الاتحاد

دنيا

التملك يعيق نمو المشاعر والحب يلهبها

الحب هو الحرية لا يجوز فيها للرجل أن يفرض قوانينه ومفاهيمه الفوقية، وقصصه وحكاياته وأقواله المأثورة على المرأة، ذلك أننا حين نعيش في عالم ذكوري من صنع الرجل مئة بالمئة، وعندما يخضع الحب لكل التقاليد التاريخية الموروثة، ويحني رأسه أمام الموروثات البالية فإنه لا يكون حباً على الإطلاق ·
كما لا يجوز للمرأة أن تلاحق زوجها في كل صغيرة وكبيرة، وتتهمه بالخيانة والكذب، وتعدد الحبيبات ، حيث أصبح يضيق ذرعاً بهذه المضايقات التي تحاصره مما يضطره إلى اختلاق مبررات من صنع خياله للحد من جموح تلك الزوجة التي تغلي كالبركان من شدة الغيرة ، ذلك أن الحب الذي وصل إلى درجة التملك بدأ يفقد معناه وهواجسه الجميلة·
(المرأة بين الحب والتملك) هذا هو السؤال الذي طرحناه على مجموعة من كلا الجنسين لنقف على آرائهم حول هذه القضية الهامة ويستمر الحوار·
تقول مريم كامل موظفة: إن جميع نساء الأرض يبحثن عن الحب الصادق، والمرأة إنسانة كلها عطاء ، ولا حدود أبداً لعطائها، وعندما تمنح مفتاح قلبها لإنسان ما فإنها تترك له المجال للإبحار في بحر عواطفها، تريد رجلاً يملأ عليها حياتها بالسعادة، ويكون مقنعاً في شخصيته ووعيه وتقديره للأمور، لكن أمام هذا السخاء اللامتناهي نجد بعض الرجال يتنكرون للجميل، ويبدأون بمخطط سلطوي لقمع المرأة، وتجريدها من حقوقها كإنسانة لها احترامها، ورأيها المسموع، ومثل هذا الصنف من الرجال ينسى أنه يعيش في مجتمع جديد، ومع امرأة جديدة لها شخصيتها ومكانتها الاجتماعية وفعاليتها ودورها العظيم في الحياة· تابعت من هنا فإن الحب له معنى واحد هو إلغاء جميع صور التمييز الإنساني بين الرجل والمرأة، وترك مساحة من الحرية الشخصية لكل طرف مهما تقاربت العلاقات وتوحدت المشاعر، وبغير ذلك فإن المرأة تصبح مملوكة للرجل، وعبدة له، في حين أننا في زمن تحررت فيه المرأة من القيود التي كبلتها، وأصبحت تتمتع بالحرية، وتعيش بلا خوف أو تردد أو ارتباك من الرجل الذي ما زال إلى الآن يدافع عن سلطته حتى أرهقت عضلاته من كثرة التجديف والسير في الاتجاه الخطأ·
ويتساءل الإخصائي اجتماعي محمد سعيد: كيف تكون العلاقة بين الأم وابنها عندما تصل في حبها إلى درجة التملك والرغبة في السيطرة على هذه الشخصية؟ موضحاً أنه سؤال ملح يطرح نفسه في أي نقاش موضوعي يدور حول علاقة الأم مع الابن والصورة المشرقة التي يجب أن تكون عليها هذه العلاقة· تابع لا شك أن نوعية العلاقة بين الأم وابنها تترك أثراً سلبياً أو إيجابياً على نفسية الابن وسلوكه وهذا السلوك تتحد معالمه واتجاهاته منذ الطفولة، فإما أن يصبح الولد عدوانياً متمرداً أو أن يكون هادئاً متزناً واثقاً من نفسه وبمن حوله من أفراد أسرته، لهذا السبب كان لا بد من تحديد أسس ومبادىء العلاقة الخاصة التي يجب أن تربط الأم بابنها، إذ أن على الأم مراعاة التوازن الدقيق في علاقاتها مع أولادها، وإلا ستجد نفسها في مأزق الحب والكراهية مع أقرب الناس وأعزهم إلى قلبها، وكي تصل الأم إلى هذا الوعي الوجداني السلوكي في ممارستها اتجاه أبنائها عليها أن تتمسك في موازين الحب وإلا تنساق وراء الروايات الملفقة التي قد يبثها الأبناء ضد بعضهم البعض في سبيل الفوز بمكتسبات مادية لا تخدم مصلحة الحياة النفسية للأسرة، وتساهم في هدم حياتها العاطفية وتحول الأهل والإخوة إلى أعداء وربما أكثر·
أما الشاعر بسام حمودة فيرى أن الخوض في هذا الموضوع ليس بالسهولة التي نظنها، مؤكداً أنه يحتاج إلى صفحات وساعات· وقال: أي حب نعني؟ حب الأم الذي لا حدود له والذي يتسع العالم بأسره؟ حب الأبناء لأهلهم والذي تدخل فيه المصلحة (الحاجة، الشعور بالأمان ، الواجب)· أم الحب المتبادل بين الجنسين؟ حتى ضمن هذا الصنف تتفاوت المسألة وتتراوح ما بين الحاجة والهوى الذي تعتبره الدراسات النفسية حالة مرضية· من وجهة نظري فإن الحب بجميع أشكاله يتناقض كلية مع التملك، فالحب عطاء أما التملك فهو أخذ واغتصاب، الحب إحساس سام وعظيم مشبع بالروحانية الجوانية الشفافة، والتملك صفة دنيوية تدخلها لغة الأرقام·
وأضاف أنا أحب الآخر عندما أرى فيه انعكاسا لمشاعري وأحاسيسي وللقيم التي أبحث عنها والتي تقربني من المطلق، أما الامتلاك فهو حالة قمع يرفضها المنطق الإنساني ، فأنا أرفض أن امتلك بقدر ما أرفض أن أكون مملوكا، وتبقى مسألة التكافؤ والمشاعر المتبادلة والالتزام مسألة أخرى تحددها الأحاسيس المشتركة ومدى التأثير والتأثر المتبادلين·
وتتهم المدرسة زينب محمد الرجل بأنه أناني بطبعه وخصوصا الرجل الشرقي وعنده نزعة للسيطرة على المرأة، وأضافت رغم تحضر المرأة في عصرنا ورغم وجودها وشخصيتها القوية مازال للرجل وجوده المتقدم بالنسبة للمرأة·
وفيما يخص الحب ذكرت هناك عدة أنواع من الحب ، والحب الذي يصل إلى درجة العشق المفرط يكون من أشكال التملك دون شعور الطرفين بذلك لكن ما نشاهده في الحياة ،والواقع أن الحب لا يدوم بنفس الحرارة إذا عاش الرجل والمرآة تحت سقف واحد فالحب في النتيجة عادة أما الذي يبقى فهو الاحترام والمعاملة والعشرة والانسجام وإذا فقدت أي ركيزة من هذه الركائز فرطت علاقة الحب، أما التملك فانه لا يصنع علاقة ناجحة في الحياة لان حرية الإنسان مهمة·
أما حنان محمد فإنها تفرق بين الحب بمعناه الرومانسي والحب بلغة الأرقام والحسابات وفي ذلك تقول: أصبح لكلمة الحب في عصرنا الذي يلهث خلف المادة مدلولات جديدة، فالحب الرومانسي الذي تحدثت عنه القصص والروايات في السابق لم يعد له وجود، وحتى عندما يريد الرجل أن يتزوج ويختار شريكة حياته وكذلك الفتاة فان الانجذاب العاطفي ليس هو الأساس الذي تقوم عليه عملية الاختيار، فالرجل يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على هذه الخطوة، ويوازن الأمور ماديا قبل كل شيء·
وبالمثل فان الفتاة يهمها الاستقرار المادي في حياتها الزوجية، وفي رأيها أن التملك والحب خطان متوازيان ولا يلتقيان أبدا، أي أن الأمور تختلط في بعض الأحيان فيرى الرجل نفسه باعتباره سيد الموقف انه مالك لكل شيء ·· البيت والزوجة والأولاد الذين عليهم أن يوافقوه في كل شيء من المشاعر والأحاسيس والآراء وأن يطيعوه طاعة عمياء وقد يتحول هذا الشعور بالتملك إلى استعباد وانتهازية من قبل الزوج يخنق بها أهل بيته·
أما المرأة والتي تقع في مطب التملك فإنها تعتبر نفسها ذات حق في أن تكون ملكة في بيتها تعرف كل صغيرة وكبيرة في حياة الزوج والأبناء إلى درجة يضيق الزوج ذرعا من تدخلاتها المتزايدة، ومحاولاتها المستمرة في الهيمنة على المساحة الشخصية للرجل نفسه حيث يتحول عش الزوجية الهادئ إلى سجن مغلق له أبواب من حديد أو قلعة حصينة بصورة إجبارية وليس نتيجة قناعات مشتركة بين الزوج والزوجة أساسها الحب والانسجام والتفاهم·
ويقول المهندس فراس أحمد: الرجل صاحب سلطة نعم، ولكن ليس من حقه أن يفرض ما يراه على المرأة سواء كانت أختا ،أو أما أو زوجة، فنحن تخطينا العلاقة التقليدية التي كانت قائمة بين الزوج والزوجة في الماضي بحيث اقتربت هذه العلاقة من مستوى أزيلت فيه الكثير من الفواصل والعقبات·
وتقول فاطمة سعيد: التملك قد يفهم من ناحيتين، فالبعض يصف المرأة بأنها متسلطة وترغب في تسيير الأمور على هواها وكيفما تشاء، متعدية بذلك على حرية زوجها وأولادها فتحصرهم ضمن بوتقة أفكارها وآرائها ، متناسين بهذا الاتهام الباطل ما تقدمه المرأة لأسرتها ، وتضحياتها في سبيل سعادتهم فهي التي تقف مع زوجها في السراء والضراء وهي التي تستر ما لا يعرفه الآخرون وتسهر مع المريض وتأخذ بيد الأبناء في دراستهم، بل وقد تتغير حياتها كليا بطوع إرادتها من أجل إسعاد أسرتها، وعلى سبيل المثال فإنها تأكل ما يرغبون وتشاهد ما يحبون من برامج تلفزيونية بل وقد يفرضون عليها قراءة كتبهم الخاصة ، لتبقى على اتصال مباشر مع أفكارهم، هذه المرأة من حقها أن تكون ملكة متوجة بكل معنى الكلمة في بيتها تعرف كل صغيرة وكبيرة وليست جارية تقوم على خدمة من حولها بحجة أن ذلك واجبها، نعم ذلك واجبها وعلينا أن نعطيها حقها·
أما التملك من جهة الرجل فهو التملك العنيف، الرجل الذي يريد أن يصبح سيد الكلمة دون تقديم تنازلات، هو بحق ديكتاتور يمارس أعنف الضغوط على نفسية المرأة والأولاد الذين يرفضون هذا اللون من الحب القاسي والرغبة المتوحشة في السيطرة وذبح الكيان الإنساني للزوجة والأبناء أو ربما يكونون أضعف من ذلك فيستسلمون للأمر الواقع وتتلاشى شخصياتهم إلى حدود السلبية المطلقة ، ويتحولون إلى عناصر غير فعالة في المجتمع

اقرأ أيضا