الأحد 22 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
فصول الهياج والانتقام والغفران
فصول الهياج والانتقام والغفران
22 يونيو 2011 20:26
كثيرة هي الأفلام التي اقتبست خطوطها السردية ومناخاتها الدرامية من النصوص المسرحية لوليم شكسبير، كما أن هناك أفلاما صيغت أساسا على مقاس شخصيات شكسبير الخالدة والتي غدت مثل علامة ممهورة بطموحاتها وعذاباتها وقلقها وأسئلتها الوجودية العميقة والمؤلمة، شخصيات ظلت مأساتها الداخلية كما لو أنها أرث جامح ومسيطر على تراجيديا العالم بأكمله، فمع السيرة الملتهبة والحضور المهيمن لـ”ماكبث” و”هاملت” و”الملك لير” و”عطيل” و”ريتشارد الثالث” و”الملك جون” و”هنري الخامس” وغيرهم، كان على هذه الشخصيات المثيرة للجدل السيكولوجي الذاتي، وللجدل الاجتماعي والثقافي والسياسي أن تمنح الفن أيضا ما يستحقه من شغف وفورة وإجلال وافتتان لا ينتهي ولا ينضب. كثيرة أيضا هي المعالجات السينمائية التي لامست النص الشكسبيري الشاهق ولكنها لم تجرؤ على نقله حرفيا إلى الشاشة، لأسباب ترجع ربما إلى تمايز الفضاء المسرحي واللغوي والشعري المترامي والشاسع مقارنة بالحيز الزمني المكثف للفيلم، لأنه حيز يكتفي بالحوار كعامل مساعد، ذلك أن السينما هي الوسيط الذهبي للصورة المتحركة والمتدفقة كمنفذ ومعبر إلى حواس المتفرج، وإلى خصوصية المشاهدة التي يتمتع بها في الصالة المعتمة والمنتصرة لعزلة التذوق الفردي. ولا يخفى هنا مساهمة مبدعين سينمائيين كبار في تناول النص الشكسبيري وضخه بالطاقة السحرية للسينما والتي أتت لتعزيز سحر اللغة الشعرية المكتنزة في أعمال شكسبير، ونذكر من هؤلاء السينمائيين اورسون ويلز، والسير لورانس اوليفييه، وغودار، وبيتر جرينواي، وأكيرا كيراساوا، وفرانكو زافاريللي، وكينيث براناه وغيرهم. طموحات وخسارات حاول هؤلاء المخرجون أفلمة المسرح الشكسبيري وتوظيف النص الفاره والأخاذ الذي يتضمنه، وجاءت معظم هذه المعالجات بحمولات وإسقاطات وتأويلات خاصة بهوى المخرج نفسه، وبرغبته في إدماج السياق القصصي والصراع النفسي للشخوص من خلال تحويرات إخراجية تتلاءم والزمن الحديث، المشتبك بدوره مع ظروف راهنة ومعاشة. ومن الأفلام المقاربة للمناخ والمضمون الشكسبيري، والمختلفة تماما في المعالجة البصرية يأتي فيلم “البحث عن ريتشارد” كمثال صارخ هنا، والذي قدمه الممثل والمخرج الشهير آل باتشينو كوثيقة بصرية تنزع للأسلوب التسجيلي الممتلئ بشحنة من الخيال والتجريب والبحث الشعري والافتراضي عن ريتشارد الثالث ـ إحدى الشخصيات الأثيرة في التراث الأدبي الشكسبيري، وهناك أفلام قدمها المخرج كينيث براناه سعى من خلالها إلى إفراغ مسرح شكسبير من تأثيرات التراجيديا الإغريقية، من أجل اصطحاب النص الشكسبيري في جولة مدهشة ومفارقة إلى العالم المعاصر، وإلى المحتوى المديني بالتحديد، هذا المحتوى أو “الفورم” الذي تتشكل خلف جدرانه وفوق شوارعه قصص إنسانية مؤلمة ومأساوية لا تقل جراحاتها عن جراحات “هاملت” أو “عطيل” أو “الملك لير” مثلا. ومن آخر الأفلام التي تطرقت لأعمال شكسبير وعرضت خلال هذا العام، يأتي فيلم “العاصفة)” للمخرجة الأميركية جولي تايمور كأحد الأفلام المحافظة على قوام المسرح الشكسبيري، والأمينة أيضا للمظهر والجوهر المبثوثين في النص الأصلي للمسرحية، ولكن هذه الأمانة الفنية لم تخل من بعض التعديلات الذي أجرتها المخرجة على السيناريو، ولامست هذه التعديلات الشخصية الرئيسية في الفيلم، حيث قامت المخرجة بتحويل الساحر بروسبيرو في النص الأصلي، إلى شخصية أنثوية هي الساحرة بروسبيرا زوجة دوق ميلانو الإيطالية. ويبدو أن المخرجة لم تجد أفضل من الممثلة هيلين ميرين كي تمنح الفيلم مسحة ناعمة تختزن في نسيجها الخفي مشاعر متناقضة مثل الشراسة والحنان، والحقد والمحبة، والانتقام والغفران، والتي اجتمعت في جسد واحد وفي عاطفة هائجة ومتلاطمة وسط طموحاتها وخساراتها الشخصية. وسبق للمخرج الإنجليزي بيتر جرينواي معالجة مسرحية “العاصفة” في العام 1991 من خلال فيلم: “كتاب بروسبيرو” الذي جاء أشبه بإعادة تأليف للنص الأصلي اعتمادا على ثيمات سمعية وبصرية معاصرة مثل الرقص والموسيقا والتركيز على صوت الراوي الواحد الذي يختصر مشاعر وذكريات الشخوص الأخرى، وسعى جرينواي في فليمه التجريبي هذا إلى خلق ذاكرة جديدة للنص الكلاسيكي المعروف، معتمدا على فانتازيا مشهدية تتناثر وتنتشر وتنبع من عمق (الكتاب) الذي اعتبره المخرج هنا موطنا للسحر والجمال وابتكار عوالم جديدة وغير مطروقة. المخرجة جولي تايمور قدمت قبل سنوات فيلما مثيرا للجدل حول الرسامة المكسيكية الراحلة (فريدا كاهلو) ـ أدت دورها الفنانة سلمى حايك ـ بشخصيتها المتأزمة ومأساتها الوجودية التي انعكست على أعمالها الداكنة والكابوسية، والتي جاءت مثل هدير لوني مضطرب ووحشي ومتروك في قبضة اليأس. خيمياء العواطف في فيلمها الجديد “العاصفة” تستثمر تايمور التضاريس الغرائبية والبيئة الغامضة للطبيعة المحيطة بالشخوص كي تحول “سينوغرافيا المكان” إلى هاجس نفسي وبصري مهيمن على كل شخوص العمل، ففي جزيرة نائية ومعزولة ـ تم تصوير الفيلم في إحدى جزر هاواي ـ نتعرف على الساحرة بروسبيرا التي لجأت لهذه الجزيرة الموحشة قبل سنوات بعيدة بصحبة ابنتها الصغيرة ميريندا، إثر انقلاب شقيقها عليها واستيلائه على حكم مدينة ميلانو بالتعاون مع حاكم مدينة نابولي، وهروب أو تهريب بروسبيرا جاء مدبرا حيث ساعدها بعض الأهالي المحبين لها وأنقذوها من الموت بعد تزويد القارب بالمؤن وبالكتب التي كانت تعشقها، ومن ضمنها كتب خاصة بالعلوم والخيمياء، ما جعلها بعد جنوح قاربها إلى الجزيرة تلجأ لاستخدام التعاليم السرية في هذه الكتب كي تستحوذ على طاقة سحرية تعينها على تربية ابنتها وتطويع مظاهر الطبيعة مثل الأمواج والأمطار والعواصف والرياح كي تكون خادمة لها، ومع قدراتها السحرية المكتسبة هذه استطاعت بروسبيرا أن تقضي على شرور الساحرة سيكوراكيس المقيمة قبلها في الجزيرة وحولت ابن سيكوراكيس الوحيد (كاليبان) إلى عبد مطيع لها، كما استطاعت أن تحرر وتستميل العفاريت والكائنات الشبحية التي سجنتهم سيكوراكيس ونكلت بهم في السابق، ومن ضمن هذه الأرواح الخفية يبرز (آرييل) كقائد ومحرك لهذه الأرواح، وكخادم مطيع يحقق رغبات بروسبيرا في أي الوقت. ومع اقتراب سفينة غريبة من الجزيرة تحمل على متنها أعداء الأمس وهم شقيقها ودوق نابولي وإبنه، تستخدم بروسبيرا قدراتها العجائبية وتثير عاصفة قوية كي تحطم السفينة وتجبر من عليها على اللجوء إلى الجزيرة، وهناك تستدرجهم الواحد بعد الآخر نحو متاهات وعذابات مرهقة ومهلكة بمساعدة الحيل والخدع والإيهامات التي يمارسها الجني أرييل، وتشتعل رغبة الانتقام ويزداد إيقاعها الصاخب في دواخل بروسبيرا، ولكنها في النهاية ترضخ لجانبها الإنساني المتخلص من شرور السحر الأسود، وتقرر أن يكون الغفران هو خاتمة أفعالها في هذه الجزيرة المغروسة مثل اللعنة في مياه المحيط، ومع هذه الصيغة التصالحية والمرضية للجميع تعود بروسبيرا إلى مدينتها الأثيرة ميلانو تاركة خلفها ميراثا مرا من الحقد والألم والطعنات والمؤامرات التي يصعب الخلاص منها أو الفكاك من تبعاتها. طاقة رؤيوية امتاز الفيلم بحفاظه على اللغة العالية في النص الأصلي، وهي لغة فريدة جمعت بين النثر والشعر استطاع شكسبير أن يضخها بمفردات مشغولة بدقة وعناية، كي تلامس المونولوج الداخلي المرهف للشخوص، كما أنها مفردات تحفل بنسق سحري وخرافي متداخل ومنتم بقوة مع الطبيعة المحيطة، ويشعر المستمع للقصائد المبثوثة في حوارات الفيلم بوجود هذه الزوابع الناعمة والفورات الأليفة للغة، والمتضامنة دون شك مع الطاقة الرؤيوية لشكسبير في اختراق وملامسة أدق التفاصيل وأكثرها قربا من ذاكرة المشاهد ومن طفولته البعيدة ومن آلامه ومسراته القابعة في الأحلام كما في الكوابيس. عاب على الفيلم المؤثرات والخدع البصرية التي بدت هزيلة وأقرب لأفلام “الكوميكس”، في وقت كان يفترض أن تعزز هذه المؤثرات من الإيقاع البصري لفيلم قائم أساسا على حكاية خرافية وعجائبية فهذا النوع من الأفلام يحتاج لمعالجات أكثر التصاقا وأكثر إقناعا وقربا من التفاصيل الصاخبة والمتجاوزة للواقع. وبعيدا عن الأداء القوي والمتقن للممثلة هيلين ميرين فإن باقي الممثلين ورغم صيتهم الأدائي اللامع في أفلام كثيرة لم يستطيعوا الخروج من الأداء المحصور والخانق الذي وجدوا أنفسهم مجبرين على القيام به، وكانت هناك مساحة شاغرة ومتباعدة بين الأداء التمثيلي وبين عنف وتقلبات القصة، كما أن الشخصيات لم تستطع أن تترجم الإيقاع الشعري المحتدم في النص، فجاء أداؤها باردا ومحايدا ومنزوعا من الانفعال مع هكذا أجواء ومناخات وصراعات نفسية حاشدة.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©