الاتحاد

دنيا

الإبداع 2

قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)
يجتهد أغلب الأزواج إلى التمسك بتطبيق هذا الحديث، ومنهم من يبدع في تنفيذ معناه، ومنهم من يبتكر ما يتلاءم وعصره وتفكير زوجته في هذه المرحلة، ومنهم من يجتهد ولا يحقق إلا القليل من النجاحات·
نكمل اليوم بإذن الله تعالى سلسلة جديدة من الأفكار تساعد كل زوج على الإبداع في أدائه الزوجي، والأسري، وتساعده على احتلال الصدارة والمكانة الأولى للاستحواذ على مشاعر زوجته وقلبها، ويمكنه أن يكون قدوة للأزواج، بل قدوة لأبنائه إن شاء الله تعالى·
الزوج المبدع
يعتقد بعض الأزواج إنه لكي يكون مبدعا لا بد أن تتوافر له عدة مستلزمات، منها أن تتوافر لديه المبالغ المالية الطائلة لكي يهيئ أجواء الإبداع، وأن يحصل على أعلى المستويات التعليمية، وأن يكون على مستوى مرتفع من الذكاء، وأن يكون ذا موقع علمي مرموق، ودرجة إدارية عليا، بل ووظيفة مرموقة اجتماعيا ومهنيا ومستلزمات أخرى·
وهناك من يعتقد أن من أهم مستلزمات الإبداع هي الفوضى، أو الخيال البعيد عن المنطق والتحليل العلمي، أو التمرد على التقاليد والقيم والأخلاق التي نشأنا عليها، أو ما يتبع ذلك من أفكار لا تمت إلى الإبداع بصلة·
إن الإبداع مهارة كريمة جعلها الله سبحانه عز وجل في كل منا، وإن كانت في أبسط مستوياتها أو أعلاها·
وتشير الأبحاث والنظريات أن المبدع الناجح، هو الذي يجمع ما بين الخيال وبين التحليل العلمي المنهجي، أي يستثمر أعمال مخه الأيمن مع الأيسر، لتظهر صور الإبداع في أحسن صورها·
تساؤلات
تسير الأمور في مجتمعاتنا الحديثة كما يبدو على غاربها، كل علاقة زوجية أو أسرية أو بوجود فئة من الناس تتصارع مع من حولها لتحقق مصالحها، وقد تتميز هذه العلاقات بالنجاح أحيانا أو الإخفاق أو التعثر أحيانا أخرى·
لقد تقدم الزوج المعاصر كما يلاحظ في المظاهر، وغالى في تبنيه للمادة و الشكليات تاركاً جوهر السلوك وجوهر دوره والقيم الرفيعة المتنوعة بدءاً بالعاطفة أو المودة الأصيلة من الزوج لزوجته وأسرته وانتهاء بحمايته لأهله ووطنها و ثقافاته المحلية من الأخطار المحيطة بنا، والأكثر خطورة أحيانا ملاحظة الأسر ذاتها تتفتت هي الأخرى لقوى متعادية متعارضة، ومن تكون هذه القوى أحيانا يتفق الأب مع أحد أولاده تجاه الأم والأولاد الآخرين باعتبارهذا العمل ابداعا أو انتصارا، أو قد تكون القوى من خارج العلاقة الزوجية، بل وقد يتخلى الأب عن أولاده و مسؤولياته ورعايته لهم في أحيان أخرى·
وهناك تساؤلات أخرى تشير إلى أن الزوج يشتكي من انشغال الزوجة أو الأم لأنها تقضي أكثر الوقت بالتحدث عبر الهاتف أو الانترنت، أو الأحاديث الجانبية أو الانشغال باستقبال وتوديع بعض الصديقات، أو الانشغال بأداء بعض الأعمال غير المفيدة، وبدور الزوجة تشتكي من انشغال الزوج ومنذ دخوله المنزل بالتلفاز أو الكمبيوتر أو الألعاب أو في مشاهدة أفلام الفيديو و في تحقيق عدة زيارات للمعارف أو الجلوس في الديوانيات، تاركا مسؤولياته الزوجية والأسرية لزوجته أو لأي شخص آخر·
أو قد يقضي معظم وقته وجهده في اختراع كل ما يمكن من أساليب بالتعاون مع من حوله للتحكم والاستبداد بحياة و قرارات الأسرة، متغاضيا عن الحاجات و المتطلبات الأسرية الفعلية: الشرعية أو القانونية أو العاطفية أو الاقتصادية والاجتماعية·
وقد ينشغل الزوج أو الأب عن أسرته إذا اختار قضاء معظم وقته اليومي خارج المنزل في العمل أو الجلوس في المقهى أو في عقد الاجتماعات أو مع معارفه، وفي الوقت ذاته يحاول أن يستبد بكل صغيرة و كبيرة في شؤون الأسرة، ويحكم أبناءه بالتهديد و الوعيد و الضرب و الحرمان أو الإهمال، ولا يتفاعل مع أفراد أسرته أو يشعرهم بعطفه و حنوه و تواضع نفسه، ويجهل الترغيب والحوار الفعال مع ذاته وزوجته وأبنائه، وقد يبخل عليهم بمشاعره قبل وقته، ويحرمهم من الكثير من حاجاتهم الفسيولوجية، البيولوجية وتوفيرالحماية الأمنية والاجتماعية، هذا الزوج أو الأب لا يؤدي إلى افتقار أسرته للإبداع فقط، بل يعد وجوده في البيئة الأسرية ضاراً هداما لشخصيات و مستقبل تابعيه من زوجة و أبناء وبنات·
وقد يسأل العديد من الأزواج من حولهم، كيف أكون مبدعا، في عملي وفي علاقاتي، كيف أتمكن من تغيير زوجتي، كيف أجعل زوجتي معجبة بإنجازاتي؟؟، كيف أجعلها تنفذ أوامري، كيف أجعلها تعتذر إن أخطأت معي، الكثير من (كيف؟؟)، والعديد من الناصحين له من دون جدوى، وقد يغيب عن بال أكثرهم أحد أهم الأسئلة كيف أفوز بقلب زوجتي، كيف أشعر بالسكن معها وبها، كيف أُرضي ذاتي وأُرضيها؟؟·
بالتأكيد أن كل منا يرغب أن يكون مبدعا حتى ولو كان بأبسط صور الإبداع ولكن الأكثر أهمية أن يستفيد الذي حولنا من إبداعاتنا، فما فائدة الإبداع ولا يستفيد منه أحد!!؟
إذا اتفقنا أن لدينا طاقات مبدعة، فلنتفق على أساليب تفعيلها، من خلال أنظمة علاقاتنا، وأنظمة عقولنا، وسماتنا الشخصية·
حلول مقترحة
هناك عدة حلول مقترحة منها اعتيادية يؤديها أغلب الأزواج والزوجات، ومنها يعتقدها البعض حلولا مبدعة، وهي:
·1أن نعود مرة أخرى لذاتنا و نراجع حساباتنا للحاضر و المستقبل، ونعود قبل كل شيء لتراثنا العريق ولتفوقنا الحضاري·
·2أن نعزز العوامل والمقومات المتنوعة التي كانت السر وراء نجاح أجدادنا ومن سبقونا، ثم نبدأ بموالفتها مع روح العصر من دون خسارة تذكر لهويتنا المحلية و طموحاتنا الفردية والاجتماعية والحضارة العالمية·
·3أن يتعامل الزوج بطريقة متكاملة مع ذاته وطموحاته، ومع ذات زوجته وأفراد أسرته· وأن يندمج في أسرته وألا يكون معزولا في تفاعلاته وتواصله بين جميع القوى سواء أكانت داخل العلاقة الزوجية أم خارجها·
·4أن يتعايش الزوج ويعي كل شيء ويرصد كل حركة ويتفاعل بأهدافه معهم ويحسب خطاه بطرق مبدعة، مجدية لحياته الخاصة و متطلبات مجتمعه الواسع في الوقت نفسه·
·5و قد يمضي بعض الأزواج، قليلا من أوقاتهم خارج المنزل، أو لتحسين المدخلات المادية، وقد يعاني بعض الشيء من مشاركته الاجتماعية العامة أو من تعليقات الغير حوله، ولكن العوائد الخاصة عليه والعامة على أسرته والمجتمع الواسع أكبر وأجدى من عمله المنفرد لذاته، ثم لنتذكر جميعا (من لا يخسر في الحياة دائما لا يربح أبدا)، والأهم من كل هذه الاعتبارات هو أن الحياة لا تستحق كل هذا التناحر الفردي والأسري على الأهواء والمصالح الضيقة، و لنتعلم دائما دروس من سبقونا أفراداً و أسراً ومجتمعات، ضعفاء كانوا أو أقوياء، فقراء أو أغنياء، مستبدين أو عادلين، كم عاشوا وعمروا؟ وكم بقي منهم لوقتنا الحاضر؟ و ما الذي أخذوه معهم من حطام الدنيا لآخرتهم؟ غير أعمالهم وأدائهم المبدع والمرضي لله تعالى، وقد نصل بكل هذه الدروس لحكمة حياتية واجتماعية تفيدنا في الحاضر والمستقبل، وقد تتكاتف حينئذ قوانا وامكاناتنا، وأهدافنا الفردية والأسرية الخاصة والعامة لصالح الزوج والزوجة وأولادهم والمجتمع في الداخل و الخارج على حد سواء·
النظام الزوجي المبدع
لبناء نظام زوجي مبدع لا بد من تذكر بعض المفردات المهمة في بناء هذا النظام وهي:
؟أن يبدأ كل زوج باستعراض إيجابياته وما يمتلك من سمات شخصية، وأن يعمل بجد لاستثمارها في علاقته الزوجية·
؟أن يراجع كل زوج مواصفاته وسلوكياته النفسية وأدواره الاجتماعية، والرسمية- الشرعية والبيولوجية في الأسرة كزوج وأب، ومنها هل يمتلك درجة من الحنو على زوجته و أبنائه، والرحمة بهم، و وهل هو عادل في تعامله معهم، وحامٍ لهم من الأخطار والأخطاء، وراعٍ لهم، عملا بالحديث الشريف: ' كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته '·
؟ أن يكون عاملا منتجا، قادرا على توفير التمويل اللازم لحاجات أفراد أسرته الشخصية، والتعليمية والصحية، والفيسيولوجية·
؟أن يتعايش معهم لحظة بلحظة و يتابع أخبارهم و طموحاتهم الفردية و يستجيب لها كلما لزم، وأن يقضي أكثر ما يستطيع من وقته معهم·
؟أن يكون صاحب قرار وله القدرة على اتخاذه و مشاركة أسرته في صناعته و تنفيذه،وأن يكون جاداً عند الجد و مرحاً عند المرح، مرناً واقعياً في تفاعله مع الآخرين·
؟أن يكون نموذجا سلوكيا خيرا لأفراد الأسرة، صحيح الخلق غير متناقض من موقف لآخر·
؟أن يكون متعرفا الى بيئة العلاقة الزوجية داخل أسوارها وخارجها، محددا المجالات التي يمكن للزوجة أن تحقق الإبداع فيها·
؟أن يكون مطلعا على الأدوار والمهام الواجب أداؤها في العلاقة الزوجية وهو دور الزوجة ودور الأم، وأن يتوسط كل زوج الأدوار وأن يندمج مع أسرته ويحاول ألا يميز أحد الأدوار على الدور الآخر·
؟أن يجد السكن في قربه من الله سبحانه وتعالى ومن زوجته، وليس في التسلط والشك بزوجته ومن حولها، وأن ينشغل في إيجاد الحلول المبدعة لمشكلاته، كي يجني من ورائها، الخير بدلا من القلق والشك أو ما تؤول إليه·
؟أن يسهم في تحفيز الزوجة لمواهبها وطاقاتها، وأن يفكر الزوج بحسن نية، وأن يحاول توزيع وقته بين زوجته وبين عمله وأولاده، وبينهم وبين مهامه الاجتماعية وأن يضع أمامه دائما لوحة كتب عليها (أحسن النية وابدأ من جديد)·
؟أن يبدأ بتجسيد مبادئ حفظ الله وأماناته وأن يثق بقضاء الله وقدره ويبذل ما بوسعه وإن كان قضاء الله له بالاستمرار في هذه العلاقة إن شاء الله، وإن كان قضاء الله عكس ذلك وهي إنهاء العلاقة أو بقاء العلاقة متذبذبة غير مستقرة تحيطها الشوائب أو بعض المواقف الشائكة، يكون راضيا به وإن كان غير ذلك يتقبل ما قسم له ربه، مهما كانت النتائج وأن يتذكر حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها بآخر)·
؟أن يبدأ كل يوم بيوم جديد، وتفاؤل جديد، ونية جديدة، تمتد لما سبقتها وتستمر لتحقيق أهدافه وطموحاته·
؟أن يتصرف بحكمة وفقا لمعطيات الأسرة وسمات أفرادها، والتفكير بمستقبل العلاقة الزوجية والأسرية وليس فقط لليوم الحالي·
؟وألا ننسى قول الله تعالى (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا)·
استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه

اقرأ أيضا