الاتحاد

دنيا

متى يكون شعور الطفل بالإحباط مفيداً؟

خورشيد حرفوش (القاهرة)

رغم الانعكاسات السلبية للشعور بالإحباط، فإنه جزء من عملية النمو، ولا يستطيع أي أبوين تجنيب طفلهما الشعور به مطلقاً، فالآباء والأمهات الذين يحاولون إزالة مثل هذا الشعور من حياة أبنائهم، يواجهون الإخفاق، فضلاً عن أنهم يسيئون إليهم لأن الإحساس بالإحباط في أحيان كثيرة خبرة تربوية وتعليمية، لأنه من الطبيعي أن يتوقع الطفل الفشل حتى يسعى إلى النجاح، ولا ينتظر أن يحالفه التوفيق في كل خطوة من المرة الأولى.

أهمية تربوية

يتعرض الطفل للإحباط منذ ولادته لسببين مهمين: الأول لأنه يحاول تجاوز حدود إمكاناته. والثاني لأنه دائماً يحاول تجاوز كل القيود المفروضة ولا يدرك تماماً الأسباب الموضوعية لمثل تلك القيود، لكن كيف يتعامل الآباء والأمهات مع هذه الحالة؟ وكيف يجنبون أطفالهم مشاعر الإحباط الضارة الزائدة عن الحد؟

وتلفت الدكتورة هالة السويفي، استشارية الصحة النفسية بمستشفيات جامعة عين شمس، إلى أهمية تعريض الأطفال لشيء من الإحباط خلال عملية التربية وما تنطوي عليه من تهذيب وتعديل للسلوكات السلبية، حتى لا يشعر الطفل أن كل شيء متاحاً وسهلاً، فالطفل الذي يحاول الإمساك برضاعته، لكنه يخفق أحياناً لأن عضلات يديه لا تسعفه، وينقصها القوة والتناسق، نجده يجهش بالبكاء لشعوره بالإحباط والفشل والعجز، أو ذلك الطفل الذي لم يكمل عامه الثالث يحاول جاهداً ارتداء جوربه بنفسه، ويفشل ويصر على الاعتماد على نفسه، فإنهما يشعران بشيء من الإحباط الإيجابي الذي يدفعهما إلى التعلم وإعادة المحاولة من جديد، مشيرة إلى أنه من الضروري أن يجدا مساعدة وتشجيعاً من الأم حتى يتمكن كل منهما أن ينجز ما يريد بنفسه وفي حدود إمكاناته وطاقته، إلى أن يكتسب الخبرة والمهارة اللازمتين.

متعة الإنجاز

وتقول إن قيام الأم نيابة عن طفلها في أي عمل سيحرمه من متعة الإنجاز والإحساس بالنجاح بعد عدة محاولات فاشلة، فضلاً عن حرمانه من فرص تنمية قدراته وخبراته ومهاراته، وتنمية قدرته على الصبر عند اللزوم، ويدرك أن لكل مهمة وقتها، وأن الصبر والتعلم من أساسيات النجاح، فمن الأفضل أن تترك الأم الطفل يحاول جاهداً أن يرتدي ثيابه، وأن تقدم له يد المساعدة عندما يتطلب الأمر ذلك، بمزيد من التشجيع واللباقة والتحفيز، ومن الأهمية أن تقنعه أنه سيكون بمقدوره إنجاز كل ما لا يستطيع عمله الآن بالصبر والتعلم وإعادة المحاولة وفي الوقت المناسب حتى لا يتسلل إليه الإحساس السلبي بالفشل، موضحة أن الشعور بالإحباط الشديد من شأنه أن يسبب انعدام الثقة بالنفس، وعدم الإحساس بالرضا، واعتياد الفشل وتقبله، ونقص الدافعية، وروح المنافسة، وتولد المشاعر العدوانية.

تحذيرات

وتحذر الآباء والأمهات من شراء لعب الأطفال التي لا تتناسب وعمر الطفل، لأن فشله في التعامل والتفاعل مع لعبته، سيولد لديه مشاعر الإحباط، فإذا كان يجيد لعبة تصفيف وتركيب المكعبات، ويستغرق في اللعب وبناء بيت متعدد الأدوار، ثم ينهار ما يقوم بعمله، فإنه سيغضب ويحبط قليلاً، وسيحاول من جديد، ويكتسب مهارات التعامل مع تلك المكعبات، رغم ما يصيبه من إزعاج في محاولاته الأولى، والإحباط البسيط الذي يعتريه سيحفزه على استكمال ما بدأه حتى ينجز عملاً يفرح به، أما لو كانت اللعبة لا تناسب عمره، فإن ذلك سيحرمه من تلك المتعة والخبرة.

كما تحذر من توجيه اللوم والتوبيخ أو التقليل من قيمة ما ينجزه الطفل، لافتةً إلى ضرورة تشجيعه على البوح والمصارحة بما يعتريه من أفكار أو مشاعر سلبية تسبب له الضيق، ما يتطلب الصبر والتروي والحكمة والتفهم، وتضيف أن هناك حالات من الإحباط يكون سببها المبالغة في نهي الطفل عن القيام بعمل معين، أو تكليفه بواجبات لا يستطيع القيام بها. ويمكن تخفيف آثار ذلك بوضع حدود انضباطية معقولة للتصرف، وهذا لا يعني تساهل الوالدين، فعندما يكون الطفل متعباً، ولا يعرف ما يريد، ويبدأ في الصراخ ليس من الحكمة بقاؤه مستيقظاً، لأنه سيثير المزيد من الإزعاج، وهنا يستدعي أن تذهب به الأم إلى فراشه لينام، أو عندما يبكي الطفل لشراء لعبة شبيهة بلعبة ابن الجيران، رغم أن لديه ألعاباً كثيرة مشابهة، لا يعنى الانصياع لطلبه، وعادة ما يعالج الطفل بنفسه الإحباطات التي يشعر بها في مثل هذه المواقف أمام حزم الوالدين.

سن المدرسة

حول خصوصية سن المدرسة، تقول: لا يجب أن يقتصر دور المدرسة على تعليم الطفل الدروس فقط، وإنما ينبغي أن تكمل دور الأسرة، وتهيئ الطفل لعلاقات وخبرات جديدة، يكتسب فيها معنى النظام، والانضباط، والتكيف وسط مجموعة كبيرة من الأقران، وأنه على قدم المساواة فيما يطلب أو يرغب، وقد يكتشف أنه يتمتع بقدرات معينة أو خاصة تميزه عن أقرانه، كالنبوغ في الرياضيات، أو اللغات، أو في ممارسة هواية ما كالعزف الموسيقي، أو الرسم، وعليه أن يدرك أن هناك كثيرين غيره يتفوقون عنه في مجالات أخرى، ومن ثم يتعين عليه أن يتعلم مقاومة الشعور بالإحباط أو الغيرة، وقد يكون الطفل متمتعاً بنوع معين من العلاقة والتدليل في كنف الأسرة، وينتظر أن يحظى بالاهتمام نفسه في المدرسة، ويكتشف غير ذلك. وتضيف: «هنا يجب أن يتعلم أنه ليس هو الوحيد في الصف كما كان وحيداً في البيت، وأن عليه أن يتقبل ويستوعب وجوده بين مجموعة تتمتع بالحقوق والواجبات نفسها، ما يحتاج إلى فطنة المعلم في التعامل مع مثل هذه المواقف، حتى لا يتسلل الإحباط السلبي إلى نفوس الأطفال».


اقرأ أيضا