الاتحاد

عربي ودولي

أوروبا الجنة الموعودة وقوارب الموت

د· ناصر الجيلاني:
كنتُ أعرف من زياراتى السابقة الى المغرب الكثير عن خصوصيته الثقافية والتى ربما ساهم فى إحداثها بُعده عن مراكز الخلافة الإسلامية فى الشرق، ما جعله يستمد الكثير من بقايا الحضارة الأندلسية، هناك بهرتنى دائماً الألوان القوية والمشعة فى العمارة، والزليج، وكذا الأزياء، لكن الملفت أكثر كان وضع المرأة وقيمتها ومقدار تحررها العقلى ونوعية علاقتها بالرجل وفهمها لأنوثتها، ما يختلف كثيراً عن حال شقيقتها فى المشرق ويذكـِّرُ بشكلٍ ما برؤية الصوفى الأندلسى الكبير محى الدين بن عربى الذى كان يعد حب النساء من صفات الكمال الإنسانى وطريقاً للحب الإلهى، لكنني حين ذهبت أبحث قضية الأطفال المشردين من الباحثين عن الرزق والمهاجرين غير الشرعيين، او الذين يموتون فيما يسمى بقوارب الموت·
كان الصيف على الأبواب، والطقس أكثر من رائع عندما وصلت مدينة طنجه المغربية ووقفت على رأس بالماس النقطة الأكثر ارتفاعاً قبالة الشاطئ الإسبانى، أدهشني أن تبدو أوروبا قريبة من طنجه إلى هذا الحد، والمسافة بين الشاطئين التي لا تزيد عن اثنى عشر كيلومتراً تبدو أقل بكثير بسبب الارتفاع الجبلي على الجانبين، وأدركت أن هذا الفاصل يجعل أوروبا هى الطريق إلى العالم بل ربما هى العالم بأسره بالنسبة للمغاربة، وهو ما يفسر أن تسعين بالمائة من المغتربين المغاربة موجودون فى أوروبا·
من هذا الممر الضيق يعبر تأثير أوروبا الكبير إلى المغرب كنموذج لعالم احترام الحريات الشخصية والنظم الديمقراطية، والأهم كنموذج لعالم الأثرياء، ومن هذا الممر يعبر إنتاج المغرب من الخضراوات والأسماك إلى أوروبا، ووراءه تعبر سياحة أغنياء المغرب ورؤوس أموالهم، بينما يبقى الفقراء متطلعين إلى ذلك العالم البراق الواسع محاصرين خلف تعقيدات إجراءات الحصول على تأشيرات الدخول إلى أوروبا على عكس ما جرى لآبائهم الذين كانت سلطات الاحتلال بعد الحرب العالمية الثانية تجمعهم من حقولهم، وتنقلهم إلى فرنسا للمساهمة فى انطلاقة الاقتصاد بعد الحرب العالمية الثانية، ليعيشوا فى مجتمعات معزولة، وفى ظروف حياتية مريعة، لكن عودة بعضهم محملين بثروة خلق شعوراً عاماً فى الأوساط الفقيرة بأن أوروبا هي الطريق للثروة·
حلة البخار
كان المغرب وسوف يظل حبيس واقعه، الواقع التاريخى المتمثل فى الاستعمارين الإسبانى والفرنسى ثم الواقع الجغرافى المتمثل فى الانحشار فى الركن القصي من القارة الإفريقية، وعلى مرمى حجر من أوروبا، وبعد ذلك الواقع السياسى المختنق بسبب العلاقات المتوترة مع جيرانه والأزمات المتكررة مع إسبانيا حول الجزر والصيد، كل ذلك ساهم فى جعل المغرب أشبه بحلة البخار التى لا تجد متنفساً لها إلا من خلال الممر الضيق الفاصل بين البحرالأبيض المتوسط فى الشمال والمحيط الأطلسى فى الغرب، الفاصل الذى تكون فيه إسبانيا على مرمى البصر·
فى ظل هذا الوضع الاستثنائى جداً يبدأ المحاصرون فى المغرب والراغبون فى الخروج إلى العالم والطامحون فى تكوين الثروة من الفقراء، فى عبور المضيق بأى ثمن، وتنشط مافيا تهريب البشر باستخدام القوارب الخشبية الصغيرة التى غالباً ما تغرق بهم حتى أصبحت تسمى قوارب الموت، وذلك بعد أن أصبح حجم الخسائر فى الهجرة بالآلاف وكأنها حرب على حد تعبير البعض، لكن من دون أن نعرف من هو العدو؟ الذى سيحلم أطفال الضحايا بالانتقام منه يوماً ما؟
تربص بالشاحنات
كان ضروريا المرور على مطاعم الأسماك المنتشرة قرب الميناء، فلا مناص من تذوق الحوت 'ديال المغرب'، ولا سبيل إلى نسيان لذة طعمه، ودلفت إلى داخل الميناء لأشاهد الأطفال الذين يتربصون بالشاحنات منتشرين فى كل مكان، يتحينون الفرصة للاختباء داخل إحدى الحافلات أو الشاحنات التى ستعبر بواسطة السفن إلى أوروبا محملة بالناس أو البضائع، أملاً فى أن يجدوا أنفسهم بعد أيام هناك فى الجنة الموعودة، وسائقو الشاحنات يفتشونها مراراً وتكراراً أثناء توقفهم وقبيل رحيلهم للتأكد من عدم اختباء أحد هؤلاء الأطفال فيها، لكن مع ذلك ينجح بعضهم فيما يفشل فيه الكثيرون، ويدخلون عبر الشاحنات إلى السفن، كان مشهدهم منتشرين على الأسوار وحول المكان كالجوارح التى تتربص بفرائسها يبدو كمشهد من فيلم سينمائى خرافى·
تأشيرات إلى أوروبا
على المقاهي المنتشرة قبالة البحر يلتقي المثقفون من كل الاتجاهات، وكانت هذه فرصتي لأستطلع رؤيتهم للقضية التي جئت أبحثها، البعض يقول إن عدم منح تأشيرات الدخول إلى أوروبا وتضييق الخناق على المهاجرين سيفاقم الوضع فمن يصل إلى أوروبا منهم سيبقى ولن يفكر بالعودة مهما كانت أحواله لعدم ثقته من نجاح التجربة إذا فكروا فى زيارة أخرى إلى أوروبا، ناهيك عن رغبتهم فى ألا تذهب الأموال التى أنفقوها فى سبيل الهجرة سدى، وكذلك إحساسهم بالتفوق على أقرانهم الباقين فى المغرب، بينما يرد البعض الآخر منبهين إلى أن المشكلة معقدة فلو فُتِحَت الحدود فسيرحل الجميع ويفترشون شوارع أوروبا! وإزاء هذه التعقيدات لا تجد غير الجمل الفضفاضة من نوع (إصلاح عالمنا العربى كى يحبه أبناؤه)، لكن كيف يمكن الوصول إلى تلك الآفاق والنهايات؟ من أين يجب أن نبدأ ؟ لا أحد يعرف·
وقبيل الغروب كان الهواء البارد يلفح وجهي، وأنا أسير في طريقي إلى الفندق، بينما تتنازعني مشاعر متناقضة بين الدهشة والغبطة بجمال طنجة، والألم العميق لأولئك الحالمين بالهجرة، والغائبين في ملكوت الحلم بالانعتاق من أسر ما حولهم·
الله يرحم والديهم
علمت أن جمعية دارنا تقوم بإيواء وتأهيل عدد من الأطفال ذوى الوضعية الخاصة، وأن الجمعية تضم أيضاً أطفالاً سبق لهم الهجرة وأعيدوا إلى المغرب، ترى أية مشاعر يحملها هؤلاء اليوم حول الهجرة؟
صعدت رابية مرتفعة من الجبل ودلفت إلى زنقات (حارات) ضيقة حين وصلنا إلى جدران زرقاء زاهية اللون وبوابة قديمة وجميلة علقت بجانبها لوحة تحمل اسم الجمعية، فى الداخل كان البناء عربى المعمار تتسلل له النسمات العليلة من البحر، وتنتشر به الإضاءات، حين جلستُ إلى الأطفال أدركتُ أن هناك أملاً ما لكنه ليس كبيراٌ، فبعضهم آثر الاندماج فى الحياة الجديدة ربما لأنه كان يبحث منذ البداية عن مجتمع يحتويه·
أما البعض الآخر فقد بدا قلقاً وكأنه يتحين الفرصة للإفلات من هذا العالم إلى عالم الشارع، كنتُ أقرأ ذلك فى عيونهم وطريقة نطقهم للكلمات التى امتدحوا بها حياة الدار، وبدا ذلك مضحكاً إلى حد السخرية حين قال أحدهم: الوضع هنا جيد، نحن نتعلم القراءة، والنجارة، وأشياء كثيرة، وهم يوفرون لنا مكاناً للنوم، ويطعموننا، وكل شىء، كان الفتى يتكلم بتثاقل وهو ينظر إلى الأسفل ثم أنهى حديثه بالدعاء لهم قائلاً: الله يرحم والديهم، الخير اللي تا يديروه فينا ما تا يديره حتى شي واحد!!

اقرأ أيضا

حريق يلتهم طائرة ركاب إيرانية في مطار بطهران