الاتحاد

الاقتصادي

بولسونارو يستهدف «ثورة اقتصادية» في البرازيل

برنامج طموح لإصلاح البنك الوطني للتنمية  وإنهاء «المحسوبية»

برنامج طموح لإصلاح البنك الوطني للتنمية وإنهاء «المحسوبية»

المؤشرات الرئيسية للاقتصاد البرازيلي تحسناً طفيفاً في الأداء للمرة الأولى، منذ موجة الركود التي ضربت البلاد قبل ثلاثة أعوام. فقد تراجع معدل التضخم في الأشهر الأخيرة إلى نحو 3.5% بينما تتراوح أسعار الفائدة الرئيسية الآن بين 2% و3% فقط. وانخفضت مخاطر الديون الرديئة وحالات الإعسار، بالتزامن مع انتعاش نسبي في أسواق المال المحلية، وتحسن متوقع في معدل النمو السنوي. رغم هذا كله، مازال اقتصاد البلاد أبعد ما يكون عن المقومات اللازمة لدولة نامية.
وكان هذا الأداء الإيجابي قد بدأ في الظهور على استحياء بعد تولي ميشيل تامر رئاسة البرازيل، خلفاً لديلما روسيف زعيمة حزب العمال، التي عزلت من منصبها عام 2016 لاتهامها بالفساد. ومع تولي الرئيس الحالي جير بولسونارو السلطة في يناير الماضي، اكتسب الاقتصاد الوطني قوة دفع جديدة.
وألقى بولسونارو كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تناول فيها دواعي انتخابه والتحديات التي تواجه البرازيل. وبالمصادفة، جاءت كلمته بعد يومين من إلقاء مراهقة سويدية كلمة تموج بالمشاعر عن ظاهرة ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض والآثار المترتبة على ذلك. وحظيت كلمة الفتاة بالإعجاب، وحققت لنفسها شعبية واسعة بين الجمعيات المدافعة عن البيئة.
أما بولسونارو، فقال إن العوامل التي أتت به إلى السلطة هي «الخالق، والسيادة الوطنية، ومثل الشعب البرازيلي وتطلعاته». وفي الكلمة نفسها، شن هجوماً على ما وصفه «بالروح الاستعمارية» لطبقة النخبة العالمية، والاشتراكية التي غذت الديكتاتورية في فنزويلا، ودفعت إلى تجنيد الأطباء في كوبا للعمل بالخارج وتحويل مرتباتهم بالنقد الأجنبي لدعم النظام الحاكم.
وأشار إلى أن الحكم اليساري أدى إلى تفشي الفساد في البرازيل، وحدوث ركود اقتصادي خطر، وارتفاع معدلات الجريمة، وتعرض القيم الأسرية والدينية لهجمات مستمرة، برغم كونها جزءاً لا يتجزأ من التقاليد المحلية الراسخة للبلاد.
وشكلت نبرة الخطاب نوعاً من التحدي لمفاهيم الأمم المتحدة الثابتة. أما البرازيليون فقد فرح كثيرون منهم بما تناوله بولسونارو، في حين دق ناقوس الخطر بين رواد المطاعم في نيويورك وباريس، وغرف الأخبار في أنحاء العالم إزاء عباراته الحادة ذاتها.
فقد رفض الرئيس البرازيلي الخضوع لجماعات الضغط المنادية بحماية البيئة، وميل بعض الجهات الدولية لإملاء إرادتها على بلاده. وجلب هذا الموقف إدانة شديدة له، بلا شك.
رغم هذا، بدا أن ثمة تحركاً إيجابياً مهماً وجديداً يحدث في البرازيل. وللأسف، لم يلتفت لذلك أصحاب الأيديولوجيات الجامدة في المنظمة الدولية ممن يتشدقون بمفاهيم البيئة، أو أصحاب المصالح الخاصة المشتغلون بالسياسة!
ويصف بعض المراقبين بولسونارو بأنه من اتباع المدرسة السياسية التقليدية. ولكن المدهش هنا أن برنامج عمله المعلن يبدو مبشراً بتغيير واقع ملايين البرازيليين المعدمين. وإذا كان منتقدوه جادين بالفعل بشأن مستقبل البرازيل، فوجب عليهم أن يحاسبوه على وعوده الانتخابية، بدلاً من كيل الإهانات له.

بنك التنمية
وعد بولسونارو قبل انتخابه بإصلاح البنك الوطني للتنمية في البرازيل الذي تأسس في عام 1952. وكشأن معظم بنوك التنمية الأخرى، خدم هذا البنك طبقة السياسيين الأقوياء في الأغلب الأعم، وكان له دور أكبر مما ينبغي في الأزمات الاقتصادية الكبرى التي عصفت بالبلاد.
وفي مقابلة صحفية قبل أسبوعين تقريباً، تناول جوستافو مونتيزانو (39 سنة) وهو مصرفي سابق في بنك استثماري، وسادس رئيس مجلس إدارة للبنك الوطني للتنمية خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، تناول برنامج إصلاح البنك، مشيراً إلى أنه في حال نجاحه في تحقيق وعوده باحتواء الأضرار التي سببها البنك للنمو الاقتصادي المحلي، فإن عليه بالضرورة أن يحد من استغلال البنك كأداة سياسية. وإذا ما تحقق له هذا، فسيكون إنجازاً ثورياً بحق. وأشار أن إلى خطته لإصلاح البنك تتواءم مع برنامج الحكومة لتحقيق انفتاح اقتصادي أوسع نطاقاً.

خطة الإصلاح
وكان بولسونارو قد نجح في انتزاع موافقة البرلمان على خطته لإصلاح منظومة المعاشات التي تأخر تطبيقها كثيراً. كما شرع في تنفيذ برنامج ثوري للخصخصة، فضلاً عن تمرير عدة تشريعات تهدف إلى الحد من البيروقراطية الإدارية التي تشكو أوساط الأعمال منها في البلاد.
وذكرت صحيفة محلية واسعة الانتشار، في 23 سبتمبر الماضي، أن الحكومة قررت فتح الاقتصاد المحلي على العالم الخارجي بعد فترة طويلة من الانغلاق. وأضافت أنه تقرر خفض الرسوم الجمركية على أكثر من 2300 سلعة، وفتح القطاعات الصناعية المحلية أمام تحديات التجارة الحرة بعد عقود من السياسات الحمائية.
وأشار مونتيزانو في المقابلة إلى أن الحكومة الحالية تعتزم أيضاً تبسيط قانون الضرائب وإصلاح الهيكل الإداري للقطاع العام.
ودأب السياسيون اليمينيون واليساريون، طيلة الـ60 عاماً الماضية تقريباً، على حماية الوضع القائم في البنك الوطني للتنمية فاستمر في التدهور. وتمول أنشطة البنك عن طريق مساهمات تخصم شهرياً من رواتب العمال في البرازيل كضرائب. وبرغم هذا، لم يستفد العمال أنفسهم كثيراً من البنك.
في المقابل، نجح المتنفذون في الحصول على قروض بضمان الحكومة من البنك لتمويل الشركات العامة أو شركاتهم الخاصة، وبأسعار فائدة تفضيلية تقل عن الأسعار السائدة في السوق. وعندما تصل هذه القروض إلى مستوى الديون الرديئة والمشكوك في تحصيلها يضاف عبئها، ببساطة، على الدين العام للبلاد. وأدت هذه المديونية إلى زيادة كلفة الاقتراض على المواطنين البرازيليين العاديين ممن تنقصهم مزية النفوذ السياسي.
ولعل من أشهر صور الفساد لهذا البنك مشروع ميناء مارييل في كوبا. فقد قدم البنك أكثر من 500 مليون دولار كقرض لتمويل المشروع بضمان الحكومة البرازيلية. ويقول مونتيزانو في هذا الصدد إن الجانب الأكبر من هذا التمويل «فُقد» بالفعل، بينما تبين للخبراء أن قيمة التعاقدات الإنشائية للميناء رفعت ضعفين أو ثلاثة أضعاف عن التكلفة الحقيقية. ووعد بإنهاء مبدأ القروض المدعمة، والعمل على سداد المديونية المستحقة للخزانة العامة، ونقل بؤرة اهتمام البنك إلى تسهيل تدفق رؤوس الأموال الخاصة إلى مشروعات البنى التحتية المخصصة لأغراض التنمية.
وأعد مونتيزانو خطة شديدة الطموح لتطوير البنك، تعتمد في الأساس على استبعاد مبدأ القروض المدعومة، وتركيز أنشطته في مجال خدمات الوساطة المالية على صعيد المشروعات العامة والمحلية، وفي مجالات منح الامتيازات وبرامج الخصخصة.
وبطبيعة الحال، يتطلب هذا كله توافر خبرات فنية رفيعة داخل البنك. ومن المتوقع أن يرفع البنك شعار «قروض أقل، وتنمية أكبر» لتحقيق هذه الأهداف. ويشبه هذا الشعار كثيراً ما ساد في عقد التسعينيات من القرن العشرين في أوج عصر الخصخصة. وإذا ما نجحت خطة تطوير هذا البنك، فسيحظى برنامج بولسونارو الإصلاحي بقوة دفع حقيقية هو في أمس الحاجة لها لتحقيق وعده الكبير بتغيير البرازيل.

بقلم: ماري أنستازيا أوجرادي

اقرأ أيضا

النساء يتفوقن على الرجال في الإدارة المالية بالشركات الكبرى