الاتحاد

دنيا

إم في دولوس مكتبة عائمة تجوب البحار


هالة دروج:
ربما لا يجد المثقفون ما يربط بين الكتب و البصل، رغم أن كلا منهما له منفعة من نوع ما، وقد لا يخطر على بالهم أن يجتمع الاثنان معاً حتى ولو على صعيد حمولات الشحن، لكن هذا حدث بالصدفة مع السفينة (إم في دولوس) التي تجوب البحار لنشر الثقافة مجاناً في مدن العالم، وتبيع الكتب لمن يريدها بأرخص الأسعار وأحيانا بلا مقابل لمن يرغبون في اقتنائها ولا تسمح لهم ظروفهم المادية بالحصول عليها· فهذه السفينة كانت مهمتها الأولى شحن حمولات البصل من نيويورك الى تكساس قبل ما يزيد على تسعين عاما· لكنها تحولت الى الكتب منذ العام 1977 ومن يومها استقبلت السفينة أكثر من 17 مليون زائر· (إم في دولوس) هي أكبر سفينة ناقلة للركاب ما تزال تجوب بحار الأرض حتى الآن، كما تحولت السفينة إلى أكبر مكتبة عائمة في العالم أيضا، وتعود ملكيتها حاليا الى جمعية خيرية ألمانية تطلق على نفسها اسم 'كتب جيدة للجميع'· ولهذه الجمعية مهمة أساسية تتمثل في تقديم الأعمال الأدبية بأسعار زهيدة في موانئ العالم التي لا تتوفر فيها الكتب بشكل جيد· إضافة الى ذلك يساهم طاقم السفينة في جملة من الأعمال الخيرية أيضا·
بعد توقف استمر لأكثر من أسبوعين غادرت السفينة مؤخرا لبنان، البلد المائة في قائمة الدول التي زارتها، لتتابع رحلتها وزياراتها لدول أخرى من بينها مصر والأردن·تتضمن قائمة الكتب المتوفرة على متن السفينة ما يزيد على 7 آلاف عنوان تتراوح بين الكتب الدينية، والأعمال الأدبية الكلاسيكية، وكتب الطبخ، ومراجع لتعلم اللغات بالاضافة الى جملة متنوعة من كتب الأطفال· وتكون معظم الكتب تقريبا باللغة الانجليزية، باستثناء القليل من الكتب الفرنسية والعربية·
يتكون طاقم دولوس من 300 فرد كلهم من المتطوعين المتدفقين من أكثر من 40 دولة· يقول دانييل تشاي المسؤول عن السفينة: 'نريد أن نعكس حبنا لله من خلال حياتنا اليومية وأعمالنا الخيرية· لذلك نجوب العالم لنقدم للشعوب المعرفة والمساعدة والأمل'· يتلقى أفراد الطاقم الدعم من الجمعيات الخيرية في بلادهم، ويتابعون خدمتهم على متن السفينة لمدة عامين يمكن تجديدهما الى ما لا نهاية· ويلاحظ بعضهم أن هذه التجربة تحدث تغييرا جذريا في حياتهم· يقول ديدييه أستورجا الذي انضم الى دولوس بعد عشرة أعوام من الخدمة في البحرية الفرنسية: 'الفترة التي قضيتها على متن السفينة فتحت عيني على الحاجات الحقيقية للعالم· والآن لا أريد العودة الى باريس لمجرد الاستمتاع بحياتي· فقد أدركت أن جمع المال ليس هو الهدف الوحيد في الحياة· نحن بحاجة لنعطي فالحياة هي العطاء'·
لكن بعض المتطوعين على متن السفينة يرون أنهم يحصلون على مقابل لعطائهم· جاري بارتوب من سان دييغو هو المسؤول عن صيانة الكهرباء في السفينة، وهو الأكبر سنا في الطاقم· يرى جاري أن الحياة على متن دولوس هي الأفضل بالنسبة الى عازب كبير السن مثله· فهو يقوم بعمله ككهربائي، لكنه بالمقابل يحظى بصحبة الكثيرين وبرعاية لا يمكن أن تتوفر له في منزله إذ أن هناك من يهتم بإعداد الطعام له وبتنظيف غرفته وغسل ملابسه· ويشعر الطاقم بكثير من السعادة لإقبال سكان الموانئ التي يتوقفون عندها على زيارة السفينة· فعندما توقفوا في نيجيريا كانوا يوميا يستقبلون ما يزيد على 8 آلاف زائر يضطر بعضهم للانتظار لساعات طويلة في الطوابير لتتسنى لهم فرصة الاطلاع على الكتب المتوفرة فيها· يقول أحد المتطوعين: 'أشعر بالرضى والسعادة عندما أرى تعطش الشعوب للقراءة والكتب والأدب· شاهدت بعض الناس الذي تأثروا لدرجة البكاء عند عثورهم على كتب معينة كانوا يبحثون عنها'·
إضافة الى بيع الكتب الى سكان الموانئ وبأسعار رخيصة تقدم السفينة عروضا خاصة للمدارس والمكتبات العامة· كما تتبرع بالكتب لمن هم بحاجة اليها لكن ضيق الحال يجعلهم عاجزين عن اقتنائها·ويؤكد المسؤولون أن تحليل البيانات المتعلقة بمبيعاتها تشير الى زيادة في الاقبال على شراء الكتب في المدن التي زارتها السفينة·
ويشير هؤلاء الى الدور الذي تلعبه دولوس في تشجيع الشعوب، بالاضافة الى أفراد الطاقم أنفسهم، على المطالعة· ويؤكد أحد المتبرعين أنه خلال حياته كلها لم يقرأ أكثر من كتابين لكن خلال فترة خدمته على متن دولوس زاد عدد الكتب التي طالعها عن 184 كتابا·
وتمتد مهمة دولوس لتوسيع نطاق الخدمات الى خارج نطاق السفينة نفسها إذ يخصص يوم معين من كل أسبوع يعرف بيوم الاستكشاف للنشاطات الخيرية التي تتراوح بين مباريات كرة القدم التي يقدم ريعها للأطفال الفقراء وتأمين الخدمات في مخيمات اللاجئين·

اقرأ أيضا