الاتحاد

ليس راعياً للكندورة البيضاء

إذا بحثنا بضمائرنا بين أبنائنا وإخواننا سنجد موظفين وموظفات بالرغم من أنهم في منأى عن محط الأنظار ومنصات شهادات التقدير، إلا أنهم وبحق قدوة ومفخرة وطنية لنا· وما اذكره هنا هو عينة بسيطة من موظفين وموظفات هم خلف كواليس المؤسسات الوطنية:
- فنانة موهوبة، تملك من مقاييس الفن والإبداع ما يؤهلها للمنافسة في مضمار الفن التشكيلي لتحوز المراكز الأولى، إلا أنها آثرت أن تلون في كراسات طلابها وان تضيء شموسا في دفاترهم لترى تلك الابتسامات الملائكية، على عالم التجارة بالفن· هذا العالم الذي أصبح في الآونة الأخيرة مغريا لمحبي الشهرة والمال، ليصبح المبدأ السائد فيه ''ارسم ما يرغب فيه الآخرون، لا أن ترسم ما تحب!'' (وما كثر الواحات الشخصية للابتسامات المصطنعة!)
- شاب في مقتبل العمر، خير بين العمل المكتبي والعمل في الميدان، فآثر أن يعفر قدميه في تراب والوطن وان تتسخ ملابسه البيضاء الناصعة بغبار طرقات البحث والعمل الشاق· ليثبت للذين يظنون أن المواطن ''راعي الكندورة البيضا'' لا يقبل إلا بالعمل بين المكاتب وركوب السيارات الفارهة، أننا كنا وما نزال نرى أبناءنا يقاتلون من اجل لقمة العيش، أينما كانت وكيفما كانت، ويقطعون آلاف الكيلومترات بحثا عن فرص أفضل·
- في الساعة السادسة تصحب أبناءها إلى الحضانة بالرغم من أن النعاس لم يفارق جفونهم بعد، وبالرغم من أنات الاعتراض والرغبة الملحة في إكمال الحلم، لتبدأ يومها المهني من السابعة حتى الثالثة والنصف وربما أكثر· لتعود الى البيت فتجد لتعد الطعام وتتابع واجبات الأبناء الدراسية، لتعود في اليوم الآخر لنقطة البداية، التي أصبحت نهايتها تناقضاً واضحاً ودوامة مؤلمة بين مهمة تربية الأجيال وتطوير المجتمع، لتجد هذه الموظفة نفسها في صراع داخلي مع أمومتها، وخارجي مع طموحها الوظيفي وأمامها شعار: (واعملي كأن لا حياة لكِ وأنجبي لنا أولادا وكأن لا عمل لديكِ)·
- لم يمنعه اسمه المتواضع ولا أصله العادي على أن يطمح ويحلم بغير العادي· فقاتل من أجل شهادة وحارب من اجل أخرى وحاز الماجستير ومن ثم الدكتوراه، ليبحث بعدها عن مجال آخر يثري حياته فيبحث من جديد عن شهادة ماجستير أخرى يضيفها إلى سلسلة طموحاته التي لا تنتهي في سعيه الدؤوب ليصل إلى ما يستحقه، بشهادته وعلمه وليس باسمه (وما تزال محاولاته مستمرة حتى الآن!)
- موظفة عادية في منصب عادي تقوم بغير العادي· هي متفائلة ومبدعة ولا تسعى للتميز وإنما تحوزه بجدارة· تعمل لأنها تحب عملها وتكره الضوضاء فتعمل في سكون· لا يهمها أزيز الميكرفون أو سفر لبلاد نابليون· قد لا تكاد تلاحظ وجودها إن حضرت ولكن إن غابت ففراغ وجودها لا يمكنك إلا أن تشعر به·
حين نادوا بتقييم الأداء لم تبحث عن حوافزه، فالحافز كان وما يزال في داخلها· فقد أحبت عملها بالرغم من أن هذا العمل لا يحب إلا من لا يعملون· لا يأس يحد من أفكارها وبالرغم من تكالب كل الظروف عليها ونقل حلمها لمكان آخر لتبقى هي على الأنقاض، هاهي ما تزال تحلم وتخطو بخطوات التفاؤل في بقايا حلمها الذي ذهب·
- مر أكثر من عشرين عاما على بدء عمله وكان حينئذ يبلغ من العمر 16 عاما فقط· اضطرته الظروف كغيره للبحث عن عمل في وقت لم تكن الشهادات فيه مطلوبة ولم يكن التشجيع عليها موجودا، وكان العمل هو السبيل الوحيد للبقاء وسد الحاجة·
مرت الأعوام وانقلبت الموازين وصرنا في عصر الشهادات وتحجرت القلوب، حتى أعمى هذا العصر عيوننا، عن كفاءات وكوادر كالذهب، لا تحتاج إلا الصبر والصقل بالشهادة، لا أننا تجاهلناها وخسرنا بأنفسنا خبرتهم التي نحن في أمس الحاجة لها لتدريب أصحاب الشهادات· (الدولة لن تبنيها العقول فقط وإنما العقول مع الأيادي الخبيرة)·

ضبابة الرميثي - العين

اقرأ أيضا