الاتحاد

ثقافة

من يسبق الآخر الصورة أم النص؟.. السيناريو مصنع تصفية الخيال

الاشتباك البصري وخلق الحالة الشعرية (الصور من المصدر)

الاشتباك البصري وخلق الحالة الشعرية (الصور من المصدر)

إبراهيم الملا (الشارقة)

تتمتّع الصورة الشعرية بنزوح طبيعي نحو التأنّي في استجلاب واستيلاد المعاني والصور والتراكيب اللفظية، كذلك فإن النص النثري أو الأدبي هو نتاج مختبر ذهني وعاطفي يتطلّب الانزواء والعزلة ولو في نطاق افتراضي، عزلة تتيح فضاءً حميمياً لنضج التجربة الإبداعية واختمارها.
وبمقارنتها مع الكتابة النوعية (شعراً ونثراً وسرداً) فإن الصورة التلفزيونية أو السينمائية تعمل في مجال حركة وتسارع، بما يمكن أن نسمّيه: (هوس ملاحقة اللقطات)، حيث تعتمد الصورة هنا على تقنيات القطع والمونتاج، وتغيير زوايا التصوير والتنويع بين المشاهد البعيدة والقريبة والعامة، كل ذلك يؤدي إلى نوع من البتر والتقاطع والتداخل والتشكيلات البصرية التي تعرض دفعة واحدة وفي شريط متواصل أمام المتفرّج المحايد في تلقّيه، والمستسلم طواعية لكل ما يحدث أمامه.
ومن هنا ينشأ هذا التعارض اللااختياري أو الجبري بين المنتج الشعري ـ على سبيل المثال ـ والمتمثّل في الكتابة الاستبطانية (الجوّانية)، وبين المنتج البصري المتمثّل في الصورة المتدفقة والمتحركة على شاشة العرض.
تكمن صعوبة الجمع بين هذين المُنتجين في حساسية السؤال الإشكالي التالي: من يسبق الآخر؟ الصورة أم النص؟
هذا الإشكال يلاحق كتّاب السيناريو عموما، والشعراء خصوصا، لأن كتابة أي نص شعري أو سردي يتطلب تفاصيل وحمولات تخاطب الدواخل وتلجأ للوصف الباطني وللنمط الانفعالي، بينما هيكلية السيناريو تتطلب شروطاً صارمة وجازمة تضع المشهد في إطار زماني ومكاني محكم دون زوائد لغوية وتعبيرية تفيض عن حاجة هذا المشهد.
يخلو السيناريو التلفزيوني أو السينمائي والدرامي عموماً من الصور الداخلية والمعاني الذاتية، لأن الصورة وحدها تتكفّل بتصدير هذه المشاعر المتوارية إلى المتفرّج، رغم صعوبة ترجمتها إلى كادر بصري قادر على الاشتباك مع الفيض الروحاني والتجليّات الوجدانية، فالسيناريو في النهاية هو مصنع تصفية الخيال ـ إذا صحّ الوصف ـ وهو قائم في الأساس على ترجمة الحركة إلى إيحاء، واللجوء للظاهر عوضاً عن الباطن، واعتماد مؤثرات سمعية وبصرية تستجلب المعاني الخافية من خلال الموسيقا واللعب على درجات اللون ونوع الإضاءة وحركة الكاميرا واستخدام التقنيات والخدع البصرية، ثم يأتي الحوار الداخلي (المونولوج) أو الخارجي (الديالوج) ليدعم ويعزز ويمرّر أي تأويل محتمل للمشهد.
يحيّد السيناريو الخيال لأنه يتعامل مع أدوات (الكاميرا، أجهزة الإضاءة والصوت والمونتاج وغيرها) وكتابة مشهد تعنى كتابة حالة استاتيكية، لا حالة عاطفية، وهي كتابة تُعنى بخارج واضح، لا بداخل غامض يتضمن هاجساً وهوى واستبطاناً.
هذا الإشكال وهذا اللبس والتضاد يدفع بعض كتاب السيناريو إلى إيجاد حلول وسط مع المخرج، وخصوصاً فيما يتعلق بالأفلام الوثائقية ذات البعد الشعري أو الأدبي الملامس لمناخات نوستالجية وذاكرات شخصية وإحالات تراثية، حيث يحاول بعض الكتاب الابتعاد عن الثيمات الفلكلورية المكررة والتقليدية واللجوء للتعليق الشعري عند الحاجة لترجمة الانفعالات الحسيّة واستنطاق دواخل الشخصية ـ محلّ الرصد والتوثيق في الفيلم ـ ويمكن لكاتب السيناريو أيضا اقتراح الموسيقا المناسبة والمعبّرة كفواصل واستراحات بعد كل معاينة مكثّفة لتلك الشخصية ولتاريخها الفردي وتحولاتها وظروفها المحيطة، والعودة لمحطات واستعادات تتميز بها الأفلام الوثائقية تحديداً، لذلك فالخيالات الشعرية في هذا النوع من الأفلام تكون مبثوثة أحياناً داخل الصورة الموظفة جيداً، دون الاتكاء أو الارتكاز على نص مكتوب، قد يأتي النصّ أحيانا كتعزيز للصورة في حالة افتقار الصورة لحمولات شعرية عالية، تقع خلف الكادر وتتشكل وسط تماهيات وتداعيات لا ترصدها عين الكاميرا، بل تنساب بخفّة وطواعية إلى قلب المتفرج وتخاطب حواسّه المنتشية بالحنين.
إنها أشياء يضعها الشعر خارج الدلالات الموضوعية، لأنه يعاملها كذوات تختزن حياتها السرّية، وتنغلق على مجاهيل شاسعة، وبوح هائل وعميق، كذلك فإن التماهي بين الشعر والصورة قادر على بعث الحياة في الأمكنة لتكون ـ والحالة هذه ـ لساناً ناطقاً عن الوجع والهجران وعن فراديس الطفولة الذائبة في الزمن. يمكن للعاطفة المتقّدة للشاعر من خلال كتابته للسيناريو أن تنتقل كعدوى جمالية إلى المخرج وحامل الكاميرا والقائم على المونتاج والمكساج، فيما يشبه عملية تداخل مثيرة للرؤى والأخيلة والاتنتباهات غير المتوقعة لقيمة الصورة وطاقتها وتأثيرها، ومن هنا فإن الجدل المستمر بين النص والصورة هو جدل خلاّق دون شك، وهو جدل مستمر وفاعل ولا حدود له، كما لا يمكن تفسيره على هوى أحادي ومجتزأ، إننا نظلم الصورة عندما نجمّدها داخل إطار التفسير الخانق للشكل الوثائقي أو التاريخي أو المعلوماتي فقط.
تتناسل الصورة وتتجدّد وتتنفس بالشعر، وخلاف ذلك فإن الصورة ستبقى مصابة بعطب التكرار والمراوحة وتوسيع الفجوة بين المتلقّي وبين المُنتج البصري، لأن المعالجات الفنية المعاصرة تتطلب أن يُطرح هذا المنتج بلغة مغايرة، وهاجس عميق، عمق التراث ذاته والقابل للتجدد في حداثة الصورة، كما يمكن تماما لحداثة الصورة أن تغرف من كنز التراث اللامتناهي، فنحن كما يقول الروائي ميلان كونديرا: «بقدر ما نغوص في المستقبل، بقدر ما يتعاظم لدينا الوعي بالتراث».

اقرأ أيضا

«الفضاء السحيق» يرحل إلى حافة الكون وبداية الزمان