الاتحاد

دنيا

«المائدة» آية وحجة على بني إسرائيل

أحمد محمد (القاهرة)
تحمل سيدنا عيسى عليه السلام عبء رسالته، يتنقل بين البلاد يدعو إلى الله وتوحيده في العبادة والطاعة كما قام بمحاربة شطط اليهود ومغالاتهم المادية، وبادر تلاميذه الحواريون إلى الإيمان به، عددهم اثنا عشر رجلاً شهدوا برسالته وآمنوا بنبوته، لكن ما يزالون بحاجة إلى المزيد من اليقين، فسألوا عيسى أن ينزل ربه لهم مائدة من السماء، فأنزلها الله آية ودلالة معجزة باهرة وحجة قاطعة. هذه قصة المائدة وإليها تنسب سورة المائدة في القرآن الكريم وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها وقصتها ليست مذكورة في الإنجيـل ولا يعرفها النصارى وجاءت القصة في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)، «سورة المائدة الآيات: الآيات ‏112 -‏ 115‏».
حجة النبوة
وقد ذكر بعض الأئمة أن الحواريين‏‏ قالوا يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء وذكر بعضهم أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم فسألوه أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون بها، ويتقوون بها على العبادة فأجابهم المسيح عليه السلام قائلا‏ اتقوا الله ولا تسألوا هذا فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين ‏قالوا نريد أن نأكل منها‏ نحن محتاجون إلى الأكل منها ‏وتطمئن قلوبنا‏‏ إذا شاهدنا نزولها رزقا لنا من السماء ‏‏ونعلم أن قد صدقتنا‏‏ نزداد إيمانا بك وعلما برسالتك ونشهد أنها آية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به.
دعا عيسى ابن مريم ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء تكون لهم عيدا لأولهم وآخرهم‏، قال السدي‏‏ أي نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان الثوري‏‏ يعني يوما نصلي فيه وقال قتادة: أرادوا أن تكون لعقبهم من بعدهم، وعن سلمان الفارسي:‏‏ عظة لنا ولمن بعدنا، وقيل‏‏ كافية لأولنا وآخرنا ودليلاً على قدرتك على الأشياء وعلى إجابتك لدعوتي فيصدقونني فيما أبلغه عنك، ‏‏وارزقنا‏‏ من عندك رزقاً هنيئاً بلا كلفة ولا تعب، قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم ويكذب بها ‏فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من عالمي زمانكم.
وقال ابن جرير عن ابن عباس، أنه كان يحدث عن عيسى، انه قال لبني إسرائيل:‏ هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا، ثم قالوا‏‏ يا معلم الخير قلت لنا‏‏ إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا حين نفرغ طعاما، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة حيتان وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم‏.‏
كعب الأحبار
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «نزلت المائدة من السماء عليها خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا، ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا فمسخوا قردة وخنازير»‏.
ونقل البغوي عن كعب الأحبار أن المائدة نزلت منكوسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض، عليها كل الطعام إلا اللحم وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم، قال قتادة: كان عليها ثمر من ثمار الجنة وقال الكلبي كان عليها خبز وأرز وبقل وقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا وكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا جميعهم وفضل.
وعن الكلبي ومقاتل: أنزل الله خبزاً وسمكاً وخمسة أرغفة، فأكلوا ما شاء الله تعالى، والناس ألف ونيف فلما رجعوا إلى قراهم، ونشروا الحديث ضحك منهم من لم يشهد، وقالوا ويحكم إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، ومسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة، فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا، وكذلك كل ممسوخ.
وقيل إنهم أكلوا وصدر عنها ألف وثلاثمئة رجل وامرأة من فقير ومريض ومبتلى، كلهم شبعان، وإذا السمكة بهيئتها حين نزلت، ثم طارت سفرة المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت، فلم يأكل منها مريض ولا مبتلى إلا عوفي ولا فقير إلا استغنى، وندم من لم يأكل منها فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى، فإذا نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء، ولا تزال منصوبة يؤكل منها.
القاهرة (الاتحاد)

اقرأ أيضا