صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

التفاؤل.. شعار أصحاب المهن والأعمال البسيطة في الهند

حسين الحمادي (نيودلهي)

فيناي ملهوترا، رجل هندي في نهاية الخمسينيات من عمره ويعمل سائقاً لسيارة أجرة، في العاصمة الهندية نيودلهي، تبدو على وجهه ابتسامة متفائلة مع كل كلمة يتحدث بها، يؤكد وهو يقلني إلى وجهة معينة في العاصمة الهندية الجديدة، أنه يبتسم دائماً لأنه شخص مرح ولا يحب أن يبدي لأحد مشاعر الحزن أو الصعوبات المعيشية التي تواجهه وأسرته، وأنه يشعر اليوم بإحساس جيد للغاية، تجاه المستقبل ما يجعله متفائلاً.
وبمواصلة الحديث معه، يتطرق فيناي إلى الإمكانات الهائلة التي تمتلكها بلاده، ويتساءل: ما الذي يمنعنا من أن نكون في حال أفضل، فالهند تمتلك كل شيء، الزراعة والجبال والبحر والبشر، نستطيع أن نكون في وضع معيشي أفضل لنا ولأسرنا، وهو ما سيحدث بالتأكيد مع ما تقوم به الحكومة الحالية من مكافحة للفساد والعمل على تحسين أوضاع الهنود ومستوياتهم الحياتية، ويضيف «نعم أنا متأكد أننا سنكون في وضع أفضل».
لكن الرجل لا يخفي عدم رضاه عن بعض المشاريع العملاقة التي يتم تنفيذها، مثل مشروع المترو، كونه يخشى تأثر مصدر رزقه من منافسة وسائل المواصلات الجماعية، ويقول: لا أعتقد أن المشروع سيوفر حلاً لمشكلة الزحام المروري الخانق، فمحطات المترو متباعدة، وعليك أن تسير على قدميك مسافات طويلة بين المحطة ووجهتك، ويقول ضاحكاً: «يا صديقي لن تجد أفضل من سيارة (التاكسي)، أنا موجود وسأوصلك إلى أي مكان تريده».
في جانب آخر من العاصمة الهندية، وتحديداً في موقع يعرف بسوق خان «خان ماركت»، الذي يعد واحداً من أعرق أسواق العاصمة وقد قارب عمره السبعين عاماً منذ إنشائه، يمكن للزائر الإحساس بشعور مختلف عن أي مكان آخر من العاصمة، فرغم كون السوق قديماً، لكن لا ينقصه شيء ليسمى سوقاً راقياً، فالمحال رغم صغر حجمها تعرض أفضل البضائع المختلفة من ملبوسات ومنسوجات وتحف وأطعمة، بالإضافة إلى حضور أسماء عالمية راقية في هذا المكان، وجدت رجلاً في أوائل الثلاثين من العمر يبادلني النظرات وكأنه يتساءل عن ملامحي ومن أي البلاد أكون، ألقيت عليه التحية فردها بأفضل منها، وتحدثنا قليلاً باستخدام بعض المفردات الإنجليزية، وعند الحديث عن وضع السوق والحركة التجارية، عاد للموضوع ذاته قائلاً: «أشعر بالتفاؤل».
واصل الرجل حديثه عن الحركة التجارية التي تشهد تحسناً ملحوظاً، خصوصاً في العامين الأخيرين، سألته أين يعمل؟، فأشار إلى محل بجانبنا يبيع المنتجات البصرية، عاودت سؤاله مجدداً «كيف لك أن تشعر بالمستقبل؟»، فأجابني بروح فكاهية «أنا أستطيع أن أعرف قدرات بصرك، فأنا متخصص في هذا المجال، فكيف لي ألا أعرف ما تتجه إليه الأمور في بلادي، نعم الأمور ستتحسن، ونحن كلنا مع الإصلاحات التي تقوم بها الحكومة، فهي ستكون في صالحنا جميعا».
أكملت جولتي في «خان ماركت»، وتعمقت قليلاً بين أروقته محدودة الحجم، لفت نظري وجود مكتبة تضم الآلاف من الكتب والمؤلفات المصفوفة في أرفف تمتد من الأرض إلى السقف المرتفع، وفي داخل المكتبة يجلس رجل يضع قبعة على رأسه، إنه مدير المحل «أنوب كومار»، ألقيت عليه التحية، فسألني من أين أنت؟ قلت له من دولة الإمارات، فابتسم وقال: أهلاً بك في محلي، ثم دار بيننا حديث شائق عن أعماله واهتمامه بالثقافة، وعن سوق «خان ماركت» نفسه وتاريخه، وقال إن هذا السوق يعد من أعرق الأسواق في نيودلهي، فقد تم تشييده في عام 1951، في الحقبة البريطانية، وكان يعتبر من المناطق الراقية التي يجلس فيها أفراد الطبقات الراقية والمثقفين ورجال الأعمال.
وبسؤاله عن نشاط السوق وما يتوقعه في السنوات القادمة، أكد «أنوب» أن السوق يعتبر نشيطاً بالحركة التجارية، فعمليات البيع والشراء فيه تعتبر جيدة جداً، خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة، ولذلك فهو يعتبر من أعلى الأسواق في التكلفة وأسعار الإيجار بالعاصمة الهندية نيودلهي، فإيجار القدم المربع يبلغ 18 ألف روبية (نحو 1100 درهم إماراتي)، مؤكداً أنه سعيد جداً بمهنته التي تقوم على نشر الثقافات ومخاطبة الفكر لدى الناس، وأن زبائنه يتنوعون في جنسياتهم بين الهنود وأصحاب الجنسيات الأجنبية المختلفة.
وأشار كذلك إلى أنه يشعر بإحساس جيد تجاه مستقبل بلاده، كونها بدأت تسير في خطوات جيدة للإصلاح الاقتصادي، ونظراً إلى القدرات والإمكانات الضخمة التي تمتلكها في كل المجالات، فالهند تمتلك ثروات لا تقدر بثمن، على حسب قوله.
يذكر أن «خان ماركت» أنشئ في عام 1951، وكان مكوناً من طابقين على شكل حرف U، وكان في الأساس مكوناً من 154 بالطابق الأرضي محلاً، إلى جانب 74 شقة في الطابق الأول مخصصة لأصحاب المحال. وفي الثمانينات من القرن الماضي، تم تحويل الشقق إلى محال تجارية أيضا.
وتشهد الهند خلال المرحلة الحالية، معدلات نمو اقتصادي قياسية بحدود 7%، وهي تعد من أعلى معدلات النمو العالمية، وتشهد البلاد محاولات للإصلاح الاقتصادي يقودها رئيس الوزراء ناندرا مودي، الذي وعد بحياة أفضل للطبقات الفقيرة واتخذ خطوات جريئة لمكافحة الفساد المالي، حين قام بإلغاء أوراق نقدية كبيرة وطلب من حامليها تبديلها لدى البنوك، في خطوة يرى المراقبون أن هدفها كان محاربة الفساد والتهرب الضريبي والقضاء على الأموال غير المشروعة.

الحكومة تشجع الاستثمار الأجنبي
ذكر الرحمن: الإصلاحات تقود إلى تحسين مستوى المعيشة
نيودلهي (الاتحاد)

يقول الكاتب ذكر الرحمن، وهو مدير مركز الدراسات الإسلامية في نيودلهي، إن الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة الهندية الحالية، سيكون لها تأثير إيجابي مؤكد على مستوى المعيشة في الهند، ما يؤدي إلى ازدهار اقتصادي مستقبلاً، مؤكداً أن الأفراد متفائلون بهذه الإجراءات، خصوصاً أن الحكومة اتخذت قرارات جيدة قبل سنتين وكان لها دور في تحسين المستوى المعيشي. وأضاف: حالياً هناك انفتاح أكبر في الهند، خصوصاً أن الحكومة الحالية هي حكومة أغلبية، وتستطيع أن تتخذ قراراتها بشكل أفضل مقارنة مع الحكومات السابقة التي كانت ائتلافية، ولدى الحكومة اليوم اهتمام كبير بتنفيذ إصلاحات اقتصادية تسهم في تحريك العجلة الاقتصادية بشكل أفضل، مع محاولات جادة لإصدار بعض القوانين التي ستسهم في جذب الاستثمار الأجنبي خلال المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن الوضع الحالي لا يخلو من التعقيد فيما يخص القوانين، حيث يستطيع أي شخص رفع قضية على أي شركة استثمارية، وهو ما يؤدي إلى صعوبات تواجه المستثمرين الأجانب. وقال ذكر الرحمن: «تحاول الحكومة حالياً إصدار قوانين تشجع على جذب الاستثمار وتوفير ضمانات تحمي الاستثمارات الأجنبية، وهناك إخلاص وجدية في تحقيق ذلك».