الاتحاد

دنيا

الفلامنكو ·· ختام أسطوري لمهرجـــــان الدوحة

الدوحة - خورشيد حرفوش:
في أمسية راقية اختلطت فيها الموسيقى الصاخبة بالإضاءة المبهرة بالألوان والإيقاع العالي لموسيقى الروك والرقصات السريعة المستوحاة من روح 'الغجر' وحياتهم الشاعرية الحرة، قدمت فرقة (كارمن موتا) الاسبانية أجمل عروضها الأسطورية في المسرح الراقص 'فويجو فلامنكو' على مسرح (الدفنة) الشهير بشيراتون الدوحة في اختتام فعاليات مهرجان الدوحة الثقافي الرابع· إجمالا·· كان المشهد تجسيدا حيا وراقيا لعناق الحركة مع الضوء ونشوة الرقص الإيقاعي السريع مع الكبرياء العارم الذي يتجلى في 'الفلامنكو' الذي يعد أحدث العروض تسويقا، وغرابة، وإثارة·
الأمر الملفت للانتباه هنا في هذه الليلة، الإقبال الكبير من قبل أبناء الجاليات الأوروبية، الذين حرصوا منذ وقت مبكر على شراء تذاكر الحفل، وتوافدوا قبل موعد العرض بوقت كاف وتفاعلوا بشكل كبير مع العرض، ورقص الكثير منهم في أماكنهم مع موسيقى 'الفلامنكو' الصاخبة وفي أجواء ساحرة وجميلة· ان هذا المشهد من تحريك الحياة وراء الكتب كنوع من المقاومة وشهوة الخلود ينطبق بشكل شبه كبير على الطريقة التي وجد عليها الرقص الإسباني الشعبي المعروف باستعراضات الفلامنكو، فداخل كل مجتمع توجد مجموعا مهمشة بفعل الفوارق الطبقية المترتبة على صراع الحياة، الصراع من اجل الثروة، ورغبة الإنسان في العيش في حرية، وأمان وتحقيق سلطته الخاصة على التاريخ والمستقبل
ان قارئ التاريخ يكتشف ان الزمن يمضي بعيدا متقدما نحو مساحة جديدة في صناعة الحياة، ويظن الفوقيون الذين يسيطرون على العالم ان كل شيء قد انتهى لكن الواقع سرعان ما يكشف ان وراء كل تهميش وإقصاء، تتحرك أرواح خفية لتحرك الإنسان نحو الإنتاج والإبداع كمفردتين لهما سحر استخلاص علاقة جدلية جادة للكائن مع هذا الوجود· وإذا كان التاريخ دائما ما يضيء جوانبه المظلمة، ويعتم المشرق فيه، فالصورة المتسترة التي تدثر إبداع رقص الفلامنكو' تحمل شهادة تقول بأن التمرد على السلطة والأعراف التي تنتجها بهدف خلودها، كان عاملا جوهريا نتج عنه إبداع تحول من مجرد طقوس لجماعة محشورة في أدنى السلم الاجتماعي، الى طقوس كونية تعكس مشروعا جماليا في ربط الإنسان بمغزى الوجود وفكرة العالم عن الفن· هذه هي فلسفة الفلامنكو باختصار ولكن ما هي قصة نشأة فن الفلامنكو؟
روايتان
هناك روايتان وراء نشأة فن الفلامنكو الأولى تصب في صالح الطبقة الفوقية، وتقول: بأن فن الرقص الاستعراضي الإسباني الفلامنكو نتاج جماعات الفلامنكو التي عاشت في بلاط الملك شارك الأول، وحيث أنتجه راقصون يتميزون بأجسام نحيلة، وقصدوا منه تسلية الملك، والترفيه عنه، لكن الرأي الثاني الذي سجلته دوائر المعارف الغربية، يذهب الى ان المقصود بالفلامنكو هو رقصة الغجر الإسبان الاندلسيين في فترة ما قبل اجتياح فرديناند وايزابيلا للمدن التي كان يسيطر عليها العرب في جنوب إسبانيا، وتمضي الرواية الى ان الشمال الإسباني وبعد نهاية العصر العربي في بلاد الأندلس، قام بنقل الرقصة المتوارثة في الجنوب الى الشمال وسجلها على أنها جزء من إبداع الشمال، أما الإسبان الجنوبيون فيرى البعض منهم ان أصول الفلامنكو ترجع الى بلاد الهند، الا ان المهتمين بفنون هذا النوع من الرقص يشيرون الى ان احد أنواعها في الشمال الإسباني يطلق عليه التانجو يشبه الى حد كبير الأغاني المغربية العربية·
مسميات
للفلامنكو أنواع عديدة ومسميات فهي تسمى في الجنوب الإسباني بـ (فاندانغو) وفي الشمال يطلق عليها (التانجو الفلامنكو) ومن هاتين التسميتين وما بين رؤية سكان الجنوب وما يقول المهتمون هناك نتيجة مفادها ان هذا الفن يمكن ان يمثل تراثا إنسانيا امتزجت فيه حضارتا الشرق والغرب، او انه فن استطاع ان يتجاوز حدود إنتاجه كممثل 'للغجر' المهمشين او السلطة الحاكمة مهما كانت الجذور ليصبح ملكا للجميع، ولا ننسى ان هناك أيضا تأويلات تذهب الى ان اصل كلمة 'فلامنكو' في الأساس هو كلمة عربية محورة عن (بلاغ منك)، وبعد قرون عديدة تداخلت فيها الحقائق بالفوضى والاجتهادات فان رقصة الفلامنكو الاستعراضية اليوم تؤدي بطريقة احترافية وتوظيف للموسيقى الحديثة، حيث يشارك اكثر من 62 فنانا وفنانة من الراقصين الإسبان في شكل لوحات استعراضية مع أنغام الموسيقى التانغو الصاخبة وتعود عروض الفلامنكو بشكلها الأكثر حداثة التي نراها عليه الآن الى زمن قريب جدا الى فرقة (تانغو فلامنكو) التي تكونت من مجموعة من الفنانين المهتمين بالموسيقى التانغو المعاصرة والمزودين بخبرات الموسيقى في بعديها الشعبي والحديث عبر الدراسة الأكاديمية
أحمر وأسود
لقد جاءت فرقة 'كارمن موتا' بألوان قوس قزح السبعة ليمتعوا جمهور الدوحة بأجمل مشاهد الفرح والمرح والانطلاق من لغة الجسد الى لغة الروح، وتضيء نيران فويجو وتسحر الحضور بعوالمها الأسطورية القادمة من بلاد الأندلس حيث الثقافات والحضارات العريقة المختلطة، فلقد امتزجت الموسيقى الشرقية بالغربية في نكهة خاصة، وتحرك الراقصون والراقصات في خفة ورشاقة فائقة وأداء مبهر أخاذ، وفي لوحة بصرية رائعة اختلطت فيها كل ألوان الطيف ويبرز بينها الأحمر والأسود وسط إضاءة اتمست بالتكنيك العالي، والدلالات الجمالية الراقية، وحيث استحضر المؤلف التراث الإسباني بكل مفرداته ولغاته من خلال موسيقى ساراسات الشهيرة ومقطوعات مختارة لـ 'مانويل دوفالا' وأوبرا كارمن والفنان الشهير غويا ولوحته الشهيرة (لاغالنيتا سيغا)، وثم لوحات النساء لجولوي دومورو دوتورس· أما المشهد الأخير فقد جاء إسبانيا خالصا عندما اقتحمت المسرح فجأة فرقة غجرية يقودها عازف الجيتار ومعه راقصون في أداء تمثيلي وكأنهم مجموعة من الغجر تقتحم مجموعة من السائحين في شوارع مدريد وتتحرك الأجساد الراقصة على إيقاع الموسيقى والصوت، وتبدو وكأنها حركة غريزية ذاتية وسط أصوات وإيقاعات الأقدام ووقعها الإيقاعي وفق نظام وانضباط صارم لبلاغة الحركة ورشاقة المعنى·
ومهما كانت الطريقة التي تؤدي بها رقصة الفلامنكو سواء على يد الغجر الإسبان الذين كانوا يتسلون بها ليلا تحت أضواء النيران المشتعلة، ويقاومون به البقاء في معسكراتهم الصاخبة كنوع من الرقص ضمن التميز العرقي، او ان هذا الفن قد جاء من جذور مشرقية من الهند، او كان نتيجة الوجود العربي في الأندلس عابرا معهم في فتوحاتهم لأوروبا، فالواقع الجديد للفلامنكو تلك الأغنية الحمراء التي دخلت حياة الإسبان بوضوح في القرن التاسع عشر لتدعو الى العدل والحرية والمساواة في مجتمع إقطاعي وعسكري، يؤكد أن هذا الفن قد تحول اليوم من فن مهمش على أطراف المدن الى فن عالمي، وتحولت الراقصة ذات التنورة البالية في الأحياء الفقيرة الى فتاة ترتدي تنورة فضفاضة واسعة وأنيقة، وتدق الأرض بكعبيها، وتحرك تنورتها المفرودة على كامل اتساعها، وهي تدور حول نفسها لتحكي عن حياة أخرى كانت هناك·
ما في بالبلد·· إلا ها الولد ·· كوميديا ناقدة تسخر من الواقع
كانت الأنشطة المسرحية العنوان الأبرز لفعاليات الأيام الأربعة الأخيرة لمهرجان الدوحة الثقافي، حيث قدمت فرقة قطر المسرحية مسرحية 'ما في البلد·· إلا ها الولد' ومسرحية 'وردة الحياة'، والمسرحية الغنائية الاستعراضية 'سويرة وبنتها'، إلى جانب مسرحية 'يا هل الشرق' التي قدمت خلال الثلاثة أيام الأولى للمهرجان·
ومسرحية 'ما في البلد·· إلا ها الولد' التي ألفها عبد الرحيم الصديقي وتيسير عبد الله، وأخرجها ناصر عبد الرضا، ويشارك فيها نخبة من الفنانين القطريين والخليجيين، يستمر عرضها على مسرح قطر الوطني لمدة عشرة أيام·
والمسرحية لاقت إقبالاً جماهيرياً جيداً خلال حفل الافتتاح، وتتضمن فصلين، وتؤكد في بنائها الدرامي المسرحي على مساحة الحرية التي تتمتع بها الحركة المسرحية القطرية، وتستثمر هذا المناخ بشكل ايجابي وجريء وشفاف في مطالبتها اعطاء الفرصة لكل قطاعات وشرائح الناس لخدمة الوطن، وتطالب في أحداثها بفتح ملفات حياتية يومية مهمة، تمس حياة الناس بشكل مباشر، مثل مشاكل وقضايا التعليم، والصحة، والبورصة والاستثمار، كذلك قضية التطرف الفكري من خلال تناول الفهم الخاطئ للدين الحنيف، والفهم القاصر للحرية·
والمسرحية أيضاً تتضمن رصداً واسعاً لظواهر عديدة في المجتمع القطري والخليجي بل والعربي أيضاً من خلال تناول قصة موظف حكومي يؤدي أكثر من عمل أو مهمة في وقت واحد مما يصعب عليه الايفاء بكل المسؤوليات التي تثقل كاهله، فيلجأ إلى طريقة مبتكرة لتغطية تلك المهام والمسؤوليات، وتحدث المفارقات، والمفاجآت، والأحداث الساخرة، وتضع المشاهد أمام تساؤلات عديدة في مقدمتها
'ما في ها البلد ·· إلا ها الولد؟'·
والمسرحية التي تأخر عرضها أكثر من خمس سنوات، كوميدية انتقادية ساخرة، تستلهم مفرداتها من المستجدات والأحداث اليومية الراهنة على الساحة المحلية والإقليمية العربية، وحظيت بدعم من قبل المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في إطار دعمه وتشجيعه للفرق الأهلية مما يدفع الحركة المسرحية القطرية إلى الأمام·
عصر الحريات
المؤلف تيسير عبد الله، سعيد لمشاركته الثانية في مهرجانات الدوحة بعد تجربة الأولى 'هوامير الأسهم'، وبمشاركته المؤلف عبد الرحيم الصديقي، ويقول ان المسرحية تتناول قضايا اجتماعية واقعية، وتتناولها في إطار كوميدي ساخر وهادف وجريء، مما يؤكد مواكبة عصر الحرية والانفتاح والنقد الايجابي، وأتمنى ان يحظى العمل بقبول جيد لدى جمهور المسرح القطري والخليجي والعربي·
فأجواء الحرية يعشقها كل فنان، ويتوق إليها كل كاتب وكل مبدع، وهذا النص 'ما في ها البلد ·· إلا ها الولد' تكريس حقيقي للحرية التي نعيشها، بل هو تأكيد لا يقبل الشك أن الرقيب هو ضمير الكاتب، وليس هناك شيء آخر·
أما المخرج ناصر عبد الرضا فيقول، إن الرسالة الجريئة التي يحملها النص، أحاول أن أصلها للمتفرج من خلال طرح ناقد وكوميدي، ساخر وبسيط للغاية، وفي إطار مفردات وعناصر فنية أتمنى أن تكون متناغمة ومتجانسة مع النص، ومع مجموعة الفنانين القادرين على ترجمة العمل بالشكل الذي يرضي الجمهور ويحظى بثقته واقباله ان شاء الله·
هذا ويشارك في العمل الممثلون ناصر محمد وأحمد جوهر وناصر المومن وهيا الشعيبي وعايدة يوسف وأمية الصايغ ورنا أبوغالي وآخرون·
العمل المسرحي الثاني 'وردة الحياة' عمل يستهدف الأطفال للكاتب القطري سعود علي الشمري، وإخراج صفوت الغشم وبطولة كل من خالد بن حسين وأمل حويجة ووليد القايد وسعد الكواري وسلمان المري وشيخة محمد إلى جانب فرقة استعراضية من الأطفال، عمل مسرحي استعراضي غنائي وتم الاستعانة بالموروث الشعبي في اقتباس مفرداته، وتتميز بمعالجة درامية جريئة وجادة من خلال التعامل مع الأسطورة وربطها بالواقع الذي يعيشه الناس· في دراما مسرحية تقع أحداثها في بلدة طيبة، حيث يخلص البلدة سعيد الحطاب من الخطر المتمثل في بناء سد يحجب ماء النهر عن الأهالي، وكان 'شريده والنجار' سبب معاناة البلدة، وفي مقابل أن يخلص سعيد البلدة يوافق شريدة على السفر إلى الأرض المفقودة ليحضر له 'وردة الحياة' مقابل عودة النهر إلى الأهالي، ويكتشف سعيد أثناء رحلته بأن الوردة إذا ما استخدمت للشرر فإنها ستجعل شريدة يسيطر على العالم، وعند عودة سعيد يرفض إعطاء الوردة لشريدة ويطالب الأهالي من سعيد أن يقف معهم ويساعدهم بالوردة، لكنه يرفض، وتتفق الجدة مع سعيد على أن يمنح سعيد الأهالي الوردة، ويقوم الأهالي بشم الوردة، وعندها يشعرون بأنهم أصبحوا أقوياء، وأن الوردة هي السبب، ويهاجمون شريدة ومسعود والحراس الذين يحرسون السد وينتصرون عليهم، ومن ثم يعرفون بأن القوة لم تكن بالوردة، وإنما في توحدهم وتعاونهم ووقوفهم صفاً واحداً أمام الأعداء·
سويرة وبنتها
في مسرحية 'سويرة وبنتها' التي يقدمها المسرح القطري للأطفال، يقتحم المخرج حمد الرميحي مسرح الطفل بعد أن عرفه الجمهور بأعماله التجريبية المتميزة التي شارك بها في أكثر من مهرجان في عدة عواصم عربية، وحصد من ورائها جوائز عديدة·
وفي المسرحية يستوحي الرميحي القصة من حكاية تراثية، كانت الجدة تحكيها للأحفاد في قالب أو إطار 'لغز'، لتعريفهم بالجيران من حولهم، لتعزيز قيمة الصدق في حياة الإنسان، ومن هنا ينبع مغزى الحكاية المسرحية التي يؤدي أدوارها الفنانون سعد بخيت ومحمد أنور وفرج سعد ولمياء طارق وريم عبرون، وتشارك في العمل فرقة استعراضية سورية من خلال عدة لوحات فنية واستعراضية رائعة إلى جانب عدد من الأغاني للملحن ناصر الحمادي·
ويقول المخرج حمد الرميحي الذي كتب النص المسرحي أيضا بالاشتراك مع الفنان هشام يانسي: 'إنها التجربة الأولى لي في مجال مسرح الطفل، وأحاول من خلالها تحقيق حلم ظل يراودني طويلاً لتطوير مسرح الطفل، والعمل يتضمن أبعاداً إنسانية عديدة، ولقد حاولت ان أمزج بين التراث الشعبي الخليجي والعربي واستوحي منه قيم العمل الفني وتقديمه وتوصيله للمشاهد في اطار مثير ومشوق وجذاب للأطفال والكبار بعيداً عن الاستنساخ الذي نراه في الأعمال الكرتونية، وفي قالب جمالي خاص أساسه التكوين المسرحي، حتى أن الأغاني والاستعراضات الفردية أو الجماعية وأداء الممثلين والرقصات تأتي في لوحات جميلة ومتناسقة تختلط فيه الألحان والألوان والكلمات وكأنها في جو حقيقي من ألف ليلة وليلة'·
والمسرحية تبدأ بتقديم 'لغز' من قبل الجدة أو 'الأم' لأولادها قبل النوم، ويمثل هذا اللغز اختبارا لمعرفتهم بجيرانهم في الأحياء القريبة وهي إشارة إلى أهمية الترابط الاجتماعي بين الناس في الأحياء والمناطق القطرية والخليجية، ومن خلال طرح لغز سويرة وبناتها، يرد الأطفال: 'عرفنا من تحتها، فترد الجدة تحتها ولدين وبنتين، فيرد الأطفال بيت فلاني الفلاني، فإذا كانت الإجابة صحيحة، تعاود الجدة طرح اللغز عن بيت آخر، وإذا كانت الإجابة خاطئة تعطيهم فكرة عن البيت المقصود بعد مهلة من التفكير، وبالتالي يتعرف الأطفال على جميع العوائل الموجودة حولهم·

اقرأ أيضا