الاتحاد

دنيا

الكذب·· أبيض و أسود وعلى كل شكل ولون!

أمجـد الحيـاري:
قد لا يبدو اختلاق موظف عذر ما لتبرير تأخره عن العمل سوى نهاية سعيدة لمأزق يومي، أو اختيار طفل الطريق السهل ليزيح عن كاهله عقاب كسر إناء أو لعبة، أو آخر أراد التخلص من زائر ثقيل الظل بالتهرب من مقابلته، كل ذلك لا يبدو لأصحابه سوى مواقف يومية تمر ولا يُلقى لها بالا، لكنها في حقيقة الأمر كذب صريح بحسب تعريف خبراء السلوك الإنساني·
ومن الطرافة بمكان أن تتخيل يوما كاملا دون كذب أبيض أو أسود أو أي ألوان أخرى، فمجاملة الأصدقاء كذب،
واسترضاء الزوجة بالكلام المعسول كذب وموافقة المدير في العمل رغم خطأه كذب، وربما ينتهي بك الأمر في ذلك اليوم دون عمل أو أصدقاء أو زوجة، إلا أن تلك الأخيرة أجاز الشرع في بعض الأحيان الكذب عليها للخروج من مأزق 'هل أنا جميلة ؟'·
وبحسب أخصائيين فان الكذب عادة سلوكية يكتسبها الفرد ممن حوله، أو يتعلمها من الخبرات السابقة التي يمر بها، فالكذب في مرحلة الطفولة المبكرة لا يشكل خطورة ولكن استمراره وتطوره إلى ما بعد الطفولة المتأخرة يشكل المشكلة الصعبة، حيث يصبح سمة من سمات الإنسان وحيلة دفاعية يلجأ إليها عندما يوضع في مواقف ما ويمارسها تحت شعار 'أنا لا اكذب ولكني أتجمل'·
وتقول الدكتورة عبلة رشدي (مديرة مركز مورغان للاستشارات): 'إن الكذب حيلة يلجأ إليها الأطفال في بادئ الأمر للتهرب من مسؤولية، أو تجنبا للعقاب، أو للحصول على العطف والمحبة من الآخرين، أو طمعا بتحقيق غرض آخر· وقد يميل الطفل إلى الزهو ولفت الأنظار فلا يجد غير الكذب أو تقليد والديه حين يستمع إلى كذبهم، فقد يكذب الأهل أمام أطفالهم على غير شعور منهم فيمتدحون شخصا في حضوره وما أن يغادرهم حتى يذمونه ويظهرون سيئاته فيفهم الطفل من ذلك أن أهله كاذبون'·
وتؤكد ان الطفل يلجأ إلى الكذب في بعض الأحيان لتعويض ما يفتقر إليه أو ما يتخيل أنه يفتقر إليه، فبعض الأطفال يتوهمون أنهم رأوا شيئا أو سمعوا شيئا وهم في الحقيقة قد رأوا ذلك في أحلامهم ولأنهم لا يميزون بين الحلم والواقع نظن نحن الكبار أن في الأمر نوعا من الكذب·
أسلوب حياة
وتضيف: 'عند نجاح حيل الكذب في المراحل الأولى من حياة الفرد قد يتخذ منها أسلوبا للحياة، فنجد كثيرا من البالغين ممن تدفعهم متاعب الحياة أحيانا إلى الكذب ويطلقون على ذلك كذبة بيضاء أو كذبة سوداء، ويظهر هذا خاصة عندما يتقدم هؤلاء الأشخاص للزواج فيقومون بكذبهم الأبيض أو الأسود كما يدعون، وقد يكذبون بخصوص العمر أو المستوى التعليمي أو المستوى المادي أو العائلي وغيرها من حقائق يكون في إخفائها أو الكذب فيها أسوأ التأثير عند وقوع الفأس في الرأس كما يحدث في الحياة اليومية'·
وهناك من الآباء من يتعلق بالمثل العليا مما يجعلهم يتعاملون بقسوة مع أبنائهم ظنا منهم أنه أسلم طريق لمكافحة الكذب، وقد أثبتت نتائج الأبحاث الحديثة أن هذا الأسلوب يؤدي إلى العكس تماما ويؤثر سلبا على نفسية وشخصية الأطفال بل يفتح أعينهم ومداركهم على طرق وحيل الكذب للتخلص من هذا التشدد والذي يكون مبالغا فيه وليس له مبرر في كثير من الأحيان، فالمبالغة من الوالدين في حث الطفل على ضرورة إتباع الصدق وحرصهم الشديد على محاسبته على كل صغيرة وكبيرة في الأمور التافهة والهامة بأسلوب صارم لا تجدي نفعا بل تؤدي إلى رد فعل معاكس·
لذا، تنادي معظم الأبحاث اليوم بتهيئة الطفل للقيام بالرقابة الذاتية وتكوين الرادع الداخلي بدلا من التشدد والعقاب، وقد اتفق الباحثون على ألا يعتبر الكذب عرضا مرضيا إلا إذا تكرر وأصبح عادة وسمة للفرد، هنا يصبح آفة من الآفات التي تصيب المجتمعات والتي يجب التصدي لها بكل الطرق ومن جميع المصادر·
وهذا يعني أن الكذب في مظاهره العادية ليس إلا عرضا ظاهريا يزول بزوال أسبابه المؤدية إليه، وهو يتخذ أشكالا مختلفة تخدم أغراضا مختلفة أيضا، كما أن الكذب عند الأطفال يتأثر بأمرين اثنين هما: طلاقة اللسان، والمهارة في عرض الحجج وخصوبة الخيال·
أنواع الكذب
للكذب أنواع؛ فهناك كذب بريء، وكذب دفاعي، وكذب ادعائي، وكذب انتقامي، كما أن هناك كذب العدوى وهو الذي ينشأ من محاكاة الكذابين الآخرين من الأهل والأقارب ومن بعض أنواع الكذب المنتشرة:
الكذب الادعائي: هذا النوع من الكذب موجه لتعظيم الذات وقد يكون أحيانا بمثابة مظهر للشعور بالنقص، وهو يحدث عندما يبالغ الفرد في وصف تجاربه الخاصة فيجعل من نفسه بطلا ينتزع الإعجاب ومركزا يجذب انتباه من حوله، ويظهر في المبالغة بمراكز الآباء أو المبالغة في المقتنيات وغلاء أثمانها أو حتى بادعاء المرض، ويهدف هذا النوع إلى احداث السرور في نفس السامعين وبذلك يتحقق لدى الفرد إشباع ميله إلى تأكيد الذات وشعوره بالحنان والحاجة إلى الحماية كما أنه يكون قد غطى كثيرا من العيوب·
الكذب الخيالي: وهو الكذب الذي يختلقه الفرد لإبراز ذاته وتنمية شخصيته وقد يكون نتيجة لقفزات خيالية في تصور الفرد كما يحدث للشعراء والقصاصين، وهو يزول تدريجيا مع مراحل النضوج الشخصي فهؤلاء الأفراد الذين يغلب عليهم هذا النوع يظلمون عندما نصفهم بالكذب، ولذا علينا أن نكتشف فيهم هذه القوة الخيالية وأن نوجههم التوجيه الصحيح، فقد ينبغ بعضهم في الشعر أو كتابة القصص أو التمثيل إذا وجدوا التوجيه الصحيح والسليم·
الكذب الأناني: وهو الذي يهدف إلى تحقيق غرض شخص كأن يحصل الطفل على بعض النقود والدافع في هذه الحالة هو عدم توفر الثقة في الكبار وقناعة الطفل من أن مطالبه لا تجد استجابة إن هو سلك لتحقيقها الطريق العادي، وعلاج هذا النوع يتحقق عن طريق توفير الثقة المفقودة بين الصغار والكبار وجعل الطفل يعتقد أن هناك عطفا عليه من الكبار يدفعهم دائما لتحقيق العادل من مطالبه·
الكذب الانتقامي: وهو الذي يحدث نتيجة للانفعالات الحادة التي يتعرض لها الطفل والتي تهز من ثقته فيمن حوله، ويغلب هذا النوع عند الأطفال الذين يشعرون بالغيرة والغبن وعدم المساواة في المعاملة ويتركز علاجه حول بناء الثقة في النفس·
الكذب الوقائي: وهو الذي يظهر عندما يلجأ إليه الطفل خوفا مما يقع عليه من عقوبة وهذا يرجع عادة إلى معاملتنا للأطفال إزاء أخطائهم والتي تكون في أغلب الأحيان خارجة عن الحد المعقول·
الكذب التقليدي: وهو الكذب الذي يلجأ إليه الطفل تقليدا لمن حوله فتتكون لديه خصلة الكذب عن طريق التقليد·
الكذب العنادي: وهو الكذب الذي يحدث نتيجة للارتياح الذي يجده الطفل في تحدي السلطة خصوصا عندما تكون هذه السلطة قليلة الحنو شديدة المراقبة·
أسباب الكذب
ومما سبق نستطيع أن نلخص أهم أسباب لجوء الأفراد إلى حيلة الكذب حتى تصبح سمة من سمات شخصيتهم وهي الأسباب التي قد ترجع إلى مراحل الطفولة للإنسان وهي:
أسباب أسرية: وأهمها اضطراب الحياة الأسرية، التفكك الأسري، التربية الأحادية (أي من طرف واحد في غياب الطرف الآخر)، والتمييز بين الأخوة وتفضيل بعضهم على بعض، وغياب القدوة من الآباء·
أسباب اجتماعية:
وأبرزها غياب المثل والقدوة في مجالات الحياة المختلفة، ووجود ظروف تغري وتشجع الفرد على الكذب، وانتشار نماذج الكذب والفهلوة في وسائل الإعلام المختلفة، وعدم سد احتياجات الفرد الأساسية، وظلم المدرس الذي قد يدفع الطالب للكذب للخلاص من القصاص، والمظاهر الاجتماعية التي على أساسها يتم تقييم الإنسان، وانتشار الوساطة في مجال الأعمال·
أسباب نفسية:
وأهمها عدم الشعور بالأمان والأمن، الشعور بالعدوانية والنقص، والإصابة بالعقد النفسية وغياب الوعي الزمني، وغياب الوازع الداخلي (الضمير)·
العلاج
لعلاج هذه الآفة لابد من التأكد من نوع الدافع للكذب وهذا السلوك، كما يجب أن نميز في ما إذا كان هذا السلوك على سبيل اللعب ورغبة الأطفال في رؤية تأثير كذبهم على المستمعين، ومن المهم جدا التروي في الصاق تهمة الكذاب بالفرد قبل التأكد لئلا يألف اللفظة ويستهين بإطلاقها ففي ذلك ضعف لموقفنا التربوي وقيمة أحكامنا القابلة للنقض منا نحن أنفسنا في برهة وجيزة ومن ثم علينا بالآتي:
؟ أن ننمي ثقة الفرد بنفسه وبمن حوله فالجميع صادقون وهذا يشكل قدوة حسنة فالقدوة تلعب دورا هاما فإذا سمع الطفل من والديه أقوالا وثبت كذبهم أصبح الكذب عنده وسيلة يستخدمها بشكل عادي عند اللزوم وبنفس الطريقة التي استخدمها الوالدان، ومن هنا بات لزاما على الأهل أولا أن يحرصوا على أن يكونوا القدوة حتى في الأحاديث مع الطفل نفسه فإذا وعدنا فعلنا، وإذا قطعنا عهدا صدقنا فيه·
؟ ينبغي أن نجنب الطفل الظروف التي تغري بالكذب وتشجع عليه·
؟ العدل والمساواة بين الأخوة·
؟ تهيئة الأجواء النفسية المريحة في الأسرة لأن الطفل المطمئن لا يكذب، أما الشخص الخائف فيلجأ إلى الكذب كوسيلة للهروب من العقاب·
؟ العمل على إشباع حاجات الطفل الضرورية بالأسلوب الواضح والصريح والتي من شأنها بناء الثقة بالنفس وبمن حوله· ونعمل على توفير أوجه النشاط والهوايات للأطفال مما يعطيهم فرصة للتعبير عن ميولهم ومواهبهم الحقيقية·
؟ تشجيع خيال الأطفال عن طريق القراءة والشعر والقصص وغيرها من ألوان الأدب الخيالي خصوصا في مرحلة المراهقة· ويجب على الآباء مساعدة أبنائهم على الدقة في الملاحظة والدقة في التعبير حتى يكون لديهم الرادع الداخلي·
؟ إذا اعترف الطفل بذنبه فلا داعي لقصاص لأن من اعترف يجب أن يكافأ مع التوجيه شرط ألا يستمر بالوقوع بالكذب·
؟ التشجيع على قول الصدق في جميع الحالات لأن هذا من شأنه تدريب الفرد على تحمل المسؤولية· و لا تمرر الكذب سواء على الأهل أو المدرس لأن في ذلك تشجيع يعطيه الثقة بقدرته على ممارسة الكذب دائما لأن الطفل بمجرد اشعارنا له أننا اكتشفنا كذبه سوف يحجم في المرات التالية عن الكذب·

اقرأ أيضا