الاتحاد

دنيا

في الشارقة كاد المعلم أن يكون مسرحيا


الشارقة - حليمة الملا:
يحضر اسم الشاعر أحمد شوقي في المجال المدرسي عبر تلك القصيدة التي بينت المكانة المهمة التي ينبغي أن يكون عليها المعلم، وسرعان ما يتبادر إلى الذهن بيته الشعري الشهير:
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
لكن شوقي هذه المرة لم يحضر في مدرسة الشارقة النموذجية للبنين بوصفه شاعراً يحث التلاميذ على احترام المعلمين وتبجيلهم بل بوصفه رجل مسرح، يتعلمون من خلال مسرح سمي باسمه كيف يعيشون العلم واقعاً ملموساً، وخبرات حياتية وتعليمية ممتعة وجذابة· حدث ذلك من خلال تجربة رائدة ومثيرة للغاية جسدتها مدرسة الشارقة النموذجية للبنين من خلال إنشائها مسرحاً يحمل اسم أحمد شوقي، والبعض يسميه مسرح (الشوقيات)، وافتتحته مؤخراً الشيخة عائشة بنت محمد القاسمي مديرعام دائرة شؤون التربية والتعليم في حكومة الشارقة، رئيسة اللجنة الدائمة للمدارس النموذجية بالإمارة·
حول هذا المشروع حدثتنا الاستاذة هدى عبداللطيف المنفذة لهذا النشاط مشيدة في البداية بجهود الشيخة عائشة القاسمي ودعمها لكافة البرامج والفعاليات والمشجعة للأفكار المبدعة وعملها المتواصل في توفير مختلف المتطلبات من أجل الارتقاء بالعملية التعليمية والتربوية لدى أبنائنا الطلبة والطالبات، وان فكرة مسرح صفي بالمدرسة يأتي ضمن هذا الاطار مؤكدة على أهمية تأسيسه انطلاقاً من الرؤية المستقبلية للمسرح المدرسي في دولة الإمارات العربية المتحدة·
ولكي تدلل على أهمية المسرح في حياتنا، تحيلنا هدى إلى قول الكاتب المسرحي الانجليزي برنارد شو: (المسرح مصنع الأفكار)، وهي ترى ان المسرح لا يقتصر على توليد الافكار عند الطفل، بل يفجر بين جدرانه وعلى منصته طاقات ابداعية ويساهم في بناء شخصية الطالب نفسيا واجتماعيا وفكريا·
وتقول هدى: 'انطلاقا من ايماني بأهمية الابداع للصحة النفسية للطالب والتي تعتبر الاساس في تقدمه العلمي وتميزه الفكري، انشأت مسرحا للطفل، وحولت صفه الدرسي إلى مسرح فني تعليمي يتلقى فيه التلميذ مهاراته العلمية بعيدا عن الرتابة والتقيد، واسلوب التلقين الممل، فيكون المسرح (به وإليه)'· وتؤكد: 'ان المناهج الحديثة بحاجة ماسة إلى هذه الوسائل في مدرسة اليوم والمستقبل، وقاعة المسرح الصفي من الضروريات ضمن المنشآت والمرافق في المؤسسات التعليمية'·
وتشير إلى ان تاريخ المسرح الأوروبي، والشرقي القديم يشترط على مدير المدرسة ان يكون ملما بالمسرح، وعلى دراية فيه ليقدر جهود الفريق المسرحي، ويساعد على تأمين المناخ المناسب له من تخفيف أعباء ومسؤوليات أخرى، لفهمه الواعي في دور المسرح في بناء شخصية النشء·
وتثني هدى على تفهم إدارة المدرسة وعلى رأسها المديرة التي ساهمت بشكل كبير وبالتعاون مع فريق اللغة العربية في أن يرى هذا المشروع النور وتبنيهن لكل الأفكار المبدعة والمتميزة·
وفي إجابة لها عن سؤال: كيف تنتقين الشخصيات وتوزعين الادوار على الطلاب، وعلى أي شيء تستندين في ذلك؟
أجابت قائلة: 'يتيح لي التعامل مع التلاميذ أن ألاحظ طبيعة كل منهم، فهذا انطوائي، والثاني قيادي، والثالث طموح، والرابع يحب الظهور··· وهكذا، ثم استثمر طاقات الجميع وأوظفها لأحقق أكبر الاهداف من فن المسرح الصفي· فالطالب الذي أرى فيه حب المسؤولية والقيادة اسند اليه الجوانب التنظيمية، والذي لا يتقن فن الالقاء والتمثيل أسند له العمل في التحكم بالاضاءة، وآخر لتنسيق التقنيات الفنية، والموهوب مسرحيا يجسد الفكرة بلغة التحدث والحركة وفن الالقاء، كما ان من الاهداف ان يكتسب الطالب مهارات مختلفة، ويتفهم معنى العمل الجماعي والنظام والتعاون وأهمية الوقت، واحترام القيادة وتكريس كل السلوكيات الحسنة، فبالنشاط المسرحي نحقق اثرا صحيا لدى التلاميذ مما يساعدهم على الفهم والاستيعاب، لان الطالب القلق تتعطل عنده آليات الاستقبال'·
نحتاج أفقاً لا منهاجاً
وفي رد لها حول سؤال: كيف تحولين المنهج الدراسي إلى نص مسرحي؟
قالت: نحن بحاجة إلى أفق اكثر من حاجتنا إلى منهج!! أفق مفتوح يبعدنا عن حيز الطريقة المحددة لقياس مدى استيعاب الطالب للدرس، وفي اعتقادي ان وحدة القياس الحيوية التي تمنح طلابي أفقاً ثقافيا وابداعيا واسعا هي المسرح، ويتجسد بالمسرح الصفي، وما يطرحه على الخشبة من موضوعات وأطروحات·
وحول تجاربها السابقة في هذا المجال قالت: 'أقوم بمسرحة المناهج منذ بداية مسيرتي التعليمية، وأستخدم المشهد التمثيلي أو المسرحي الذي يخدم التهيئة الحافزة، واحيانا التغذية الراجعة وقد أستخدم المسرح أداة كاملة للعرض الدرسي· وهناك عدة تجارب لي منها: مسرحية لشكسبير نفذتها في مدرسة رقية الثانوية وقدمتها الطالبات بمهارة مؤكدات على اهميتها كوسيلة لاستيعاب المادة بشكل افضل، ومن خلالها تحول دور الطالب من المتلقي إلى المؤدي، وحازت المسرحية المركز الاول على مستوى الدولة· وهناك تجربة أخرى تمثلت في تقديم مسرحية في الهواء الطلق على المسرح المفتوح بمدرسة جميلة الثانوية وجسدت عصرا كاملا (العصر الجاهلي) في سوق عكاظ، وتعرفت الطالبات على دور السوق في انعقاد الندوات الادبية، مواقف اجتماعية، ومحاورات تجارية، تختلف بالطبع عما يجري في اسواق العصر الحديث، حيث اللحن وغربة اللغة العربية في اسواقنا المحلية وايضا حازت المسرحية الترتيب الاول على مستوى الدولة· أما المسرحية الثالثة فكانت بعنوان (الوحدة العربية تستغيث)، وقدمت في مسابقة مسرحة المناهج وحصلت على المركز الاول، بالاضافة إلى مسرحيات اخرى كثيرة واوبريتات لتحويل المناهج المدرسية إلى مسرحية تذلل الصعاب وتحد من المعوقات التي تواجه الطلاب وتخفف عنهم جفاف المادة، وقواعد اللغة العربية'·
قيم وفضائل
مديرة المدرسة الاستاذة فاطمة العويس أكدت على اهمية المسرح الصفي في معالجة حالات الخوف والخجل من مواجهة الناس والتي تؤثر بدورها في طريقة كلام التلميذ وربما تسبب ارتباكه أو تصيبه بعيوب في النطق·
واضافت: 'عن طريق التمثيل يمكن غرس قيم متنوعة في نفوس النشء كالشجاعة والصدق والسمو والرفعة وتحمل المسؤولية، فالمسرح المدرسي جزء هام من النشاط الثقافي يستهدف تطوير الاوليات الابداعية الضرورية لصحة وسلامة الجيل الجديد، والمدرسة التي تسهم بنشاط مسرحي تعكس حجم المستوى الثقافي والعلمي لفريق المسرح من الطلاب والهيئة التدريسية والإدارة، لذا اصطلح ان تسمى مثل هذه المدرسة بـ (النموذجية)'·
تجربة حياتية
فوزي محمد وليد العك موجه اللغة العربية المشرف على المشروع أشار إلى أن المسرح عمل جماعي يحتاج فريقا مسرحيا ومجهودات كثيرة ومتنوعة لإنجازه، ولا بد من مراعاة الظرف الراهن للمسؤول عن نشاط المسرح المدرسي لخلق مناخ مناسب له ليتمكن من رعاية الموهوبين وتفجير الطاقات الإبداعية المسرحية لدى الطلاب، فيعيد التوازن النفسي لهم، لان المسرح يحقق جاذبية على مستويين المستوى الجمالي والمستوى الذهني بحيث تنمو مع المادة العلمية مهارات الطالب وترتقي فتصون لسانه من اللحن والزلل، وتعد الطالب اعداداً مبكراً يؤهله للدخول إلى معترك الحياة بكفاءة بحيث يمثل المسرح فعالية مستمرة في (مسرحه الصفي) يتم تمثيل محتوى المادة العلمية ومسرحتها ما امكن ذلك، على مدار العام الدراسي، ومن خلال التجربة الميدانية، يرى أثر هذا النشاط على سلوك الطالب ودوره في استثارة دافعية نحو قواعد اللغة العربية بشكل محبب·
ويشير موجه التربية المسرحية الاستاذ محمد السيد أحمد إلى سعي وزارة التربية والتعليم في الرؤية المستقبلية من إدخال (فن المسرح) كمادة دراسية، نظراً لما يشكل من أهمية في بناء شخصية الطالب ووسيلة شائقة في عملية التعليم والتعلم·

اقرأ أيضا