الاتحاد

دنيا

الأطفال على طريق التقوى في سنة أولى صيام

الصغار يكتسبون فضائل الصيام على موائد إفطار رمضان (الاتحاد)

الصغار يكتسبون فضائل الصيام على موائد إفطار رمضان (الاتحاد)

خورشيد حرفوش (أبوظبي)


صوم رمضان عبادة وتقوى خالصة لله تعالى، وتزكية للنفس المؤمنة، وهو أيضاً رياضة روحية وأخلاقية للنفس والبدن، والطفل الذي لم يصل إلى سن البلوغ لا تلزمه الشريعة الغراء بالصيام، لكن عادة ما ينصح بالتدريب عليه إذا اقترب من سن البلوغ، حتى يسهل عليه الصيام.
وكان الصحابة ـ رضى الله عنهم ـ يأمرون أولادهم بصيام يوم عاشوراء، لمَّا أُمروا بصيامه، قالوا: فإذا قال الصغير: أريد الطعام، أعطيناه اللعبة من العهن يتسلى بها حتى تغرب الشمس.
متى وكيف يصوم الأطفال؟ وفي أي مرحلة من أعمارهم يمكن أن يستوعبوا الحكمة الإلهية من الصيام؟ وكيف يمكن للآباء والأمهات نقل هذا المعنى وغرسه في نفوس الصغار؟
رفع القلم
يوضح الداعية الإسلامي الشيخ فرج قاسم، أن الصيام لا يجب ولا يفرض على الطفل حتى يبلغ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم»، وهناك من يرى أنه ينبغي أمر الصبي في وقت معين بالصيام حتى يعتاده، وذلك في سن يطيق فيها، ويختلف باختلاف بنية الولد، وقد حدَده بعض العلماء بسن العاشرة. وهناك من ذهب بوجوب أن يؤمر بالصيام إذا طاقه، فقد كان هذا هو هدي الصحابة رضى الله عنهم، يأمرون من يطيق منهم بالصيام، فإذا بكى أحدهم من الجوع أعطي اللعب ليتلهى بها، لكن لا يجوز إجبارهم على الصيام إذا كان يضرهم بسبب ضعف بنيتهم أو مرضهم، بل إذا ثبت من الناحية الطبية أن الصيام يضر بالطفل، فإنه يمنع منه، وإذا كان الله سبحانه وتعالى منعنا من إعطاء الصغار أموالهم خوفاً من الإفساد بها، فإن خوف إضرار الأبدان من باب أولى أن نمنعهم منه، ولكن المنع يكون بالإقناع لا بالقسوة.
ويضيف الشيخ قاسم:« يمكن للوالدين تشجيع الصغار على الصيام بإعطائهم بعض الهدايا، أو المحفزات المعنوية الأخرى، وخلق روح المنافسة بينهم وبين أقرانهم. كما يمكن تشجيعهم على الصلاة أيضا بأخذهم إلى المساجد، ويمكن أن يظن الآباء والأمهات أن الرحمة والشفقة تقتضي منع أطفالهم من الصيام والصلاة، لكن هذا اعتقاد خاطئ، ويجب عليهم إتاحة فرص التدريب المتدرج لهم للصوم شأنهم في ذلك شأن أي خبرة سلوكية أخرى». كما يجب عدم السماح للطفل الذي يقل عمره عن عشرة أعوام بصيام شهر رمضان كاملا، لأن صيام رمضان ليس مفروضا عليهم، ويمكن السماح لهم بصيام بعض أجزاء اليوم، أو بعض أيام الشهر، وتوجيههم بشكل سليم».
التدرج
الدكتور أحمد الألمعي، استشاري الطب النفسي، ورئيس قسم طب نفس الأطفال والمراهقين بمستشفى خليفة في أبوظبي، يرى أن الصيام بالنسبة لكثير من الأطفال فرصة كبيرة لتعويدهم عادات غذائية صحية، فكثير منهم يتحمسون للصيام، ومن ثم يمكن للأم أن تستثمر ذلك في ضبط عادات الطفل الغذائية وتنظيمها، والتدرج بالصيام، كأن يصوم جزءاً من اليوم، أو بعض الأيام بعد ذلك، ويمكن في البداية أن يتم الاتفاق مع الصغير كي يعقد النية على الصيام من الصباح حتى الظهيرة، ويتناول طعامه بشكل طبيعي بين الظهر والعصر، ثم يصوم بين العصر وحتى المغرب، ليشعر بأجواء رمضان مثله مثل بقية أفراد الأسرة الصائمين.
ويؤكد أهمية تجنب أساليب الضغط، أو الترهيب، أو التخويف، كالتي يلجأ إليها البعض لتخويف الأطفال من عقاب الله، وما إلى ذلك من أساليب ضارة، بل يجب اعتماد أساليب التحبيب والتشويق، وتأكيد أن العلاقة بين العبد وربه هي علاقة خِشيّة وجلال وحب وخشوع وطاعة ويقين بين المخلوق والخالق العظيم جلت قدرته.
المعنى والمغزى
يضيف الدكتور الألمعي: «يجب ربط الفرائض، كالصيام والحج والزكاة، بذكريات وأحداث مريحة وجميلة وشائقة للطفل، بلغة بسيطة ومحببة، والحديث إلى الطفل عن المعنى والمغزى من الصيام، وأهدافه الأخلاقية والدينية والروحية بأسلوب سهل مبسط وسلس ومفهوم، وتشجيع الطفل على ذلك، وتربيته على المعاني الحقيقية للصوم، والتسامح، والترابط، والتكافل، والصبر والحلم، وغير ذلك من قيم إسلامية نبيلة».
وينصح الأهل باتباع طريقة صيام الطفل جزءاً من النهار، فهو ليس مطالبا بصيام اليوم كاملا، وهكذا عندما يشعر بالتعب الشديد، خاصة العطش يستطيع أن ينهي صيامه و يشرب أمام الجميع، وألا يعتاد الكذب، أو الخجل، أو تمثيل دور الرجل، ويتظاهر بالصيام، بينما هو يأكل ويشرب في الخفاء.
ويجب تربية الطفل المسلم على الإيمان والطاعة والامتثال والاحترام لما يأمرنا به الخالق جلت قدرته، وأن سلامة البدن من سلامة النفس، وأن سلامة النفس من الإحساس بالإيمان والرضا والتقوى والامتثال لأوامر الله، وعبادته في السر والعلن، وأن الصيام يعزز هذه الرؤية لدى الصغار في وقت مبكر، فيكبر، وقد تربى على الصدق مع النفس والطاعة، ومن الأهمية الحرص على تطبيق السنة النبوية الكريمة في تعجيل فطور الطفل الصائم، مثل الكبار، وتأخير وجبة السحور قدر الإمكان».
الجانب الطبي
أما من الجانب الطبي والصحي، فيشير الدكتور علي الهنداوي، مدير مركز هنداوي الطبي في أبوظبي، إلى الطريقة المثلى لتناول طعام الإفطار بالنسبة للطفل الصائم، وينصح بالتدرج في تقديم أنواع الطعام الصحي له كما هي الحال عند الكبار، حتى لا يتعرض لاضطرابات معوية. ويفضل تأخير السحور حتى لا تطول الفترة الزمنية التي يمتنع الطفل خلالها عن الطعام وشرب السوائل، مما يسبب له الإجهاد أو نقصاً حاداً في مستوى السكر خلال ساعات اليوم، ولا سيما أيام الحر، مما قد يعرض الطفل للجفاف.
كما يجب أن ينتبه الآباء لعدم السماح للأطفال المصابين بالأمراض المزمنة ـ مثل «الثلاسيميا» أو فقر الدم المنجلي ومرضى الربو، وأمراض الكلى المزمنة والتهاباتها المتكررة، التي تحتاج إلى سوائل باستمرار، وأمراض الدم المزمنة، وأمراض القلب التي تحتاج إلى علاج بانتظام ـ بالصوم، إذ قد يصابون بالجفاف بسبب نقص السوائل، فيؤثر ذلك على حالتهم الصحية.


الأطفال المصابون بالسمنة
بالنسبة للأطفال المصابين بالسمنة، يوضح الدكتور هنداوي: «إن هؤلاء الأطفال أو الذين يعانون زيادة في الوزن، لديهم الفرصة للتقليل من أوزانهم خلال فترة الصيام، ولا يتم ذلك إلا عند التنبه إلى عدم تناول كميات كبيرة من الطعام في وجبة الإفطار، معوضين بذلك ما فاتهم من الوجبات في وجبة واحدة.
كما يجب تقديم وجبة إفطار متوازنة، تحتوي على النشويات والبروتينات والدهون غير المعقدة والفواكه والخضراوات، بحيث تمنح الطفل كافة احتياجاته الغذائية، وتحافظ على مستوى السكر في الدم، وتحميه من أعراض الصداع والإرهاق. كما يجب أن تحتوي على الحليب أو مشتقاته لإعطاء الطفل احتياجاته الأساسية من الكالسيوم. ويجب الإقلال من المخللات والأغذية الغنية بالدهون والحلويات في وجبة السحور قدر الإمكان، لأنها تزيد إحساس الطفل بالعطش خلال الصيام».

اقرأ أيضا