الأربعاء 25 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
بشر نيام وناي يوقظ الطبيعة
بشر نيام وناي يوقظ الطبيعة
22 يونيو 2011 20:22
المدويّات: قصائد كان لها صدى ودوي في الذاكرة الشعرية المعاصرة، إما لموضوعاتها الجديدة، أو لبنائها الفني الحديث، واستحقت هذه الوقفات النقدية والقراءات الاستعادية التي تذكّر بها وتستجلي أصداءها. تبدأ هذه الجولة من الاستطرادات الجديدة بقصيدة “المواكب” لجبران خليل جبران لتعبر صوب حداثة معاصرة توقفت عندها الاستطرادات الأولى (“الاتحاد الثقافي” 2010) كونها استمرارا لما يرى مؤرخو التحولات الشعرية العربية أنها استمدت انطلاقتها من جبران بنثره الإشراقي وشعره المختلف ورؤاه المتجاوزة لعصره وواقعه. الرومانسية المنفعلة بالعصر إذا كان شعر جبران (1883 ـ 1931) في نظر بعض النقاد هو أضعف حلقات ثقافته ونتاجه واهتماماته التي شملت الرسم والموسيقى والقصة والرواية والمقالة والتأملات الفلسفية، فإن قصائده تشهد حتى لدى هؤلاء على حقبة من التحولات الأسلوبية التي تآزر المهجريون والرومانسيون على إنجازها ومشاكسة المزاج الشعري السائد والتمرد على تقاليده وثوابته. رومانسية فذة تلك التي تركب منها شعر جبران خليل جبران ممزوجة بالتبشير بالثورة والقوة والدعوة إلى الإيمان الرمزي المستند إلى الروح، ربما تصلح اتجاهاتها ومشغّلاتها للمقارنة بما انطبع في شعر الشابي من ثورة مماثلة في خطاب رومانسي ليست الطبيعة عند الشاعرين إلا أحد قواسمه المشتركة، ولكن جذوره تمتد أعمق من ذلك في أساليب الشعر وأشكاله. يستوقفنا زمن كتابة “المواكب” التي نشرت عام 1919؛ فتصادت فيها أحداث الحرب دون ذكر مباشر، وهذا ما أعطى للقصيدة بعدا كونيا وسّع دائرة الدلالة فيها ولم يرهنها بالحدث. فكانت الطبيعة بديلا لعالم ملوث من جهة، وتعبيرا عن حنين المهجريين خاصة والرومانسيين عامة لأماكن نشأتهم الأولى في القرى أو الأوطان التي هاجروا منها، فتصح قراءة الطبيعة في شعر جبران أيضا بهذا المقترح واستذكار وطنه لبنان، لا سيما في المواكب لأنها تأتي أشبه بعلاج أو وصفة، تلي تشخيص الخلل وموطن الرفض والانتقاد. ويؤكد ما نذهب إليه ترتيب القصيدة الخطّي أي توالي مقاطعها وأبياتها وتكتّلها بحسب الدلالة وتغير إيقاعها أيضا قافية ووزنا وموسيقى. بين البشري والإنساني البشرية تسير بمواكب جماعية تحف بها القيم البالية والأخلاق المادية والعادات؛ فتتألم النفوس الحساسة التواقة للحرية وتتمرد. ذلك ملخص ما يرد في نثر جبران وشعره، فيرى أن الفطرة والأديان والقيم كلها تجاهد لتحقيقها؛ ويوكل مهمتها للإنسانية التي تلي البشرية في النوع؛ لأنها منفردة عنها بتلك الأفكار حول الحرية ونبذ العبودية، حتى لو كانت تلك الحرية المبتغاة تقتضي تهديم القائم من الميراث البشري لصالح الفكر الإنساني، وتظل نصوص جبران تتأرجح بين ما هو إنساني مثالي وما هو بشري مادي، وتتصاعد حماستها ويتغير إيقاعها بحسب وقوعها في إحدى المنطقتين وتعبيرها عنها، والغريب أن انتقاد جبران لمواكب البشر (أو الناس) كما تسميهم القصيدة واتهامهم بالمادية يخلط بين بشرين رغم ما بينهما من تباين: غربي متحضر صار عبدا للمادة وشرقي متخلف يلهث وراءها، لذا نجد عنوان القصيدة معبّرا عن كونيتها أي توسيع دلالتها، ورفع فضاء شخصياتها أو الناس فيها ليكونوا مقصودين جميعا بما ستشخص القصيدة من تهدم القيم وهيمنة العبودية. “المواكب” كعنوان كناية فنية عن مسيرة البشرية منذ ولادتها في جوقة جماعية لا تدع للفرد مكانا فيها ليعبر عن نفسه وما يرى، وهو أمر يهم جبران في خطابه الأدبي كما في تأملاته وأفكاره التي لا نريد وصفها بالفلسفية بل الروحية المنبثقة من توقه للحرية والتحديث. وقد جعل جبران مقاطع القصيدة تعرض في كل منها جانبا من تلك الجوانب المرفوضة في الناس، فيبدأ بالإتباع أو التبعية فهم كالقطعان تلبي صوت الراعي وتتبعه بلا وعي أو إرادة. ويستوي في ذلك العالم والسيد، بينما يأتي المقطع التالي كوجه آخر لهذه الصورة فيورد الشاعر ما يظن أن الغابات تعطيه لساكنها، فليس ثمة قطيع أو راع ولا عبودية لأحد. ويمثّل لذلك بالفصول التي لا تشبه بعضها، أما الناس المخلوقون عبيداً فيسيرون خلف القوي المستبد، وذاك راجع للشر الكامن في نفوسهم كما بيّنه استهلال القصيدة؛ فالشر (مطبوع) فيهم لا يفارقهم حتى يموتوا، والخير (مصنوع) يُجبَرون عليه. هكذا تلخص “المواكب” حكمتها: الناس كما في تصور الشاعر وأفكاره عن عبوديتهم عبر التاريخ خاضعون أذلاء، أما الطبيعة فليس فيها ما في حياة البشر من شرور، وتتجاوب مقاطع القصيدة لإيصال دلالة هذه البؤرة المركزية وتفرعاتها التي يتفنن الشاعر في التقاطها لتنتظم هكذا: يغيب عن الحياة البشرية الخير والعدل والحق والعزم والعلم والحب والسعادة والدين والفرح، بينما تجدها في الوجه الآخر من الصورة في الغابات التي تقوم بمقابل المرفوض من سلوك البشر وقيمهم، فيأتي مقطع الغابات سلسا بسيطا كالطبيعة ذاتها ليعوض عما غاب، فكل شيء في الغابات مختلف، حتى الدين الذي يتبعه الناس خشية العقاب والحساب هو في الغابات تسامح وإخاء بلا خلاف، يعززه الناي والغناء الذي يغدو صلاة نفوس نقية، وكذلك العدل المفقود بين الناس والقائم على محاباة الغني والمتنفذ (فسارق الزهر مذمومٌ ومحتقرٌ/ وسارق الحقل يدعى الباسل الخطِرُ) تراه في الغابات حقيقة بين مخلوقاتها، فيحضر النقيض بعد إدانة الواقع. ولابد إذن أن تكون الطبيعة ممثلة بالغابة التي خرج منها الإنسان حين كانت جنته الأولى. إيقاع مناسب يسير الموكب عادة في خطى متشابهة كتشابه معتقد المتواكبين والسائرين داخله، لذا كان المقطع المعبّر عن رفض الشاعر منظوما في هيئة محافظة على التفعيلات والقافية، وبلغة تحيل إلى المطولات الشعرية التقليدية، فجاء انتظام القصيدة الإيقاعي مناسباً لدلالتها، حيث اختار الشاعر لمقطع الناس وسيرهم البحر البسيط بتفعيلتيه الطويلة (مستفعلن) والقصيرة التي تليها بالتناوب (فاعلن) وتكرارها مرتين في الشطر نفسه، كأنما ليجسد تلك المسيرة الموكبية، وشدد روي القافية الموحدة ـ حرف الراء ـ من انضباط تلك المسيرة وجمودها، ثم يأتي مقطع الغابات القائم على مجزوء بحر الرمل وتفعيلته الموسيقية العالية بتوالي حركاتها وسكناتها (فاعلاتن) مرتين في كل شطر أشبه بأغنية وأهزوجة، يعززها حضور الناي دوما وارتباطه بالغناء الذي يكون الوصفة المقترحة للشفاء من الداء الذي شخَّصه الشاعر في المقطع السابق عليه، ويؤكد حرية مقطع الغابات والناي والغناء تغير القوافي وتكرار المطلع في كل مقطع منها، ويكون الختام دوما بالجملة الطلبية: أعطني الناي وغنِ. وأرى أن اتهام بعض النقاد والدارسين لشعر جبران بالضعف يعود إلى تجاهل إيقاعيته المقصودة والمسبقة، كتفاوت أجواء المقاطع في “المواكب” وجنوح الشاعر إلى التجديد والتبسيط؛ لذا ذهب النقد التقليدي إلى جزئيات القصائد، كقِصر الأبيات وتكرار المفردات (والأساليب) كالنفي في مطالع المقاطع (ليس في الغابات..) والطلب في بعضها (أعطني الناي وغنّ) وإلى استخدام الجوازات اللغوية كالفعل تحممت للاستحمام، ولا أجد في هذه القراءات الاجتزائية أيَّ اقتراب من أفكار الشاعر وتأملاته، بل إغفال الروح الانتقادية التي طبعت شعره وثورته على القائم من السلوك البشري الذي رآه جبران مخالفا لما يجب أن تكون عليه حياة الإنسان، ولقد انتهت القصيدة في بيتها الأخير بالناس كما بدأت بهم في البيت الأول: (والناس في عجزهم عن قصدهم قصروا) فكان ذلك عودا على بدء في الخلق كما في النص، فقد ظلت “المواكب” سائرة على إيقاع العبودية بينما الناي تردد صداه الغابات التي تحفل بغناء لا تسمعه إلا النفوس التي وصفها جبران في مناسبات نصية أخرى بأنها الهائمة المعذبة رغم جمالها. اعطني الناي وغنِّ الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا والشرُّ في الناس لا يفنى وإِن قبروا وأكثر الناس آلاتٌ تحركها أصابع الدهر يوماً ثم تنكسرُ فلا تقولنَّ هذا عالم علمٌ ولا تقولنَّ ذاك السيد الوَقُرُ فأفضل الناس قطعانٌ يسير بها صوت الرعاة ومن لم يمشِ يندثر *** ليس في الغابات راعٍ لا ولا فيها القطيعْ فالشتا يمشي ولكن لا يُجاريهِ الربيعْ خُلقَ الناس عبيداً للذي يأْبى الخضوعْ فإذا ما هبَّ يوماً سائراً سار الجميعْ أعطني النايَ وغنِّ فالغنا يرعى العقولْ وأنينُ الناي أبقى من مجيدٍ وذليلْ أعطني الناي وغنِّ فالغنا سر الوجود وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود *** اعطني الناي وغنِّ وانس ما قلتُ وقلتا إنما النطقُ... هباءٌ فأفدني ما فعلتا هل تخذتَ الغاب مثلي منزلاً دون القصورْ فتتبعتَ السواقي وتسلقتَ الصخورْ هل تحممتَ بعطرٍ وتنشقت بنورْ وشربت الفجر خمراً في كؤُوس من أثير هل جلست العصر مثلي بين جفنات العنبْ والعناقيد تدلتْ كثريات الذهبْ فهي للصادي عيونٌ ولمن جاع الطعامْ وهي شهدٌ وهي عطرٌ ولمن شاءَ المدامْ هل فرشتَ العشب ليلاً وتلحفتَ الفضا زاهداً في ما سيأْتي ناسياً ما قد مضى سكوت الليل بحرٌ موجهُ في مسمعكْ وبصدر الليل قلبٌ خافقٌ في مضجعكْ اعطني الناي وغنِّ وانسَ داء ودواء إنما الناس سطورٌ كتبت لكن بماء ليت شعري أي نفعٍ في اجتماع و زحامْ جدالٍ وضجيجٍ واحتجاجٍ وخصامْ كلها إنفاق خُلدٍ وخيوط العنكبوتْ فالذي يحيا بعجزٍ فهو في بطءٍ يموتْ
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©