الاتحاد

دنيا

نساء الشارقة يغزلن لوحات التراث بخيوط التلي


دبي ـ أمل النعيمي
عند مدخل دار الندوة في الشارقة القديمة تجمعت خمس سيدات حول الخوص وخيوط التلي، كن قادمات تواً من مركز التنمية الاجتماعية بخورفكان، حيث عقدت مجموعة من الباحثات في مجال التراث ندوة ناقشن فيها أهمية دور المرأة الاماراتية في الحفاظ على التراث·
لقطات التراث سارت بمحاذاتنا أينما اتجهت انظارنا في ذاك الركن الذي أنشئ في الشارقة القديمة، وكل شيء كان ينطق بأنه هنا لايزال شامخاً،يقول: انا الاماراتي بكل تفاصيل هذا الاسم· مع كل انحناءات الطرق المؤدية إلى أركان هذا البناء المائل للقدم استرسل الفكر مع كل الخطوط التي سجلت على جدران الأبنية وعلى المقاعد الخشبية المتناثرة هنا وهناك، طابع خاص يجول بالذاكرة أخذ يشق طريقه عبر المواويل والأغنيات القديمة ويفتح أغنية جديدة على مداها··أغنية تختلط فيها مواويل النهامة بشجن السامري والليوا واليامال وكلها تقول وهي تدور في الفضاء توشوش: لن أبرح هذا المكان فهو مني وإلي، هو عني يحدث الآخرين وببقائه اكون حاضراً مهما غبت، انا الاماراتي بتراثي، برائحة العشق القابع في أعماقي انا باقٍ رغم ما يحيط من عوالم طارئة، أسجل نفسي لكل زائر·
كل هذا مر ببالي وانا ادرج نحو الندوة التي نظمتها ادارة التراث في دائرة الثقافة والاعلام في الشارقة عن المرأة والتراث الشعبي وسبل الحفاظ على هذا الموروث، ويبقى السؤال ما هو دور المرأة الاماراتية في تاريخنا وفي المحافظة على تراث الأجداد، عرجت بعض الباحثات في هذه الندوة على البحث عن أهمية هذا الدور المنوط بها داخل مجتمع الإمارات ومنهن فاطمة المنصوري مسؤولة وحدة التراث بمركز زايد للتراث بالعين التي تقول:
انا من موقع عملي كباحثة في التراث احببت الخوض في سؤال راودني ألا وهو (لماذا التراث الشعبي؟) ولماذا هذا الاهتمام بالتراث الشعبي على الصعيد الرسمي، خاصة في العشر سنوات الأخيرة من العقد المنصرم، وبما ان التراث الشعبي هو جملة العادات والتقاليد والقيم والحرف والصناعات المهنية والفنون الشعبية من شعر وامثال وكل ما خلفوه من الأجداد وكتبت عليه صفة الديمومة والاستمرار، ولم ينقطع تتناقله الأجيال إلى ان وصل إلينا الان (ومن وجهة نظري) كما تقول فاطمة: اكثر من انه عادات وتقاليد وفنون، بل هو هوية قلب وعنوان حضارة أي شعب، الذي يميز كل دولة عن اخرى، والمحافظة على التراث تخلق احتراما من المجتمعات الاخرى، ومن يفرط بذاته وتاريخه وينصهر بالثقافات الاخرى لن يكون له أصل·
قد تكون الإجابة على (لماذا التراث الشعبي؟) من خلال حديث فاطمة المنصوري لما تراه في الفترة الأخيرة بشكل خاص لعدة أسباب والسبب الرئيسي والأول بالنسبة لي وللكثيرين انفتاح مجتمع الامارات الذي يعد الاكثر انفتاحاً على العالم، وهذا الانفتاح شكل اعاقات كثيرة أهمها مشكلة التركيبة السكانية، اصبحنا أقلية، وزادت النزعة الاستهلاكية وكانت سبباً لفجوة ثقافية وحضارية بين الاجيال، وقد قال احد الكتاب انه سيفتح نافذته مشرعة أمام كل هواء نقي، لكنه لن يسمح للرياح بان تبعثر أوراقه، اتمنى ان نجد من هذه العبارة منطلقاً عميقاً بأحقية الحفاظ على التراث وتطويعه لنثبت وجودنا في خريطة العالم، والهوية التي نتمسك بها ما هي الا سلاح نواجه به كل تشويه·
التربية وتأصيل التراث
أما أهمية العنصر النسائي في الحفاظ على التراث، فقد كان لفاطمة احمد عبيد المغني مديرة مركز التنمية الاجتماعية بخورفكان تشخيصات كثيرة عن هذا الجانب منذ القديم إلى يومنا الحالي·
إذ تقول المغني: ان على المرأة عبئا كبيراً في المحافظة على ثقافة الأجداد التي كانت عنصراً فاعلاً فيه، وكان لها دور كبير في تأصيل التراث في هذه الدولة الحديثة آخذة بعين الاعتبار توجيهات الوالد الشيخ زايد رحمه الله قائد مسيرتنا وباني الاتحاد·مؤكدة ان دور المرأة ممتد ولكل عصر من عصور التاريخ مميزات ومتطلبات خاصة بها، في التربية وتأصيل التراث في نفوس أبنائها وحباً في التراث وديمومته وعرفاناً بانه جزء من البناء الداخلي للانسان وبدونه ستكون نفوسنا خالية من الانتماء لكل أجزاء الوطن، فالأم المربية التي حملت لواء تعليم هذا التراث لأبنائها عن طريق أغاني المهد التي كانت تهدهد بها اطفالها رغبة منها في تذكيرهم بمآثر الآباء، وتغرس في نفوسهم حب الوطن والإنتماء والبطولة، وكيف استطاعت هذه الأم غير المتعلمة من نقل هذا الأرث عبر الأجيال، ولكن هاجس التربية الفطرية التي كانت تحتوي الأجيال، وتعلم أبناءها كل ما لديها من مهارات مثل الطبخ والأعمال اليدوية، وقد ساعدتها طبيعة وملامح الحياة في الماضي على الاهتمام بالأسرة وتحمل المسؤوليات الكثيرة حال غياب الأب وكانت عنصراً مشاركاً في تحمل مسؤولية الأسرة وتوفير متطلباتها المتعددة، وظهرت من خلال هذه حرف كثيرة وإبداعات استطاعت ان تعتاش هي وأبناؤها وتوفر الكثير من المال معتمدة على البيئة المحلية في ممارسة اعمال متوارثة حافظت على استمراريتها، وقد أخذنا على عاتقنا نحن في مركز التنمية الاجتماعية الاهتمام بهذا الجانب،فكان تنفيذ ذلك وهذا واضح من خلال النساء اللواتي أتين معنا إلى دار الندوة مترجمات من خلال أعمالهن ما تحيكه أيديهن من أعمال مثل المشغولات التراثية المصنوعة من الخوجي·
نجاح مسيرة الجمعيات
وشخصت لطيفة النعيمي مسؤولة النشاط الثقافي بمركز زايد للتراث دور الجمعيات النسائية في الحفاظ على التراث ، إذ اشارت الى ان قيام الاتحاد لعب دوراً في الأخذ بيد المرأة داخل المجتمع واحترامها والأخذ بيدها وتجاوز تأثير الكثير من العادات والتقاليد البالية المعرقلة لمسيرتها وتطورها وقدرتهاعلى ان تصمد للقيام بأنشطة عملية في إطار ما هو مطروح تحت يدها من البيئة المحلية وركزت النعيمي على الحديث عن دور الجمعيات النسائية وخاصة جمعية النهضة النسائية في رأس الخيمة 1967 ودور الاتحاد النسائي بمركز الصناعات اليدوية التقليدية 1978 إقتداءً بما دعا إليه باني الاتحاد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد رحمه الله في قوله: (أنا نصير المرأة في كل ما يضيمها)، وقد كان للشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي دور كبير في الاهتمام بشؤون الاسرة من خلال الاهتمام بالمرأة وتذليل كل الصعاب التي تواجهها· وقد برز دور مركز زايد للتراث والتاريخ بالعين كما اكدت النعيمي في تطبيق الأهداف التي أنشىء من أجلها ألا وهي توثيق التراث الشعبي ووضع المركز خطط لتنفيذ هذا الهدف مثل الدورات والإصدارات التي تناولت الكثير من المهارات الحرفية والفنية والتراث البحري وما يمثله من أهمية كبرى لأبناء المنطقة وجمع الكثير من الحكايات الشعبية وقامت أيضاً بالعديد من المشاريع مثل تأصيل الألفاظ والتعابير اللغوية في اللهجة الاماراتية ووضعها في معجم خاص بها وأيضاً مشروع جمع صور الأبل في الموروث الشعبي ومشروع الأفلاج متناولاً ذلك في كتاب واصفاً جدلية الصداع بين الانسان والطبيعة ومشروع الشعر الشعبي في مدينة العين وتوثيقه، وتم إصدار الكثير من الكتيبات التي تتحدث عن العمران التقليدي، والأهازيج الشعبية والكنايات الملاحية التي جمعت من أفواة البحارة وإصدار عن اللؤلؤ وكل ما يختص به·
التراث ودوره العلمي
يحن الانسان إلى تراثه وإلى زمن جميل·· بهذه الفقرة استهلت فاطمة شطاف رئيسة مجلس أمهات مدرسة الزهور الخاصة بالشارقة حديثها، مشيرة الى ان لكل جيل زمنه الزاهي الذي يتمسك به لهذا فإن التراث هو كل ما وصل إلينا من الماضي إلى الحضارة الحالية وقوتنا تبقى من قوة تراثنا وتجذره في نفوسنا يجعلنا اكثر إنتماء لجذورنا، لهذا فهي ترى ان هذا التراث يعاني من مخاطر الإهمال في ظل المستجدات الكثيرة وخاصة الوافدة من الخارج في عصر العولمة، وتقول:من الملاحظ ان العديد من المجتمعات قد تعاني العديد مما هو دخيل ومؤثر في حياتها اليومية، ولكن الأمل يحدونا في تلك المؤسسات والدوائر الوطنية التي ترعى وتحرس وتحافظ عليه ومن المؤكد ان هذا التراث سيظل له مكانة خاصة وشغف كبير يوجهنا للحفاظ على طبيعة توجهاتنا وثقافتنا·
وتضيف فاطمة شطاف: ان تاريخنا وتراثنا العريقين يمتدان إلى كل تفاصيل الحياة التي نعيشها، فقد أولى المسؤولون اهتماماً خاصاً بكافة أشكال وفنون التراث وأصالته العريقة، وقد كان المختصون في المؤسسات التعليمية يؤكدون دائماً على أهمية نقل هذه الثقافات وإبرازها لتأكيد جذورها الحضارية والتاريخية الممتدة لمجتمعنا ولصيانة وإبراز التراث الاماراتي، وهنا يبرز دور هذه المؤسسات التعليمية في إعداد البرامج التعليمية المساعدة والتي من شأنها المحافظة وصون التراث الشعبي الاماراتي·

اقرأ أيضا