الاتحاد

عربي ودولي

العراق.. القادم «أسوأ» بعد «الأربعين»

طهران وواشنطن داخل حلبة الأزمة والسيناريوهات مفتوحة والشارع يتشبث بحقوق دمه المراق

طهران وواشنطن داخل حلبة الأزمة والسيناريوهات مفتوحة والشارع يتشبث بحقوق دمه المراق

هدى جاسم (بغداد)

لم يكن الأول من أكتوبر، يوم شرارة التظاهرات الشعبية التي عمت محافظات الوسط والجنوب العراقي، بل سبقها شرارة الدعوة للتظاهر ورفض الامتثال للأمر الواقع المحاط بالفقر وانعدام فرص العمل والخدمات المؤجلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي من شباب لا ينتمون لأي حزب أو جهة سياسية، كما حصل في تظاهرات سبقت هذا التاريخ، كتلك التي أعدها ونظمها تيار مقتدى الصدر، والتيار المدني والحزب الشيوعي العراقي.
كانت الدعوات تؤكد أن الأول من أكتوبر سيكون شعاره «نازل آخذ حقي»، هذا الشعار الذي انتشر على تلك المواقع ومنها جاءت تحذيرات جهات أمنية رفيعة للحكومة بان تحركا شبابيا سيحدث في مثل هذا اليوم، لكن كل التوقعات لم تأت في أخبارها على حجم الصدام الذي حدث وراح ضحيته أكثر من 110 قتلى ونحو 6 آلاف من الجرحى غالبيتهم من المتظاهرين.
الأحداث التي تلت الحرب الأميركية لإطاحة صدام حسين عام 2003، كانت كل يوم تنبئ بشرارة الانفجار بعد غليان الحاجة التي قضّت مضاجع العوائل العراقية مع وعود بالتغيير نحو مستقبل أفضل لا يتحقق، بل إن السيارات المفخخة وانفجار العبوات الناسفة وقتل الآلاف من المواطنين بحزام ناسف ارتداه انتحاري كانت ترافق أحلام العراقيين بذلك المستقبل الذي لم ير النور، ليكون رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي القادم بعد أكثر من 15 عاما متحملا كل سنوات العبء التي سبقه إليها إبراهيم الجعفري وأياد علاوي ونوري المالكي وحيدر العبادي، ليكون وحكومته في مواجهة مد يبدو أنه لن ينطفئ بسهولة أبدا.

اعتراف مؤلم
بعد سلسلة الإصلاحات التي أعلنت عنها الحكومة على أنها تلبية لمطالب المتظاهرين في تحسين أوضاعهم المعيشية، وإطلاق رواتب للعاطلين منهم، وتوفير فرص العمل والسكن اللائق بعقود تبرمها حكومتهم مع البنك المركزي، ووضع آليات قريبة المدى وأخرى بعيدة تنفذ لصالح المواطنين، وذلك بعد لقاءات أجراها عبد المهدي ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، إلا أن الرئيس العراقي برهم صالح وضع يده بعد سبعة أيام من التظاهر وبشكل حقيقي على جروح الشعب، مقرا بأن الظروف التي يعيشها العراقيون ليست إنسانية. وكان فيما عرضه بنهاية المواجهات بين شباب بصدور عارية انتفضوا من أجل حياة كريمة، وبين مليشيات مدججة بالسلاح تقتنص الفرصة لتوجه رصاصها لتلك الصدور، صادقا في تفصيل المشهد. لقد اختار المصارحة، مقرا بأن «الاحتجاجات جاءت على خلفية البؤس والشعور العام لحاجة البلد إلى الإصلاح».

9 نقاط
وطرح صالح 9 نقاط على مجلسي الوزراء والنواب للاستجابة لمطالب المتظاهرين هي:
1- فتح تحقيق قضائي بمسببات العنف واتخاذ إجراءات وقرارات جادة لتحديد آليات هذا النوع من الاحتجاجات وعلى الجهات المختصة محاسبة المتسببين بإراقة الدم العراقي.
2- الاستجابة لدعوة المرجعية الدينية العليا بتشكيل لجنة من الخبراء المستقلين المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة وفتح باب الحوار البناء مع القوى الفاعلة وفي مقدمهم المتظاهرون والعمل في إطار الرئاسات والقوى السياسية أن تحظى هذه اللجنة بإجماع وطني دون تدخلات سياسية لتكون قادرة على معالجة الخلل.
3- فتح حوار سياسي شامل وبناء لتشكيل كتلة نيابية مساندة ودائمة لخطوات الإصلاح بما فيها مخرجات اللجنة والإجراءات التشريعية والحكومية وتذليل العقبات والضغوطات السياسية ومساعدة الحكومة على المضي بإنجاز خطوات لمحاربة الفساد وتوفير الخدمات.
4- دعم الجهود الرامية للحكومة لإجراء تعديل وزاري جوهري لتعزيز الأداء وتفعيل آليات العمل.
5- تفعيل دور المحكمة المختصة بقضايا النزاهة وتوفير الظروف الملائمة لعملها بحرية وإحالة جميع ملفات الفساد لحسمها ضمن توقيتات محددة ومنع أي استئناف بهذا الشأن ولا حصانة بهذا الملف لأي طرف أو جهة أو شخصية بالإضافة إلى العمل على استرداد المال العام.
6- العمل على تعهدات الحكومة ومجلس النواب لتعويض المتضررين من الأهالي من أعمال التجاوزات بصورة مجزية لمساعدتهم على تحمل أعباء السكن ووقف تنفيذ عمليات رفع التجاوزات الأخرى قبل التأكد من تحويل المتضررين، وكذلك التشريعات والإجراءات التنفيذية المطلوبة لإيجاد فرص عمل وتقديم معونة مالية للعاطلين ولاسيما من الخريجين وحملة الشهادات العليا.
7- الإسراع بتشكيل مجلس الخدمة الاتحادي من المستقلين على أن يتولى خلال فترة وجيزة أعماله، ومنح الخريجين وحملة الشهادات العليا الأولوية في التعيين الحكومي، بالإضافة إلى إطلاق فوري للدرجات الوظيفية المقرة في الموازنة وإطلاق درجة حركة الملاك.
8- إعادة النظر بالقانون الانتخابي لمجلس النواب ومنظومته بما يتيح الثقة بالعملية الانتخابية وتشريع قانون جديد ينسجم مع الطموحات الوطنية وتتولى رئاسة الجمهورية تشكيل فريق حوار وطني لمتابعة هذا الملف بمساعدة خبراء من الأمم المتحدة وتشكيل مفوضية مستقلة للانتخابات بما يسمح بأقصى درجات الشفافية والنزاهة.
9- المباشرة بفتح حوار وطني لمناقشة المعالجة المطلوبة للاختلال الكامن في المنظومة السياسية التي تعرقل مبادئ الحكم الرشيد وبما يؤدي إلى تمتين الوحدة الوطنية.

من القتلة؟
ما يثير الريبة في المشهد الدموي الذي وسم الساحات العراقية منذ اندلاع التظاهرات، أن القوى الأمنية كانت لا تعرف شيئا. موجودة وغير موجودة. وعندما ظهرت في أول مؤتمر صحفي وقف مسؤولو وزارة الدفاع والداخلية يتناوبون على الحديث دون أن يمنحوا معلومة غير التي يعرفها الجميع، عندما أقروا بأن قواتهم ليست مسؤولة عن قتل المتظاهرين، ولم يستطيعوا حتى أن يقولوا شيئا عن القناصين الذين اعتلوا الأسطح واستلبوا حياة الشباب الأعزل. فقط كرروا انهم يتابعون عبر التحقيقات الأشخاص الذين قاموا بالقتل والقنص وأن تلك التحقيقات ستعلن خلال فترة قصيرة.
مشاهد الدماء وجثث الشباب كانت تبكي الأحجار واستفزت حتى الذين أقفلوا أبوابهم وجلسوا بعيدا يتابعون على التليفزيونات بفعل حظر التجول الذي فرض بعد الاحتجاجات. وتدحرجت كرة النار في أغلب مناطق بغداد ونحو 7 محافظات عراقية. وأشد المشاهد وحدة ورفضا للنظام الحاكم كانت في المدن الشيعية مثلما كانت ببغداد، لقد خرجوا إلى الشوارع يصرخون رفضا لإيران عبر شعارات وأهازيج «إيران برة برة.. بغداد تبقى حرة».
مستشار الأمن الوطني العراقي، رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض اتهم من وصفهم بالمتآمرين والمتربصين بمحاولة زرع الفتنة في العراق، مؤكدا جاهزية قوات الحشد لإفشال أي «مؤامرة» إذا طلبت الحكومة ذلك.

القادم «أسوأ»
لكن مصدرا عسكريا رفيع المستوى برتبة لواء في الجيش العراقي، قال لـ«الاتحاد» إن القادم «أسوأ» مما يمكن تخيله، وأضاف: «لست متفائلا أبدا، فمع انطلاق التظاهرات ونزولنا إلى الشارع بناء على التوجيهات لمسنا أن هناك صنفين من المتظاهرين التقينا بهم، الأول يطالب بحقوقه في الحياة الحرة الكريمة وفرصة للعمل والعيش بمسكن يليق بإنسانيته، والثاني مثير للشغب يحاول كسر هيبة الدولة بحرق مقرها والاعتداء على الأملاك العامة والخاصة، وهذا الصنف هم «المندسون». وأشار إلى أنه وزملاءه لم يتمكنوا من مواجهة أي نوع من أنواع العنف بعد صدور توجيهات حكومية بعدم الرد على أي نوع من العنف».
وقال المصدر رافضا الكشف عن اسمه: «القناصة الذين انتشروا في اليوم الثاني للتظاهر على أسطح البنايات توسعت رقعتهم بعد صدور أوامر بعدم التعرض للمتظاهرين وبدؤوا بقنص عناصر الأمن والمتظاهرين لإثارة الفتنة». ورفض أن يوجه أصابع الاتهام لأي جهة في هذا الأمر، لكنه قال: «هؤلاء مشكوك في عراقيتهم، وأرجح أن يكونوا من جهات تحاول زعزعة الأمن لصالح جهة بعينها». وأبدى الضابط تخوفه من المستقبل، مؤكدا «القادم ينذر بما هو أسوأ بكثير وستعود التظاهرات بعد العشرين من الشهر الجاري بعد إتمام زيارة الأربعين لمرقد الإمام الحسين».

غليان
زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي طالب باستقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة بإشراف أممي، لم يعلن عن رفضه إدانة القمع الذي تعرض له المتظاهرون، تاركا «مدينة الصدر» تغلي وتواجه رصاص الميليشيات التي ازداد تواجدها أمام انحسار الوجود الأمني. وفي خضم التصعيد الشعبي، كانت قوات بملابس سود تتواجد في الشارع وتعتلي البنايات العالية وتوجه بنادقها ضد المتظاهرين وتعتدي على مكاتب القنوات الفضائية، ما أثار حيرة الشارع العراقي والمراقبين. ولم تلبث قوى سياسية بأن أفادت بأنها «قوات الدمج»، وهي قوى ميليشياوية من «الحشد الشعبي» انضمت للقوات النظامية وفقا لقانون الدمج، لكنها لا تأخذ أوامرها من عبدالمهدي.
كان ذلك محرجا للدولة العراقية، ولرئيس الوزراء تحديدا الذي سعى إلى تطمين دول الجوار والولايات المتحدة، بينما يواجه أزمة حقيقية في جعل هذه المليشيات تأتمر بأمره وتوقف آلة القتل. وقد دفعه ذلك إلى الاعتراف بأن القوات الحكومية لم تطلق النار مثلما فعل صالح ووزارة الدفاع دون أن يجرؤوا على القول انهم بلا سلطة على هذه الميليشيات. ومع حدوث المواجهات العنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين في مدينة الصدر في اليوم السابع للاحتجاجات، اعترفت القيادة العسكرية العراقية باستخدام مفرط للقوة لكنها ألقت باللوم على جهة ثالثة لم تسمها في قنص المتظاهرين وعناصر قوات الأمن، بينما رفض أهالي القتلى إقامة مراسم عزاء لأبنائهم ما يؤشر إلى أن التظاهرات لن تصمت بل إنها أجلت إلى حين انتهاء مراسم «أربعينية الحسين»، حسب مصادر من داخل المتظاهرين لتعود مرة أخرى دون أن يتطرق احدهم إلى موعد جديد.

إحراق المقار الحزبية
التظاهرات في بغداد والمحافظات شهدت إحراق ثمانية مقرات حزبية و51 مبنى حكوميا. كما أحرقت مقرات لفصائل الحشد الشعبي منها مقر لمنظمة بدر بزعامة هادي العامري، وعصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وسرايا الخراساني بزعامة علي الأسدي. وتم أيضا حرق مكاتب أحزاب الفضيلة بزعامة عبد الحسين الموسوي والدعوة الإسلامية بزعامة نوري المالكي وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، والحزب الشيوعي بزعامة رائد فهمي، ومكتب النائب عن حزب الدعوة خالد الأسدي في مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار. كما أحرق مسلحون مجهولون مقرات وسائل إعلام وقنوات في بغداد، بينها قنوات العربية ودجلة و«إن آر تي».
وذكر أحد العاملين أن القوات التي اقتحمت القناة كانت ترتدي زيا عسكريا، لكنها تابعة إلى مليشيات متنفذة في العراق. كما استهدفت قوات مسلحة مقرات قنوات دجلة الفضائية والنهرين ومكتب العربية الحدث، واعتدت على أحد الموظفين. ومجددا اتهمت وزارة الدفاع «مندسين» و«قناصين مجهولين»!.

المطالب والوعود
المطالب الأولية التي أعلنها المتظاهرون خلال الاحتجاجات غالبيتها خدمية ومعيشية، ولذلك سارعت الحكومة إلى تبني حزمتين من الإصلاحات للسكن والمعيشة والعمل مع الوعد بتغيير جذري يلمسه المواطن وتفعيل الدور البرلماني في الرقابة والتشريع ضمن توقيتات محددة ومتابعة الأداء الوزاري بعيدا عن الأحزاب وتشكيل لجنة من أصحاب الكفاءة والاختصاص مع هيئة النزاهة بعيدا عن المجلس الأعلى لمكافحة الفساد لتقديم ملفات الفساد إلى محكمة مختصة بأسرع وقت. كما تضمنت المطالب تشكيل محكمة مختصة بملفات الفساد وتطبيق قانون «من أين لك هذا؟»، والبدء بكبار المسؤولين في الحكومات المتعاقبة وقيادات الأحزاب والقيادات السياسية والمقاولين الذين أثروا ثراء فاحشا في السنوات المنصرمة، وإلزام الحكومة خلال فترة 3 اشهر بجرد كل العوائل التي تعيش تحت خط الفقر وتخصيص رواتب لها للحماية الاجتماعية.
وهناك مطالب أخرى نشرتها مجموعة أطلقت على نفسها اسم «وثيقة الثوار العراقيين»، ووزعت في ساحات التظاهر وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، أولها إسقاط النظام السياسي وكتابة دستور جديد وإشراف الأمم المتحدة على عملية التغيير وإجراء محاكم علنية لجميع الرموز السياسية والدينية التي اشتركت بالعملية السياسية واستعادة الأموال المنهوبة ومحاسبة القيادات الأمنية التي تسببت في قتل وجرح المتظاهرين وإحالتهم إلى القضاء. وهذه المطالب وفق استطلاع لـ«الاتحاد» هي للشباب في جميع مناطق بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية باعتبار أن هذه الفئة هي الأكثر تضررا من الواقع المعيشي في البلاد وان مطالبها بدأت بتوفير العمل وبعد القمع تحولت إلى مطالب سياسية بإسقاط الحكومة.

واشنطن وطهران
المحلل السياسي حيدر الموسوي، قال في تصريح لـ«الاتحاد» إن «ما حدث في الاحتجاجات‏ نقمة جماهيرية لتراكمات الفشل الخدمي والاقتصادي من قبل الحكومات المتعاقبة ما بعد التغيير». وتابع: «الاحتجاجات هي نتاج عدم تحقيق العدالة الاجتماعية‏ وانعدام مبدأ تكافؤ الفرص وابتلاع مؤسسات الدولة من قبل الأحزاب حتى أضحت إقطاعيات سياسية لتمويل الهيئات الاقتصادية للأحزاب من خلال العقود الفاسدة فضلا عن اتخاذها ذخيرة لدعم تلك الأحزاب في الانتخابات».
ورأى أن «النزاع بين واشنطن وطهران‏ كان حاضرا أيضا في الاحتجاجات، فالأولى (الولايات المتحدة) تريد تغيير قواعد اللعبة في العراق وبدت واضحة من خلال دعم الاحتجاجات عبر وسائل إعلامها، منددة باستخدام العنف وإيصال رسائل عن عدم رضاه على تحركات حكومة عبدالمهدي في عقد شراكة اقتصادية مع الصين». وقال حسب قراءته للأوضاع: «أما إيران فهي ممتعضة جدا من الاحتجاجات كون سقف المطالب بإسقاط الحكومة والنظام بشكل عام‏ يعني خسارتها لأصدقائها الموجودين وهذا مدعاة خطر حال صعود نظام جديد».
وأضاف: «أقدم الجميع على تطويق الاحتجاجات واحتوائها من خلال إصلاحات ترقيعية لا ترقى إلى مستوى التراكم‏ والمظلوميات والحرمان. قد يتفجر الوضع في أي لحظة وهذا ما أشارت إليه المرجعية الدينية في خطبتها عن نتيجة السياسات الخاطئة في إدارة الدولة ووجود طبقية واضحة في المجتمع». وقال: «هناك سيناريوهات محتملة، فقد يقوم التيار الصدري‏ باتخاذ خطوة أخرى مع حلفاء آخرين لاستبدال عبدالمهدي وحكومته إن انفجر الوضع مرة أخرى، والتغيير الوزاري قائم».

إيران.. والخراب
فلاح كنو السياسي والمحلل في شؤون الشرق الأوسط قال لـ«الاتحاد»: «أين ومتى تحل إيران يحل معها الخراب والدمار والجوع والفقر والحرمان وانعدام الخدمات والصحة والتعليم وتلاشي فرص العيش الكريم، كلها أسباب أدت إلى انفجار شعبي عفوي ضد النظام المتسلط على رقاب الشعب العراقي». وأضاف من مقره في لندن: «نعم هناك برلمان منتخب وحكومة تضم مجمل الأحزاب التي فازت في الانتخابات لكنها لم ولا تمثل إرادة الشعب أو تطلعاته أو حتى تعمل لتقليل معاناته.. أحزاب طائفية وعرقية فازت في صناديق الاقتراع عبر التزوير وشراء الذمم رغم قلة المشاركة الشعبية، وحكومة تشكلت عبر المحاصصة وموافقات قاسم سليماني ومبدأ توزيع المناصب والمغانم‏». مؤكدا: «كيف لا يثور الشعب والمتخرج يدفع آلاف الدولارات من أجل الحصول على تعيين، وزوجة الشهيد الذي ضحى بنفسه في ساحات القتال ضد داعش تسكن هي وأطفالها في العشوائيات تساوم على شرفها من أجل كسب قوت يومها لإطعام أبنائها، كيف لا يثور الشعب ويوميا العشرات يفارقون الحياة لأنهم لا يمتلكون ثمن العلاج أو بسبب انعدام الخدمات الطبية في المستشفيات التي أصبحت سكنا للكلاب والقطط السائبة».
وأشار من خلال متابعته لأحداث العراق «معظم المتظاهرين بين 18 و25 عاما يتم اتهامهم بأنهم مندسون وينفذون أجندات خارجية ومرتبطون بالنظام السابق.‏ هؤلاء المنتفضون لم ينتموا إلى حزب البعث في حياتهم لأنهم كانوا صغارا عندما كان البعث يحكم العراق بالنار والحديد. هؤلاء الفتية لا يفقهون في ألف باء السياسة شيئا لأنهم منهمكون ومشغولون في توفير لقمة العيش لهم ولعوائلهم، هؤلاء المتظاهرون هم أبناء المحافظات الوسطى والجنوبية ومن المناطق الشعبية في شرق بغداد وغالبيتهم من الشيعة».
وقال كنو: «توجد خطة إيرانية وخطة لقاسم سليماني لتجويع الشيعة في أي دولة يستطيعون بسط نفوذهم فيها. الجوع والحرمان منظم ضدهم من أجل تعذيبهم بسبب انتمائهم المذهبي، وذلك من أجل استخدامهم وقودا لحروبهم وصراعاتهم لتحقيق غايتهم التوسعية وبسط نفوذهم ومن أجل أن يشعلوا الحروب ويغذوا النعرات الطائفية».
وأضاف: «أما إذا ما ثار شيعة العراق ضد ساسة الفساد وأمراء الحروب وتجار الدم، فسيصبح ذلك محرما وأن هؤلاء مارقون ينفذون أجندات خارجية». وقال: «‏كنا نتمنى أن نرى مستوصفا صحيا صغيرا يحمل اسم الخميني أو ولاية الفقيه في أي قرية شيعية صغيرة يقدم الخدمات الطبية البسيطة لأبناء تلك القرية من أجل كسبهم وتقربهم إلى منهج ولاية الفقيه. في حين تم إنشاء مستشفى في وسط بغداد يحمل اسم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، يقدم الخدمات الصحية والعمليات والدواء بالمجان لا لشيء سوى دعم أبناء العراق بغض النظر عن انتمائهم الديني أو المذهبي أو العرقي. فشتان ما بين من يريد نشر الخير و المحبة والإنسانية وما بين من يريد الحروب وسفك الدماء».

مساءلة «اللا دولة»
وألقى أمير الدعمي المحامي والقانوني العراقي باللوم على الحكومة في تحملها إراقة الدم، وقال لـ«الاتحاد» إن «اعتبار من سقط شهيدا في التظاهرات لا يعفيها من المساءلة القانونية المحلية والدولية خصوصاً بما وثق من أفلام حية لعمليات قنص وقتل حي ومباشر مع سبق الإصرار والترصد». وأضاف: «أما جهل الحكومة بخصوص عدم علمها من كان يطلق الرصاص الحي والقنص تجاه العزل من المحتجين فهذا يجعلها تحت مسمى اللا دولة ويؤكد أنها المتهم الأول بإطلاق الرصاص والقنص تجاه الأبرياء وحجتها في ذلك أضعف من أن تذكر». وقال: «شهد العراق تظاهرات قد تكون هي الأشد والأكثر وضوحاً برفضها سياسة التهميش التي تمارسها الحكومة وعدم جديتها في مكافحة الفساد إلا من شعارات فضفاضة غير واقعية». وأشار إلى أن ما يميز هذه الاحتجاجات هو أن المحتجين ولأول مرة يرفعون شعار «الشعب يريد إسقاط الأحزاب»، في إشارة إلى رفض الشعب لأحزاب متهمة بالفساد، فالحقيقة التي يجب أن لا نجانبها هي أن الحكومة لا تتحمل وحدها المسؤولية في الفشل فالأحزاب والبرلمان يناصفونها الفشل إن لم يكونوا يفوقون الحكومة، والسبب صراع هذه الأحزاب على المناصب والدرجات الوظيفية والاستحواذ عليها وترك المواطن في حالة من العدم».
وأكد أن معالجات الحكومة الآنية تؤكد عدم قدرتها أو عدم جديتها في وضع خطة للنهوض بالاقتصاد وتحسين المستوى المعيشي للفرد رغم ارتفاع أسعار النفط، بل ذهبت إلى إغراق العراق بالديون حتى وصلت إلى حد انه يمكن أن يرهن العراق للدول والشركات مقابل عدم وجود خطة بإعادة المصانع والزراعة التي أعدمت لإنعاش اقتصاد إيران المحاصرة. والسؤال أين كانت كل هذه الوظائف والأموال قبل الاحتجاجات. والجواب البديهي سيكون أن الحكومة لم تكن تنظر أو تحسب للمعدمين من الشعب حساب، فالعراق اليوم يعتبر الرئة لتنفس إيران وإحياء اقتصادها على حساب أنين وجوع وفقر العراقيين».

الشارع العراقي
لم ينقسم الشارع العراقي في رأيه حول المطالب التي رفعت من قبل المتظاهرين على الرغم من مطالبة قسم منهم بإسقاط النظام وإجراء انتخابات عاجلة وإعادة كتابة الدستور. وقال أحد الناشطين من المشاركين في التظاهرات إنه وعدد كبير من الشباب ممن رافقوه في الأيام التي سبقت التظاهر بأسابيع كانت المطالب واضحة تحت شعار «نازل آخذ حقي». وقال أياد أبومنتظر إنه يسعى وكل من شارك بالتظاهر إلى «وطن آمن تتوافر فيه الكرامة بالحصول على مصدر رزق هو حقه وحق كل مواطن عراقي»، فيما بينت أم رسل التي شاركت بأول يوم في التظاهرات لـ«الاتحاد» أنها شاركت من أجل أن تحصل على فرصة عمل وهي الحاصلة على شهادة الماجستير في العلوم وبعد أن أعياها التعب في المشاركة بتظاهرات أصحاب الشهادات العليا وبعد أن تعرضت هي وزملاء لها لبطش القوات الأمنية لتفريق تظاهراتهم أمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي فقط لأنها تطلب فرصة عمل. وقال زياد أحمد إنه تابع التظاهرات عبر شاشات التلفزة ولم يشارك بها وهو مع مطالب المتظاهرين في إيجاد الحياة الكريمة لهم ولعوائلهم، وأكد انه استغرب حدوث حالات العنف على الرغم من أن الأحزاب التي شكلت الحكومة منذ عام 2003 جاءت تحت مبدأ الديمقراطية وحق الحياة بكرامة، لكن تلك الشعارات يبدو أنها تبددت مع اتساع السلطات ومنافعها أمام حاجة المواطنين البسيطة.
أحد أفراد القوات الأمنية كان يحاول حماية المتظاهرين ويوجههم بالابتعاد عن مرمى القناصة في ساحة التحرير، قال: «كنت ألمس حاجة الشباب من المتظاهرين وأنا واحد منهم وأتمنى أن تنجح تظاهراتهم بالوصول إلى أهدافهم التي يسعى الجميع الوصول لها دون إراقة دماء». وأكد أن ما حصل في ساحة التحرير وفي مناطق أخرى من بغداد كان بسبب وجود عناصر مجهولة يرتدي بعضها ملابس قوات الأمن اعتلت البنايات وبدأت بضرب المتظاهرين وقوات الأمن مما جعل الأمر يدخل في حيز الإرباك لكلا الطرفين.

«تهدئة» أم «استراحة»؟
الحكومة والبرلمان أصدرا حزمتي إصلاحات بدت أنها تلمس الحياة لكل مواطن عراقي. ومع هذا الأمل الذي علا القرارات الإصلاحية، ما زالت هناك مخاوف من عدم جديتها أو أنها محاولات للتهدئة لا أكثر قبل أن تتجدد تظاهرات أخرى قد تعيد إنتاج مشهد جديد حسب خبراء ومتخصصين عسكريين ومدنيين داخل المشهد العراقي برمته، في وقت لا زالت اليد الخارجية تلوح بدخول مفاصل الدولة العميقة لتحول مسار اللعبة السياسية وقت تشاء. وبين المخاوف والأمل ما زال الدم العراقي يسيل في جبهات الحرب ضد التنظيمات الإرهابية وفي ساحات التظاهر وسط مطالب بأبسط حقوق يتمتع بها أي إنسان ضمن خريطة البشرية.

 

اقرأ أيضا

العراق: نتخذ إجراءات لمنع دخول الإرهابيين من سوريا