الاتحاد

دنيا

الأسطى سكينة ·· مكوجية من حديد

تكوي ملابس الزعماء والباشوات منذ 60 عاما
القاهرة ــ سعيد ياسين:
أصبح المكوجية فئة شهيرة يتردد اسمها على كل لسان منذ احترف أحد أسطوات مكواة الرجل الغناء وهو المطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم الذي مازال يفخر بأنه كان مكوجيا وانه يعلق مكواة الرجل الشهيرة في ركن بارز بمنزله لأنه يتفاءل بها·
ولم نكن نعرف أن النساء اقتحمن حرفة كي الملابس حتى التقينا بالحاجة سكينة إبراهيم عبدالدايم التي مازالت تعمل بهذه المهنة رغم اقترابها من الرابعة والثمانين من عمرها·· ولم تتخلف يوما عن تلبية مطالب زبائنها في محلها بحي المنيرة بالقاهرة·· وظلت على عهدها مع زوجها الراحل منذ ستين عاما·· وما زالت الحاجة سكينة مصممة على المكواة الحديدية القديمة لأنها لم تتآلف مع المكواة الكهربائية الحديثة وترى أن المكواة الحديدية أكفأ ونتائج عملها أفضل·
؟ منذ متى تعملين 'مكوجية'؟
؟؟ تزوجت من زوجي الأول 'عرفة زايد' الذي كان ينحدر من عائلة عريقة في مركز الباجور بمحافظة المنوفية وعمري 15 عاما، وعقب زواجي بستة اشهر تم استدعاء زوجي للخدمة الإلزامية بالجيش وتركني وأنا حامل في ابنتي الكبرى 'فوزية' التي توفيت قبل خمسة أعوام وتركت لي ثلاثة من أبنائها، وبعد انقطاع أخبار زوجي عنا سألنا عنه في كل مكان وعلمنا أنه قد تم أسره في مرسى مطروح أثناء الحرب العالمية الثانية وبعد غيابه لأكثر من عشرة أعوام أصر إخوتي على زواجي لأرعى ابنتي وهددوني بالعودة إلى القرية إذا لم أوافقهم، فاستسلمت لرغبتهم وتزوجت من زوجي الثاني ابن عمتي وكان يعمل مكوجيا لدى العديد من العائلات المعروفة مثل عائلة الحمامصي وحامد بك اللوزي· وشاء القدر أن يعود زوجي الأول عقب زواجي بثلاثة أعوام بعد غياب دام 13 عاما·· حيث علمنا أن مصطفى النحاس باشا رئيس وزراء مصر آنذاك عقد اتفاقية لتبادل الأسرى بعد الحرب واستسلم زوجي الأول لقدره خاصة وان ابنتنا كانت وصلت إلى الشهادة الإعدادية وفي تلك الأثناء حصل زوجي الثاني على محل صغير في إحدى حواري حي المنيرة بإيجار 40 قرشا شهريا وكنت أجلس معه في المحل وعرفت من كثرة وجودي معه تفاصيل كل شيء خاص بالمكواة·
مسؤولية
؟ هل كنت تساعدينه في المحل؟
؟؟ توفى زوجي الثاني عقب زواجنا بسبعة أعوام وترك لي ابنتي 'عفاف' وكان عمرها خمسة أعوام و'رجاء' وعمرها عامان إضافة إلى 'فوزية' من زوجي الأول وفوجئت بأنني مسؤولة عن نفسي وعن البنات ولم يكن متاحا أمامي الا الاستمرار في إدارة المحل والعمل بنفسي·· فماذا أفعل وليس لدي رجل اعتمد عليه؟ خاصة وانه كان لدينا زبائن يعرفوننا جيدا ويحضرون ملابسهم خصيصا إلينا وكنت استعين بصبي لمساعدتي·
؟ لماذا تصرين على استخدام المكواة الحديدية إلى الآن؟
؟؟ تعودت عليها منذ صغري وأرى أنها أفضل من مكواة الرِّجل والمكواة الكهربائية·· حيث أقوم بتسخينها على موقد يعمل بالغاز الطبيعي الذي دخل المحل منذ فترة طويلة·· والمكواة الحديدية يتراوح وزنها بين كيلو ونصف وكيلوجرامين في حين أن المكواة الكهربائية اخف وزنا ولا تترك أثرها مثل المكواة الحديدية وأنا ادفع مقابل استهلاك الغاز 4 او 6 جنيهات شهريا أما المكواة الكهربائية فإنها تستهلك اكثر من ذلك بكثير حيث تعمل بالكهرباء وكانت لدي مكواة كهربائية لم أحبها وأعطيتها لحفيدتي لتكوي بها ملابسها في البيت·
؟ من أشهر زبائنك؟
؟؟ جميع أهل المنيرة كانوا يقومون بكي ملابسهم لدي لأنهم يعرفونني جيدا حيث أسكن بجوار المحل· وأيضا عدد من الباشوات الذين رحل معظمهم إلى جانب عدد كبير من الموظفين والعاملين بالمعهد الفرنسي الذي يقع أمام المحل مباشرة· أما المحل القديم فكان يقع في شارع حلوان على الناصية ولكن الإنجليز هدموا الدكاكين الموجودة في الشارع وعندما علمت صاحبة إحدى العمارات بما حدث لي طلبت من فرج السباك أن يستقطع جزء كانت تحتفظ به أمام العمارة ويبنيه محلا لي وهو المحل الموجود حاليا، واذكر أنني كنت أكوي لمصطفى باشا فهمي والد السيدة صفية زغلول زوجة الزعيم سعد زغلول وكان الخياط الشهير كيلنز الذي كان يعمل في حي عابدين يرسل لي القمصان التي يقوم بتفصيلها للمشاهير لأكويها بنفسي لأنها كانت تتطلب عناية فائقة·
القلب على القلب رحمة
؟ هل اختلفت الأسعار كثيرا عن الماضي؟
؟؟ قديما كنا نكوي القميص بقرش ونصف الآن بـ50 أو 75 قرشا وكان البنطلون بقرش صاغ والآن بجنيه أو جنيه ونصف، وكثير من المكوجية يصرون على تقاضي أسعار عالية لكنني أقول لهم 'القلب على القلب رحمة' وحاليا لم اعد اعمل كما كنت في السابق·· وعلى الأكثر خمس أو ست قطع فقط في اليوم·
؟ ما الذي يميز مكوجيا عن آخر؟
؟؟ الصدق والأمانة والتركيز والاهتمام بالعمل وعندما يحضر له الزبون قميصا أو بنطلونا لا يحرقه وهو يكويه أو يقول له عندما يحضر لأخذه انه ضاع وقديما كان الصنايعي محترفا أما الآن فهو يقوم بعمل كل شيء بسرعة شديدة ولم يعد هناك صنايعية مثل أبناء جيلنا·
؟ كيف كنت تقومين بتسخين المكواة قبل دخول الغاز الطبيعي؟
؟؟ كنا نشتري صفيحة الفحم من تل العقارب بقرشين ونصف وأحيانا كنا نشتري أوقية الفحم بـ 6 ملليمات أو نصف قرش ونحصل مع الفحم على 'كُسب' يساعد في إشعال الفحم وكانت الدنيا دنيا أيام الملك فاروق وكان لدي صبيان يتقاضى الواحد منهم قرشا ونصف في اليوم الواحد·· وبعد الفحم كنت أقوم بتسخين المكواة على وابور الجاز·
؟ هل مهنة المكوجي مربحة ماديا؟
؟؟ قديما كانت تكسب اكثر من الآن·· الحياة أصبحت غالية والأسعار نار وزمان لم تكن هناك مصاريف كثيرة والغلاء الآن يدفع الكثيرين إلى كي ملابسهم بأنفسهم في منازلهم·
؟ هل صادفتك صعوبات في عملك؟
؟؟ ليس في مهنة المكوجية صعوبات كثيرة·· كي القميص سهل وان كانت القمصان الآن معظمها مصنوع من النايلون الأمر الذي يستلزم ألا تسخن المكواة بدرجة عالية·· والجاكيت والبدلة والبنطلون بحاجة إلى اهتمام اكثر نوعا ما·· والسيدات بصفة عامة يعملن في البيت في الكنس والمسح والطبخ واعتبر المكواة مثل هذه الأعمال بل أخف منها بكثير·· صحيح أنني كنت اشعر بالتعب أحيانا ولكن بمجرد قيامي بفتح المحل وفرد الملابس على الطاولة وتسخين المكواة أشعر بان الطاقة تدب في عروقي من جديد وتدفعني الى المزيد من العمل بكل حب ورضا·
؟ بماذا تبدأين كي الملابس؟
؟؟ في القميص أكوي البدن أولا ثم الأكمام ثم الياقة ثم الاجناب أما البنطلون فإنني أكويه من الداخل أولا لفرد الخياطة الخاصة به ثم أقلبه على وجهه وأكويه وأحافظ على الكسرات الموجودة فيه جيدا أما بالنسبة للجاكيت فإنني اكوي الأكمام أولا ثم الياقات ثم الاجناب وأخيرا الظهر·
؟ هل تراجعت مهنة 'المكوجي' بعد ظهور المكواة الكهربائية؟
؟؟ لم أتخل طوال مشواري عن المكواة الحديدية التي امتلك منها أربعا ولا أنكر أن المهنة تراجعت كثيرا بعد ظهور مكاوٍ كهربائية والبخار حيث يفضل الكثيرون الكي في البيت لتوفير أحد بنود المصاريف والنفقات الكثيرة أما في الماضي فكان الكل يفضل الكي لدى المكوجي سواء مكوجي الرِجل الذي كان متخصصا في الجلابيب والعباءات والبدل الصوف أو صاحب المكواة الحديدية مثلي·

اقرأ أيضا