماً من الطائفية، وينبذ كل صورها، حيث لا يرفض الدين الحنيف الطائفية بين المسلمين فحسب، وإنما يرفضها أيضاً بين المسلمين وغيرهم الذين يعيشون في المجتمع الإسلامي، وفي القرآن الكريم العديد من الإشارات التي توضح دور الدين الإسلامي في محاربة الطائفية والتأسيس لثقافة التعددية والاعتدال في التعامل مع الاختلافات الدينية، وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، «سورة الشورى، الآيات 13 - 15».

ويشير د. مندور إلى أن هذه القرآنية إعلان صريح ونداء بصوت عالٍ لكل البشرية عن براءة الدين من الطائفية التي يمارسها المنتسبون له، مؤكدا أن الإسلام ينشد توحيد المجتمع البشري على القيم والمبادئ الإلهية، وفي نفس الوقت ينبذ الاختلاف فيه وتفرق أتباعه إلى طوائف متصارعة ومتناحرة، والحقيقة أن الخلافات الدينية والصراعات الطائفية ليست من صناعة الدين، وإنما هي من صناعة المنتسبين للدين. وأوضح أن صناع الطائفية يشتركون مع بعضهم البعض في البحث عن العلو والسلطة على المجتمع، ومن يتأمل في الفتن الطائفية والصراعات الدينية سوف يكتشف أن الدافع الأساسي لكل الصراعات التي تتلبس بلباس الدين يتمثل في حب العلو والطمع في السلطة، واللباس الديني والمذهبي للصراع فليس إلا مطية من أجل تحقيق أجندات ذاتية وشخصية.

أما فيما يتعلق برفض الإسلام لإثارة الفتنة الطائفية بين المسلمين وغير المسلمين، فيؤكد د. منصور أن تعامل الإسلام مع أهل الكتاب ليس قائما على التمييز والتهميش لاعتبارات طائفية، وإنما هو قائم على القسط والعدالة وحفظ الحقوق سواء في القضاء والحكم، أو في الحقوق الاجتماعية، أو القضايا الأخرى «وأمرت لأعدل بينكم»، هذا فضلاً عن أن الإسلام كفل للآخر المختلف حرية الاعتقاد، على أن يتحمل مسؤولية اختياره «لنا أعمالنا ولكم أعمالكم»، كما أن الإسلام لا يلجأ إلى الخصومة مع المخالف من أجل إكراهه على قبول الحق «لا حجة بيننا وبينكم».



وأشار د. محمد الشحات الجندي، الأستاذ في جامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، إلى أن الإسلام دين واحد لأمة واحدة، لا طائفية فيه ولا تناحر ولا تصارع. وقد وصف القرآن أمة الإسلام بأنها أفضل أمة ظهرت على وجه الأرض، وذلك في قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...)، «سورة آل عمران: الآية 110»، فهذه الأمة تتحد في وحدة العقيدة ووحدة العبادة ووحدة القبلة ووحدة الدستور ووحدة المنهج ووحدة التاريخ ووحدة المصالح ووحدة المصير، وهذا كله يؤكد أن لا طائفية في الإسلام.

وقال: لقد دعا الإسلام الحنيف إلى التوحد والترابط، وعدم التنازع، وجمع الكلمة، وتوحيد الصف، والاعتصام بحبل الله، لأن العمل بغير ذلك يؤدي إلى هلاك المجتمع، فضلا عن أن لا بناء ولا نهضة لأي مجتمع بدون ترابط وتوحد بين أفراده، وقد كان تأليف القلوب - وما زال - باب الإسلام إلى تحقيق الوحدة والأخوة بين المؤمنين، ومن ثم إلى تحقيق التكامل، ونبذ الطائفية، وهو الأمر الذي أدركه المسلمون الأوائل جيدا، فقد اتحدوا وتجنبوا التفرق والطائفية، وكانت النتيجة أنهم أنتجوا أفضل حضارة عرفتها الإنسانية.

اقرأ أيضا