الاتحاد

دنيا

أيهم عبد السلام·· يسهر ليلياً في حضرة السُكَّرْ!

حوار وتصوير ـ محمد الحلواجي:مثل رسام يجلس في سهرة السُكَّر، يتفرغ أيهم عبد السلام كل ليلة بعد وقوف نهار كامل في محل لا يهدأ من الأرجل الساعية نحو هدايا المناسبات السعيدة للأصحاب والأحباب ليتفنن بهندسة الحلويات والشوكولاتة والمكسرات الملبسَّة بزهو الألوان والطعم والرائحة، يتخيل في رأسه صورة لمجسم مبنى يرتقي شيئا بطوابقه العابقة بما لذّ وطاب، يكسوه بالحرير والأزهار والكريستال والإكسسوارات الجميلة الناعمة حتى إذا انتهى من عمله وأعجبته تحفته، وضع عليها لمسته الأخيرة ليذهب إلى النوم وهو يحلم بفرحة الهدية التالية وما يمكن أن تقترحه عليه الأعياد الصغيرة والكبيرة التي يصافح ابتسامات وجوه أصحابها في قاسمية الشارقة كل يوم·
ولأن مثل هذه الحرفة الفنية كانت مقتصرة ولزمن طويل على الفتيات لما عرفن به من حب وصبر وتأنق في الأشغال اليدوية، فقد أثار أيهم فضولنا لنتعرف على البواعث والأسباب التي دفعته لامتهان هذه المهنة، كيف بدأت معه هذه الحكاية؟ وما هي تعليقات الشباب من الأصدقاء والزبائن على حرفته؟ وكيف ينظر الجنس اللطيف إلى عمله؟ وما هي طموحاته التالية؟ كل هذه الأسئلة بحثناها معه في الفسحة التالية:
يقول أيهم عبد السلام عن نقطة انطلاقه إلى هذا العالم: 'منذ أن كنت طفلا صغيرا كنت أعشق الفن بشكل عام والأشغال اليدوية بصورة خاصة، فكنت أحب أن أتذوق اللوحات عبر النظر إلى تناسق الألوان· كنت أقوم في المنزل بتطبيق ما تتعلمه أخواتي من دروس وأفكار للأشغال اليدوية، كما كنت أتتبع برامج التلفزيون الخاصة بالأعمال والفنون اليدوية كالطرق على النحاس والحرق على الخشب، أضف إلى ذلك أن بيئتنا وتراثنا السوري زاخر بالمشغولات اليدوية والموزاييك، كل هذه كانت مؤثرات قوية أوصلتني إلى ما أنا عليه اليوم'·
هدوء ومزاج رائق
أما عن بداية عمله الحقيقية مع تزيين الحلويات فيقول أيهم: 'بدأت بتنفيذ فكرة بسيطة عندما أحضرت ذات مرة جرّة صغيرة من الفخار وقطع من قماش خاص قمت بتشكيله على هيئة أزهار و'فيونكات' ولونته بالألوان المائية ثم أحضرت القليل من الجص الأبيض فبدأت بتغليف الجرّة بالقماش وقمت بتثبيته عن طريق اضافة الجص فتشكلت لدي تحفة بسيطة وجميلة وجاهزة لاضافة الحلويات وتنسيقها فيها· وعن طريقته ومراحل تصميم قطعه الفنية وهداياه يقول أيهم: قبل الشروع في أي قطعة أقوم بتخيل شكلها وصورتها في عقلي ثم أقوم بإحضار العناصر الأساسية قبل الشروع في العمل مثل تجهيز القاعدة· ثم أقوم بتنفيذ ما تخيلته خطوة بخطوة حتى يكتمل، وفي أحيان كثيرة لا أقتنع بشكل الهدية فأقوم بتفكيكها وإعادة تنفيذها بطريقة أخرى· فهذا العمل يحتاج إلى مزاج رائق وهدوء نفسي تام لكي تقوم بالعمل على الوجه المطلوب· وفي أحيان كثيرة أستقي الأفكار الأولية للتصميم من الأشخاص الذين يطلبون تنفيذ هداياهم بطريقة معينة تكون جميلة جدا، فآخذ الفكرة الأولية وأضيف عليها وأكملها بأسلوبي وخبرتي'·
أرقام قياسية حلوة
أما عن أبرز ما قام به من أعمال في مجال تصميم الهدايا فيتذكر أيهم: 'لقد قمت بتنفيذ أعمال وتصاميم ضخمة، ففي إحدى المرات نفذت تصميما لكوشة عرس كبيرة لصالح أحد المواطنين في رأس الخيمة، فزينت الكوشة بكمية هائلة من الحلويات بلغت 100 كيلوجرام، وكانت هذه حركة غريبة، حيث أن الكوشة لا تزين عادة بالحلويات حيث درج الناس على تزيينها بالورود الطبيعية فقط، لذلك كانت تلك تجربة مميزة حيث قمت بكتابة عبارة 'ألف مبروك·· ومبروك الزواج' على الغلاف الخارجي لكل قطعة من الشوكولا في تلك الكوشة، وقد استغرق تنفيذ الكوشة أسبوعا كاملا من العمل المتواصل مع استعانتي بمساعدين، وقد تطلب العمل وجود تكييف دائم للمكان حتى لا تسيح الحلويات، كما نفذت عملا ضخما أيضا لمواطنة رزقت بمولود وكانت فرحتها كبيرة به فطلبت مني عملاً مميزاً فصممت لها هرما من عشر طبقات من الحلويات على قواعد من 'البوليسترين'··بحيث تكون القاعدة السفلية التي تدور على محور هي الأكبر وتكون الطبقة التي تعلوها أصغر وهكذا، وفي كل طابق وضعت نوعا مختلفا من الزينة، وقد وضعت ملابس المولود في الطابق الأول، وأضفت في الطوابق الأخرى أشياء مختلفة كمجسمات لدمى ولعب الأطفال وإكسسوارات أخرى كثيرة اضافة إلى السكاكر وكتابة العبارات التي تحوي اسم المولود وتفاصيل أخرى· وقد بلغ اجمالي ارتفاع العمل تسعة أمتار، ومثل هذه الأعمال الضخمة لا نقوم بعملها في المحل بطبيعة الحال لصعوبة نقلها، وإنما نقوم بتصميمها وتنفيذها مباشرة في منزل صاحب الاحتفال أو المناسبة، وبالطبع تكون مثل هذه الأعمال مكلفة، ولذلك نقوم بإضافة سعرها إلى كلفة الحلويات، وعادة ما يكون لكل هدية سعر مختلف تبعا لحجم ووزن ونوع الحلويات'·
العين تأكل قبل الفم!
وعندما سألنا أيهم عن إمكانية منافسته للشركات الكبيرة في هذا المجال ومدى اختلاف ما ينتجه من تصاميم عن تلك المحال الكبرى، أكد أيهم: 'الفرق الوحيد بيننا وبين تلك الشركات هو الاسم الكبير في السوق إلى جانب امكانياتهم المادية الكبيرة لجلب وتأمين تشكيلات واسعة من الحلويات بسرعة، وفي بعض الأحيان يأتي إلي بعض الزبائن لإصلاح عيوب لحقت بهدايا اشتروها من هذه الشركات، فأفاجأ عند السؤال بأسعارها الخيالية قياسا بأسعارنا المعقولة جدا، فنحن نقوم بتنفيذ نفس العمل وبحلويات بذات الجودة وذات النوع ولكن بتكلفة تقل عن أسعار هذه الشركات بسبة 70 إلى 80 في المئة، وعلى أية حال أقوم باصلاح الهدية بشكل أفضل وأجمل مما كانت عليه متألما لخسارة هذا الزبون المخدوع بالأسماء الكبيرة التي لا تتوانى عن استغلال طيبة الناس، أو رغبتهم في تقديم شيء مميز لمن يحبون'·
ومن ناحية أخرى نقول لأيهم أن الناس في الماضي كانت تشتري الحلويات وتتبادلها كهدايا وينتهي كل شيء عند هذا الحد، أما اليوم فقد أصبح تزيين الحلويات فنا وتصميم أوانيها وحاويتها فنا آخر فأصبحت العملية ترفا مبالغا فيه، فيجيب أيهم: 'هذا أمر مؤكد، وهناك مثل يقول 'العين تأكل قبل الفم' وفي يومنا وعصرنا هذا أصبح الناس يهتمون بصورة عامة بشكل أكبر بمظهرهم الخارجي، فالاهتمام بالجمال بأدق تفاصيله يعبر عن حالة اجتماعية عامة'·
رد فعل النواعم
أما عن رد فعل بنات حواء تجاه مهنته فيقول أيهم: 'أغلبهن يشجعنني ويحييّن فيّ إجادتي لعملي وصبري على العمل المدة تتجاوز أحيانا الأربع أو خمس ساعات لتصميم وتنفيذ هدية صغيرة فما بالنا بالأحجام الكبيرة، كما أن بعض الفتيات يطلبن أن أقوم بتعليمهن بعض التقنيات السريعة والبسيطة في التزيين· وعن مصدر المواد والاكسسورات التي يستخدمها أيهم في تصميماته يقول: هناك تجار ومتعهدون كثيرون يقومون باستيراد مثل هذه الخامات إلى دولة الإمارات·· ونظرا لاهتمام الناس منذ القدم بهذا المجال في بلاد الشام فإننا نقوم أيضا بجلب الكثير من المواد الأولية من الشام'·
وأخيرا يقول أيهم إن كل قطعة وكل هدية يصممها وينفذها بالحلويات تعتبر عملا فنيا بحدّ ذاته، ولذلك فالقطعة التي تعجبني ولا أرغب بمغادرتها للمحل، أقوم بمضاعفة سعرها حتى لا يشتريها الزبون عندما يستكثر سعرها، فبعض الهدايا لا تكلفني كثيرا من الناحية المادية ولكنها تستنزف مني جهدا ووقتا كبيرا وهذا ما لا يعرفه أكثر الزبائن· وأنا أدعو الناس إلى الوثوق في المنتجات العربية التي تتجه لها حتى الشركات الكبرى اليوم فتستخدمها ثم تدعي في السوق أن منتجاتها بلجيكية أو سويسرية في حين أنها تسوق حلويات عربية قادمة من سوريا ولبنان وهما البلدان اللذان ينافسان اليوم المنتج الأجنبي في الحلويات إن لم يتفوقا عليه، في فرادة الطعم والمذاق القادم من مكونات طبيعية ومضمونة·

اقرأ أيضا