الاتحاد

الاقتصادي

المزيد من المباني تتحول إلى اللون الأخضر بالعالم

معظم الناس، عندما يفكرون في المباني «الخضراء»، يظنون أنها مبنية بأسلوب خاص لترشيد استهلاك الطاقة، بحيث يؤخذ في الاعتبار الحفاظ على البيئة. لكن، وبشكل متزايد، أصبحت المباني الخضراء تحمل هذا الاسم لأنها محاطة بنباتات طبيعية مزروعة في الداخل والخارج، لتكون «خضراء» بالمعنى الحرفي للكلمة.
وتحتضن المدن والشركات في جميع أنحاء العالم الآن التصميم الحيوي، وهو مفهوم المباني المحاطة بالطبيعة، ليس من أسفل فقط، بل أيضاً في الطوابق العليا، إضافة إلى إدخال الطبيعة إلى المبنى، من خلال تضمين عناصر طبيعية في التصميم الداخلي.
ويوجد في هذا النوع من المباني شرفات مزروعة بأشجار ونباتات تلتف حول المبنى، كله مهما ارتفعت أدواره، إضافة إلى مصادر مياه داخلية صناعية، مثل البرك والشلالات. كما تعد المساحات الخضراء التي تغطي الجدران الداخلية، ونوافذ زيادة الضوء الطبيعي، كلها عناصر أساسية في تصميم المباني الحيوية، وتعد كذلك امتداداً للمناظر الطبيعية التي يراها الإنسان في الحدائق أو عندما يجول في الشوارع.
ومن الواضح أن الجماليات هي المحرك الأساسي لبناء مباني بتصاميم حيوية، إلا أنه يوجد بعد آخر يشجع على العمل أو الإقامة في تلك المباني، وهو التحفيز على الاستقرار النفسي وزيادة النشاط، إضافة إلى أن التصميم الحيوي يمكن أن يؤدي إلى توفير كبير في الطاقة. وتشير الأبحاث إلى أن الموظفين في المباني المصممة بعناصر طبيعية لا يشعرون بتحسن في أماكن عملهم فحسب، بل يحققون أداءً أفضل أيضاً.
على سبيل المثال، أظهرت دراسة غير مسبوقة أجريت عام 2003 على 100 موظف في مركز اتصال لمنطقة ساكرامنتو في أميركا، وهو مخصص للرد على استفسارات سكان المنطقة بخصوص خدمات البلدية، أن العمال الذين جلسوا إلى وجهات تطل مباشرة على مناظر طبيعة من خلف النوافذ تعاملوا مع ما يصل إلى 12% من المكالمات في الساعة أكثر ممن يجلسون إلى مكاتب لا تطل على مناظر طبيعية.
ويعد مبنى شركة «كليف بار آند كو» للمأكولات الجاهزة والأطعمة العضوية، الذي افتتح مؤخراً بمنطقة توين فولز في إيداهو بالولايات المتحدة، في طليعة هذه الحركة الجديدة في التصاميم. ويضم المبنى مساحات كبيرة من جدرانه كنوافذ إضافة إلى مناور لتجلب أشعة الشمس مباشرة إلى داخل المبنى، وهناك أنابيب من السطح لضمان دخول الضوء الطبيعي طوال النهار في عمق المبنى من الداخل ليلفه في ضوء طبيعي لطيف.
إلى ذلك، توجد رسومات لمناظر طبيعية على الجدران تضم صوراً للجبال والأنهار والغابات في قلب المبنى. كما تم تصميم ممر داخلي حجري ضخم يحاكي وادي نهر «سنيك»، أحد المعالم الجغرافية الأكثر إثارة في وسط الصحراء والوديان الشهيرة في الغرب الأميركي.
وفي كل مكان في المبنى تقع عيناك على نباتات تزين الأسقف والجدران مزروعة بنباتات لا تحتاج لكثير من الصيانة، لأن المبنى بالفعل يحيطه الضوء الطبيعي وأشعة الشمس طوال الوقت ما يعطي الذين يتجولون في هذه الأماكن الداخلية إحساساً وكأنهم في الهواء الطلق. كما تم زراعته بأكثر من 570 شجرة ضخمة و5700 شجيرة وأعشاب تتحمل الجفاف، في عدد من الباحات التي يستخدمها الموظفون في فترات الراحة وتناول الطعام.
كما تم اختيار موقع إقامة مبنى الشركة لتقديم مساحات من الرؤية بلا عوائق للجبال القريبة من غابة «ساوتوث» الوطنية القريبة. وكانت الفكرة وراء تصميم المبنى الذي تبلغ تكلفته 90 مليون دولار، وتبلغ مساحته 300 ألف قدم مربع، وتم الانتهاء منه عام 2016، هو أن يكون «المكان الذي يرغب الجميع في العمل فيه»، بحسب ريتش بيرجر، نائب رئيس قسم الهندسة والإمدادات الغذائية شركة «كليف بار آند كو» للمأكولات الجاهزة والأطعمة العضوية في مدينة «إيميرفيل» بولاية كاليفورنيا.
وبيل براوننج، الشريك المؤسس لشركة «تيرابين برايت جرين»، وهي شركة استشارية مقرها نيويورك تركز على التنمية المستدامة، ويعد براوننج من الخبراء الرائدين في مجال التكنولوجيا الحيوية بالولايات المتحدة. وتعاون مع عدد من الشركات مثل «وولمارت» لمتاجر التجزئة الشهيرة في الولايات المتحدة وسلسلة منتجعات وفنادق «ويستن ماريوت» ليضيف إلى مبانيها التصميم المحب للحياة. وتعاونت «وولمارت» مع «براوننج» في بداية استكشافه لكيفية توظيف عناصر مثل الإضاءة الطبيعية الوفيرة في مساحات عمل البيع بالتجزئة تحسّن الإنتاجية، والمبيعات. وأثبتت التجربة التي أجرتها أفرع لـ«وولمارت» بإضافة الإضاءة الطبيعية واللون الأخضر الطبيعي، أن المبيعات لكل قدم مربع كانت أعلى بشكل ملحوظ في أقسام المتاجر خلال النهار، من الإدارات المضاءة صناعياً، وفقًا لتقرير مشترك لبراوننج و«وولمارت».
وقال نائب رئيس التسويق وإدارة العلامة التجارية العالمية لفنادق «ويستين»، جورج فليك «نعتقد أن الناس لديهم حاجة فطرية للتفاعل مع الطبيعة»، وبالتالي فإن الشركة تضع كل تصميمها في الاعتبار مع المبادئ التي يضعها التصميم الحيوي للمباني. ويتكون فندق ويستين بافالو من 5 طوابق ويتكون من 116 غرفة في بافالو، بولاية نيويورك. ويضم جدرانا مزروعة بشكل شبه كامل وبنوافذ مكشوفة على المناظر الطبيعية المجاورة لمبنى الفندق، ويزين غرف النزلاء السجاد والجدران التي تغلب عليها الألوان الطبيعية مثل لون الطمي البني ولون الأشجار مع رسومات ولوحات معلقة على الجدران والتي تمثل الطبيعة.
وهناك دراسة محورية تدعم نظرية التصميم الحيوي أجريت عام 1984 ونُشرت في مجلة «ساينس» العلمية. ووجدت الدراسة التي أجريت في مستشفى ولاية بنسلفانيا، أن المرضى الذين تطل غرف نوافذهم على مناظر طبيعية في الضواحي، يمضون أوقات أقل في الاستشفاء ممن لا يحظون بهذه الميزة. وقد أكدت أيضاً العديد من الدراسات الأخرى أيضاً هذه الفوائد الصحية.
واليوم، يضم مستشفى «كو تيك بوات» في سنغافورة، الذي اكتمل عام 2010، ساحات فناء داخلية واسعة من النباتات الاستوائية المحيطة بمناطق المرضى.
وهناك غرف خاصة تسمح بمرور الهواء الطبيعي طوال الوقت من الخارج إلى الداخل ما يسبب ذلك تحسن في عملية مرور الهواء الطبيعي بنسبة 20% إلى 30% ما يقلل الحاجة إلى تكييف الهواء.
وسنغافورة أيضاً موطن لواحد من رواد تصميم المباني الحيوية، وهي الشركة المعمارية «دابليو أو إتش إيه»، وأسسها وونغ مان سوم وريتشارد هاسل عام 1994.
وأقيم فندق بارك رويال في منطقة «بيكرينج» في سنغافورة، التابع لمجموعة فنادق «بان باسيفيك»، على مساحة 4 فدادين من المصاطب المزروعة والمكتفية ذاتياً والمتداخلة مع الشلالات والبرك وغيرها من السمات الطبيعية. وقد تم إشغال معظم غرف الفندق الذي يضم 367 غرفة منذ افتتاحه عام 2013، ويبلغ سعر الإقامة أكثر من 500 دولار في الليلة. ويقول هاسل «إنه مشروع يوضح أن الاستثمار في التصميم الأخضر يمكن أن يترجم إلى ربح حقيقي».
ووفق هاسل وتعمل «دبليو أو إتش إيه» في 14 مشروعاً تعتمد على إقامة مباني حيوية في 7 دول، أحدهما منتزه ومجموعة فصول دراسية كجزء من حرم جامعي جديد لمعهد سنغافورة للتكنولوجيا الذي سيشمل مباني الحرم الجامعي في وسط غابة.
واكتسب التصميم الحيوي الجديد بعض الاعتراف بمزاياه وينتشر في عدد من دول العالم. فهناك البرجان المزدوجان لمجمع شقق «بوسكو فيرتيكال» السكني في ميلان بإيطاليا، يضمان شرفات متداخلة تضم نحو 800 شجرة، بما يكفي لتغطية غابة مساحتها 3 أفدنة. وحاز المشروع على جائزة «إنترناشونال هايرايز» الأوروبية المرموقة عام 2014 وهي جائزة خاصة تمنح للمبنى الأكثر ابتكاراً في القارة.
وخلال تصميم المباني ذات المساحات الخضراء الضخمة، يمكن أن تشكل الجدران الخضراء والحدائق المصطفة تحدياً لأن استخدام الأشجار يتطلب بناء قدرة خاصة لتحمل المزيد من الثقل لذلك تتفادى بعض المشروعات ذلك باختيار النباتات الأخف وزناً. في حديقة «وان سينترال بارك» في سيدني، لا تحتاج النباتات المائية إلى تربة أو أدنى حد من الماء لتزدهر، ما يخفف من مشكلة التحميل الزائد على هيكل المبنى.
ولا تضيف الجدران الخضراء سوى تكاليف متواضعة إلى البناء الجديد، لأن جلب المياه والصرف الصحي لا يتطلب أكثر من تركيب السباكة اللازمة. وقال ريتشارد كينكايد، مؤسس شركة «ساجا جرين لايف»، ومقرها شيكاجو، المختصة في بناء الجدران الخضراء، «بالنسبة للصيانة، كان تركيزنا على بناء الجدران حيث يكون هناك حد أدنى من الصيانة للنبات وبالتالي تكلفة أقل للتشغيل مع مرور الوقت».
وفي الولايات المتحدة، تظهر مشاريع المباني الحيوية في جميع أنحاء أميركا. ومن بين المشاريع البارزة مشروع من قبل شركة «كوكفوكس اركيتيكتس» في نيويورك، حيث قامت الشركة بتحويل مرآب للسيارات مكون من 5 طوابق مجاور للمركز الأخضر المرتفع في الخط الرفيع في المدينة إلى مجمع مكتبي مضاء إضاءة طبيعية ومكون من 12 طابقاً وهو الآن على وشك الانتهاء.
وقال ريك كوك، مؤسس شركة «كوكفوكس» «كانت الفكرة هي إعادة النظر في الموقع من أجل مكان عمل حيوي في المستقبل». وأضاف «تبدأ الحديقة في الهواء الطلق في الطابق الثاني، وهي شرفة ترتفع لتصل إلى شرفات الطابق الثاني والثالث والرابع مع سلم واسع يحتوي على مساحة من الزرع ومقاعد»، «وكل طابق أعلاه يضم أيضاً شرفة في مواقع متنوعة»، كما يقول، الأهم من ذلك أن «هناك حدائق على السطح في الطابق الحادي عشر والثاني عشر».

بقلم: كين ويلز

اقرأ أيضا

المفاوضات التجارية بين أميركا والصين تستأنف في واشنطن اليوم