الاتحاد

دنيا

ثريا قابل.. أيقونة جدة الجريئة.. «والله واحشني زمانك»

«قابل».. اسم ملازم لمدينة جدة، عروس البحر الأحمر ومينائها الأشهر، لثلاثة أسباب مرتبطة بعضها ببعض، الأول هو أنه محفور في ذاكرة المجتمع الجداوي كونه اسماً لإحدى عائلاتها التجارية المعروفة، حينما كانت العائلة مصدراً رئيساً للتموين والاتجار بالمواد الغذائية، فبرزت رموزها بين علية القوم وتصدرت المشاهد والمجالس واستحوذت على الوظائف الرسمية العليا.

والثاني هو أن ثراء عائلة قابل ساعدها عميد العائلة سليمان بن أمان الله بن عبدالله بن حامد قابل على شراء شارع تجاري مقابل بعض المال والسلع الغذائية، وقام بتطوير الشارع وإضاءته وتزويده بمكائن ضخمة للتبريد والتهوية وغير ذلك من الأفكار السابقة لعصرها، الأمر الذي جعل الناس يطلقون على الشارع اسم «شارع قابل» الذي صار مع مرور الوقت يحتل الأهمية والشهرة اللتين يتمتع بهما شارع الشانزليزيه بالنسبة لباريس كبؤرة للنشاط التجاري المتنوع وازدحام المتسوقين من المواطنين والزوار.

ذكريات الطفولة
أما السبب الثالث فهو الشاعرة والأديبة «ثريا قابل» الشهيرة بصوت جدة، حفيدة شقيق سليمان قابل، والتي قالت إنه يحلو لها في شهر رمضان من كل عام أن تزور الشارع لتستعيد من خلاله ذكريات طفولتها، مشيرة إلى أن معظم تجار السعودية بدأوا من هذا الشارع.
وثريا قابل، التي هي محور مقالنا اليوم، هي ابنة مدينة جدة وسليلة عائلة قابل التي برزت بين بنات جنسها وفتيات مدينتها من خلال الجرأة والمواجهة والتحدي في خوض مجال كان مقتصراً لعقود من الزمن على الرجال، ألا وهو كتابة الشعر الغنائي العاطفي، بل ونشره باسمها الصريح بدلاً من الترميز.. حيث قالت ذات مرة ما مفاده أنها قبلت التحدي ليس بمفهوم الخروج على العادات والتقاليد، وإنما بمفهوم النضال «من أجل حصول بلدي على أعلى المراتب في كل شيء»، حيث استلهمتُ الجرأة والإقدام من شعر الطغرائي صاحب البيت المعروف:

أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

لذا فإن الوصف الأصدق تعبيراً لهذه السيدة هو ما وصفه بها ذات مرة الناقد الفني السعودي علي فقندش، الذي قال عنها إنها مجموعة وأفراد في الوقت نفسه، وكتيبة دفاع عن ثقافة وفن الأغنية الحجازية، ومناصرة أولى للسيدة والفتاة السعودية .. هي ليست واحدة ولا اثنتين.. هي قوة ثلاثية في دنيا الإبداع، وكتلة مشاعر وأشياء جميلة عديدة..

الفن الموسيقي
إن الباحث في سيرة ثريا قابل سيجد أنها ارتبطت بمواطنها الفنان الراحل فوزي محسون. حيث شكلا معاً ثنائياً فنياً كان له أكبر الأثر في تطور موسيقى الحجاز وإمتاع الجمهور بكل ما هو جميل يرتقي بالإحساس والمشاعر في حقبة ذهبية. إذ اشتهرت بمد محسون بالشعر الغنائي القائم على المفردة السهلة، واللفظ والمعنى الرقيقين النابعين من لهجة المجتمع، فيما قام محسون بحسه الموسيقي الصادق بتحويل تلك الكلمات والجمل والتعابير إلى أغان وصلت إلى أعماق هواة الطرب، وعبرت الحدود السعودية.
نجد أفضل تجليات تعاون قابل مع محسون في أغنية تغنى به معظم رواد الأغنية السعودية منذ ظهورها قبل أربعين عاماً، وهي أغنية سبحانه وقدروا عليه وخلوك تنسى أحبابك أو المشهورة بمقطع منها هو «نسيتنا وإحنا في جدة، ونسيت أيامنا الحلوة» و«شارك قابل في كتابة بعض مقاطعها الشاعر الشعبي الحجازي صالح جلال»، إضافة إلى أغان أخرى جميلة نتاج تعاون الطرفين مثل: «جاني الأسمر جاني» (غنتها المطربة عتاب فيما بعد)، «حبيّب يا حبيّب ليش عني مغيّب»، «يا من بقلبي غلا»، «مين فتّن بيني وبينك»، «حاول كده وجرب»، «متعدي وعابر سبيل»، على فين واخدني»، «ماعشقت غيرك».

أغنيات
ارتبطت قابل في بداية مشوارها الشعري أيضاً بالفنان الكبير طلال مداح الذي غنى لها أغنيات كثيرة إلى درجة قيل معها أن قابل بالنسبة لطلال مثل أحمد رامي لأم كلثوم.. ومن أبرز هذه الأغنيات: «بشويش عاتبني»، «ياللي الليالي مشوقة لساعة لقاك»، «إديني عهد الهوى»، «تمنيت من الله»، «ما يكفيني أحبك»، إضافة إلى أغنية رائعة أخرى تعكس بجلاء قدرة شاعرتنا الهائلة على التعبير عن كتلة مشاعرها وعواطفها بأسلوب سهل ورقيق وعذب. هذه الأغنية هي «من بعد مزح ولعب» والتي تقول كلماتها:
من بعد مزح ولعب أهو صار حبك صحي أصبحت مغرم عيون وأمسيت وقلبي طريح وأخجل إذا جات عيني مصادفة ف عينك وأصير مربوك وحاير ف أمري من فرحي أبغى أطير
توحشني وأنت بجنبي واشتاق لك لو تغيب وأحسد عليك حتى نفسي وأخشى يمسك غريب
وأنا الذي كنت أهرج والكل حولي سكوت صرت اتلام وأسكت وأحسب حساب كل صوت
والله يا أحلا عمري فعيوني مالك مثيل تساوي الروح وتغلى وتكون عنها بديل
وأخجل إذا جات عيني صدفه ف عينك واصير مربوك وحاير ف أمري من فرحي أبغى أطير
تعاونت قابل أيضاً مع محمد عبده مرتين، الأولى في العام 1969 من خلال أغنية «لا وربي» من ألحان فوزي محسون، والثانية في أواخر التسعينيات من خلال أغنية «واحشني زمانك» من ألحان محمد شفيق، والتي من كلماتها:

حطني جوة بعيونك ..
شوف بيّ الدنيا كيف ..
أحلى من شوقي وجنونك ..
لما أجيلك يوم ضيف ..
والله واحشني زمانك ..
جلستك حضنك حنانك»

وطبقاً لما ورد في حوار لها مع صحيفة الشرق الأوسط «22-05-2009»، فإن الملحن محمد شفيق كان له دور مهم في تحريك مطلع هذه الأغنية وإتمامها، فهو، من خلال اتصاله بقابل واهتمامه وإلحاحه، خلق لدى الأخيرة أملا بعودة الفن الجميل، هي التي دخلت في عزلة مريرة بوفاة صديقيها طلال مداح ثم فوزي محسون، وافتقدت طويلاً «المزاج الملائم لدخول أجواء كتابة النصوص الشعرية الغنائية، خصوصاً وأن محسون كان قد أكمل بصعوبة كوبليهات أغنيته الأخيرة «الله على دي العيون. خلتني عاشق ومفتون» وهو على فراش المرض.
وفي الحوار نفسه أعربت عن أملها في عودة الفن الجميل الأصيل الصادق بعد أن تلوثت الأجواء الفنية وغابت الحميمية والتحفيز والمتابعة بين الشاعر والملحن والمؤدي، وطغت الأمور التجارية على الوسط الفني وتدخلت شركات الإنتاج في الفن.

نصوص شعرية
قابل معروفة لدى الكثيرين بأنها لا تطارد بنصوصها الشعرية أحداً، وإنما تعطيه لكل صوت يستطيع خدمة شعرها فنياً. ويبدو أن طلال مداح وفوزي محسون كانا من هذا النوع فارتبطت قابل بهما أكثر من غيرهما. وهي أفصحت عن ذلك في مقال لعبدالله صالح القرني منشور في صحيفة «المدينة» السعودية (30-12-2015) وجاء فيه أن المطرب طلال سلامة غنى لها لكنه لم يخدم نصوصها الشعرية، وكذا الحال مع الفنان عبادي الجوهر، لكن طلال مداح وفوزي محسون كانا يخدمان كلماتها بحب. حيث قالت «كنت أعطيهم الكلام، ويجوني البيت اليوم الثاني، ما أعرف مَن لحّن، ويُسمعوني الأغنية، طلال على العود، وفوزي على الإيقاع»، ثم أضافت: «كان فوزي يجيني البيت باستمرار مع زوجته أم إبراهيم - رحمها الله - ويتابع المطالع التي كتبتها! وعمومًا، فوزي هو سبب شهرتي».

العلاج
ولدت ثريا قابل في حارة المظلوم بجدة الأثرية القديمة في عام 1940 ابنة لعائلة قابل المعروفة بنشاطها التجاري كما أسلفنا. وتلقت تعليمها بادئ الأمر في الكتاتيب التقليدية على يد معلمة تدعى «الفقيهة»، ثم على يد بعض معلمي الحجاز من أمثال الأستاذ حمزة سعداوي.
اضطرت في مقتبل عمرها أن تسافر مع والدها المريض محمد قابل إلى لبنان للعلاج، فانتهزت فرصة تواجدها هناك للالتحاق بالكلية الأهلية الثانوية في بيروت المعروفة باحتضانها للكثير من الدارسين والدارسات من دول الخليج. وفي هذه الأثناء نمت موهبتها الشعرية، فأقدمت على إرسال نصوص شعرها للنشر في صحيفتي «الحياة» و«الأنوار».
يُقال إن قابل كانت تنوي البقاء في بيروت لمواصلة دراستها في الجامعة الأميركية، إلا أن وفاة والدها، وظروفها العائلية حالتا دون ذلك. وبوفاة والدها تولت عمتها «عديلة قابل» تربيتها ورعايتها والاهتمام بها إلى أن تزوجت عام 1963 من ابن عمها «سليمان حسن عبدالقادر قابل» الذي أنجبت منه ابنها حسام العام 1967.

رواد التنوير
وعرفاناً منها لجميل عمتها، خصتها ثريا بكلمة الإهداء في صدر ديوانها الأول الذي رأى النور في بيروت عام 1963 تحت عنوان «وادي الأوزان الباكية»، علماً بأن للديوان أهمية كبيرة كونه أول ديوان شعري نسائي في الأدب المحلي السعودي الحديث، ناهيك عن كونه سبباً في حصول صاحبته على جوائز عربية. ومن ناحية أخرى تأتي أهميته مما دار بشأنه من مناظرات بين المحافظين بقيادة الشاعرين السعوديين عبدالعزيز الربيع وحسن القرشي من جهة، ورواد التنوير والانفتاح بقيادة الأديب محمد حسن عواد من جهة أخرى. حيث دافع عواد عن الديوان وجرأة صاحبته، واصفاً إياها بـ «خنساء القرن العشرين»، وقائلاً إنها «أشعر من أحمد شوقي»، فيما تصدى الآخرون بشراسة وحدة للديوان.
بعيداً عن الشعر، الذي قادها ذات سنة للسفر إلى العراق للقاء الشاعر أحمد الصافي النجفي والاسترشاد برأيه في ما تكتب، وبعيداً عن محاولاتها كتابة جميع أنواع الشعر «كلاسيكي، حر، مرسل» إلى أن استقرت على الشعر العامي الغنائي، نجد أن قابل دخلت الصحافة السعودية بجرأة وإقدام، من خلال صحيفة «البلاد»، قبل أن تكتب في «المدينة»، «عكاظ»، «الرائد»، «إقرأ»، «الأديب»، «قريش»، «الرياض»، وقبل أن يُسند إليها ما بين عامي 1986 و1987 تحرير مجلة «زينة».
التصق اسم ثريا محمد قابل بقائمة الأوائل. فهي أول سعودية تضع اسمها الصريح على ديوان شعري، وأول فتاة المملكة العربية السعودية تخوض غمار كتابة الشعر الغنائي العاطفي، وأول خليجية تنال وسام الأرز اللبناني، ومن أوائل السعوديات اللواتي غنى لهن المطربون، وأول سعودية كتبت كلمات أغان أذيعت من إذاعات عربية خارج السعودية (أغنية بشويش عاتبني لطلال مداح من كلمات ثريا قابل وألحان محمد شفيق، وقد أذيعت من إذاعتي «صوت العرب» و«الشرق الأوسط» المصريتين).
أضف إلى ما سبق ما نشرته صحيفة اليوم «02-06-2011» نقلاً عن الموسوعة الأدبية لعبدالسلام الساسي من أنها «بتصرف»: «أول من قدم المسرحية ذات الفصل الواحد وذلك على مسرح مدارس دار الحنان، وأول قلم نسائي يكتب صفحة منوعات في الصحف السعودية وهي الصفحة التي عـُرفت باسم (حروف ملونة)، وأول من بادر بزرع بذور الاستفتاءات الصحفية من خلال بحثها عن أهم ثلاث مشاكل اجتماعية تؤرق المجتمع وخصصت في ذلك الوقت ولأول مرة جوائز للفائزين من القراء والقارئات في حفل عام، وأول صحفية يتم ترشيح اسمها لعضوية مجلس إدارة إحدى الصحف المحلية (صحيفة البلاد) عند تحول الصحافة من صحافة الأفراد إلى صحافة المؤسسات، وأول من أدخل المرأة إلى مجال الإخراج الصحفي، من خلال تقديمها لعطاءات الفنانة التشكيلية الرائدة صفية بن زقر في الصفحات النسائية التي تولت الإشراف عليها في صحيفة البلاد، كما تميزت الصفحات النسائية التي أشرفت عليها في العديد من الصحف التي انتقلت إليها باستضافة أقلام كبار الكتاب والمفكرين ولم تكن مقتصرة فقط على الأقلام والعنصر النسائي فقط؛ وأول من نظم مسابقة أدبية ثقافية للجنسين لتشجيع المواهب من الذكور والإناث ودعم المبدعين منهم في المجتمع السعودي».

نتائجه مثمرة
لكن قابل قالت عن حياتها - أنظر ما كتبه علي العبدالله في صحيفة الجزيرة السعودية «16-02-2016»-: «حياتي مصادفة كبيرة لم أسع لشيء، وجدت نفسي فجأة مصهورة داخل بوتقة الشعر ومعجونة بهم إنساني كبير». وهنا يعلق الكاتب فيقول: «لعل هذه الكلمات العميقة التي عبرت فيها الشاعرة والصحافية والأديبة الحجازية ثريا قابل عن نفسها تعكس شخصيتها وحياتها وتفاصيلها، فهي البنت التي عايشت فترات تاريخية مختلفة أثرت فيها، فعبرت عن الهم الذي يسكن قلبها وروحها، وما أجمل الهم عندما تكون نتائجه مثمرة وإيجابية نتذوق فيها شعراً بنكهة الفتاة الحجازية (الشقية) المغرمة حد الجنون والولع بمن تحب التي (تمردت) قليلاً إنْ صح التعبير على بعض الحواجز فقفزتها (بخفة) وقبول جعلت أبياتها الشعرية تنتشر هنا وهناك».
عُرفت قابل بدفاعها الصلب عن حقوق المرأة السعودية، وتصديها لكل الممانعات غير الرسمية لحجب العطاء النسائي في الحياة السعودية منذ الستينيات، فواجهت لهذا السبب حملات شرسة من قبل المتشددين. ومن ذلك قول أحدهم «إضربوا على أيدي سفهاء البلد فكبرى سفهاء هذا البلد ثريا قابل».
وفي هذا السياق قالت في مقابلة صحفية مع علي فقندش بصحيفة عكاظ (07-10-2010): «والأعجب أن الترهات كانت تأتي من أي أحد، تعرف مكانته أو لا تعرفها، بينما كبار القوم وحكامنا يتعاملون معنا بشكل فيه الكثير من الرعاية بدليل أنني عندما جئت بأول دواويني من بيروت (ديوان وادي الأوزان الباكية) في العام 1963 مُنع من الدخول والتداول من بعض الموكلة إليهم أمور الشأن الثقافي، فذهبت إلى جلالة المغفور له الملك فيصل أهديه نسخة الديوان وأطلب منه رأياً فيما بيني وبين الإعلام، فأنصفني وأجاز الديوان...».

الصفحة النسائية
وطالما أتت قابل على ذكر ديوانها الأول، فإن من المفيد الإشارة إلى وجود ديوان آخر لها بعنوان «رشة عطر» ضمنته كتاباتها النثرية الكثيرة في الصحافة عن المجتمع والمرأة والأسرة، علماً بأنها تلك الكتابات بدأت مع توليها تحرير الصفحة النسائية في جريدة البلاد تحت عنوان «النصف الحلو» بطلب من رئيس تحريرها «حسن قزاز»، ثم توالت بانتقالها إلى صحيفة عكاظ وغيرها وقيامها بتحرير زاوية أطلقت عليه اسم «حواء كما يريدها آدم».
وأخيراً، فإن ثريا قابل نالت التكريم من جهات عدة نظير مشوارها الحافل بالإبداعات الشعرية والصحفية ونشاطها الاجتماعي. فقد كرمت من قبل صحيفة عكاظ العام 2002 ضمن رواد المجتمع السعودي، وكرمت من قبل مجلة الفيصل. كما تم تكريمها في مهرجان التراث والثقافة بالجنادرية العام 2005 بعد أن اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي برسائل تطالب بضرورة تكريمها.
ونختتم بكلام جميل كتبه عنها عبدالرحمن العربي المغربي بصحيفة المدينة «13-03-2016» نصه: «ولد (صوت جدة) بين رواشين وحواري جدة التاريخية .. كان ميلادها يُشبه سيمفونية حالمة.. ميلاد يُشبه تحليق الفراشات حول الضوء، وكأن صوت صرخاتها المتقطع وقتها كانت تحاول من خلاله أن تقول شيئًا ما.. كانت طفلة بحضورها للدنيا .. تعلَّمت المشي فوق سطح رخام أبجدية اللغة، لتقف على ناصية الكلمة التي أصبحت بعدها سيّدتها الأولى».

اقرأ أيضا