الاتحاد

دنيا

الأفكار السلبية تجلب الداء وفي الإيجابية دواء


ترجمة ـ ميسون جحا:
يوما بعد آخر تظهر دلائل تثبت أن نظرة المرضى للحياة تؤثر على فرص علاجهم ومعافاتهم· فهل تؤدي الأفكار السلبية للإصابة بالمرض؟
شعرت الطبيبة مانويلا مارتينيس وزميلاتها بالحيرة· تساءلن عن السبب الذي يجعل النساء الأكثر معاناة من العنف الأسري، أكثر عرضة للإصابة بالبرد وغيره من مظاهر المرض· من الناحية الظاهرية لم يبد لهن وجود أي علاقة بين الضرر الجسدي والعاطفي الذي عانين منه، والإصابة بأمراض وتقرحات جلدية· وفي محاولة لإيجاد علاقة ما، أخذن عينة من لعاب مجموعة من النساء الناجيات من سوء المعاملة والإيذاء الجسدي، وقارنها بتحليلات مشابهة لمجموعة أخرى من النساء· وجدت مانويلا مارتينيس وزميلاتها أن النساء اللاتي عانين من العنف وسوء المعاملة تقل لديهن مستويات مركبات ينتجها جهاز المناعة وتعمل على تحييد الفيروس· وقد كشفت الباحثات النقاب أيضا عن تدني مستويات الأجسام المضادة لفيروس مرض القوباء الجلدي عند أولئك النسوة·
قالت الطبيبة مارتينيس العاملة في قسم الصحة النفسية في جامعة فالانسيا: 'تؤكد نتائج أبحاثنا أن التوتر المرافق للعنف الأسري يضر بالحالة الصحية ويزيد احتمالات انتشار الفيروسات داخل الجسم'·
وتأتي تلك النتائج مكملة لمجموعة من الأدلة الحديثة والمتنامية التي تثبت أن الشخصية والنظرة إلى الحياة يمكن أن تؤثر على تطور وانتشار المرض· وتظهر الأبحاث الجديدة، وقد نوقشت في المؤتمر الدولي حول الطب النفسي الذي عقد في بريطانيا في شهر فبراير الحالي، أن الحالة العقلية تؤثر على عدد من الأمراض، بدءا من التهاب المفاصل والروماتيزم وصولا لأمراض السرطان والقلب·
العقل والجسد
ورغم أن الطب في الغرب ما زال يعتمد على مبدأ الفصل بين الدماغ والجسد، إلا أن دلائل كثيرة تشير إلى ما يناقض هذا التصور، فقد وردت مثل تلك العلاقة بين العقل والجسد منذ مئات السنين، ولكن معظم الأدلة ما زالت، حتى هذا الوقت، مجرد حكايات أو هي غير مكتملة· لكن عودة الاهتمام بالعلاقة بين العقل والجسد أدت لإجراء موجة من الأبحاث الجديدة·
وفي هولندا وجد أطباء حققوا في أدوية لأمراض القلب أعطيت لقرابة ألف مريض أن المرضى الذين أطلق عليهم اسم المجموعة د (أي أصحاب الشخصيات السلبية الذين يجدون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم) كانوا أكثر عرضة بمعدل أربعة أضعاف للإصابة بأمراض القلب· وقد ظهرت نفس النتائج على عدد من الدراسات الأخرى·
وفي جامعة ولاية أوهايو الأميركية، كشف العلماء عن وجود علاقة بين العقل والجسد في مرحلة شفاء الجروح· وكشفت دراساتهم أن جلود الحيوانات الجريحة تشفى بسرعة أكبر إذا كانت لها علاقات تواصل مع حيوانات أخرى·
يقول الدكتور كورتني دي فرايس، الذي أشرف على الدراسة: 'يؤخر التوتر التئام الجروح، ويساعد التواصل الاجتماعي على إبطال مفعول التأخير'·
من جانب آخر درس أخصائيو علم النفس في جامعة شرق ميتشيجان نتائج عمليات زرع مخ العظم، ووجدوا ارتفاع معدلات الشفاء بين المرضى الذين كانوا أكثر تحديا وأفضل تأقلما وأقل توترا· ويعلق باحثون على هذه النتائج بقولهم: 'هذه أول دراسة موسعة تقدم الدليل على أن العوامل النفسية الإيجابية تساعد على الشفاء'·
لكن العلاقة بين العقل والجسد لا تتوقف عند هذا الحد، وقد تمتد إلى أمراض أخرى، وعلى مدار عشرة أعوام، أجرى أطباء في المملكة المتحدة وألمانيا دراسة حول 1300 من النساء والرجال العجائز، ووجدوا علاقة بين الشخصية ووفيات ناتجة عن إصابات بمرض السرطان، مما دفع باحثين الى القول: 'تؤكد نتائج دراساتنا الاعتقاد بأن بعض أنواع السرطان ربما ترتبط بعوامل تتعلق بالتوتر ونوعية الشخصية'·
وخلصت دراسة يابانية شملت 30,000 شخص إلى احتمال أن تؤثر الشخصية على متوسط طول العمر بين المصابين بأمراض السرطان والقلب، فيما كشفت دراسة ثانية أن مرضى سرطان الجلد ممن خضعوا لعلاج جماعي وجدت عندهم مستويات أعلى من خلايا تعزز مناعة الجسم·
وفي لوس أنجلوس، يرى علماء في مركز أبحاث أمراض الجهاز الهضمي أن الدماغ قادر حتى على التسبب بحرقة مزمنة في فم المعدة· يقول الباحثون' كان لوجود حالة حادة من التوتر خلال الأشهر الستة الأخيرة أثر كبير في زيادة أعراض حرقة فم المعدة خلال الأشهر الأربعة التالية· وكما هو الحال في الأمراض المزمنة الأخرى تسوء حالة المريض عند تعرضه لضغوط عصبية شديدة'·
المواقف الإيجابية
وتظهر دراسات عديدة أخرى أن الأشخاص المكتئبين يعانون من مستويات أعلى من الأمراض والآلام، ولكن مزيدا من الأبحاث تؤكد أن السعادة والمواقف الإيجابية لها أثر معاكس· إذ أجرى علماء في فنلندا اختبارات على الشخصية لـ 500 شخص من كبار السن، ثم أجروا دراسة استمرت عشر سنوات فوجدوا أن 54% من أصحاب الأفكار الإيجابية ما يزالون على قيد الحياة بعد عشر سنوات بالمقارنة مع 39% من السوداويين· كما كشفت الدراسة أن أصحاب الأفكار السلبية في الحياة كانوا أكثر عرضة بنسبة ستة أضعاف للعلاج النفسي·
وفي جامعة جونز هوبكينز في بالتيمور في الولايات المتحدة، بحث العلماء في أثر الدعابة والمرح على الإصابة بمرض القلب، وقد وجدوا أن الأشخاص الأسعد كانوا أكثر تمتعا بالصحة العامة· ولم يكن هؤلاء أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب، بل كانوا أيضا أقل عرضة لارتفاع ضغط الدم· يقول الباحثون: 'تظهر نتائج الأبحاث بأن القابلية للضحك ربما تساعد على حماية القلب'· ومن هذا المنطلق انطلقت أشكال جديدة من العلاج تستند إلى الربط بين العقل والجسد· وفي جامعة ستامفورد وجد فريق أبحاث أن المريضات بسرطان الثدي اللاتي تلقين دعما جماعيا واستخدمن كذلك التنويم المغناطيسي الذاتي، فضلا عن أساليب أخرى تربط بين العقل والجسد، عشن لمدة 18 شهرا أطول من مجموعات أخرى·
ومع توفر جميع هذه الأدلة التي تؤكد العلاقة بين الجسد والعقل، تجري حاليا محاولات للكشف عن آليات هذه العلاقة· كيف يمكن لأفكار ومشاعر مجردة أن تؤثر على الجسد وتساعد على نمو وتطور مختلف أنواع الأمراض؟ ومن الأشياء المرشحة لتجسير الهوة بين العقل والجسد النواقل العصبية والجهاز العصبي والهرمونات وجهاز المناعة·
ويتحمل التوتر جزءا كبيرا من المسؤولية، خاصة أن عدة دراسات تظهر أن المتوترين لديهم مستويات أقل من الخلايا القادرة على محاربة الأمراض، ولذا يكونون أكثر عرضة للأمراض· فالطلاب في فترة الامتحانات - كما كشفت إحدى الدراسات - تضعف أجهزة المناعة لديهم، في حين كشفت دراسات أخرى عن وجود علاقة بين ارتفاع مستويات التوتر كما يحدث في حالات الطلاق والبطالة، وبين ظهور الأمراض· ويتمتع الأشخاص من ذوي الصداقات العديدة والأطفال الأصحاء بجهاز مناعي قوي·
ومعروف أن التوتر يستدعي ردود أفعال جسدية، خاصة في حال مواجهة مخاطر تتطلب الهرب أو القتال· لكن رغم ثبات حقيقة أن التوتر يؤثر على جهاز المناعة، فإنه ما زال من غير المعروف كيف يمكن أن يؤدي للإصابة بمرض معين· لهذا السبب يمضي باحثون في إجراء دراسة لمعرفة كيفية تفاعل العقل بالجسد، وهم مصممون على الكشف عن هذه الآلية·
تشير إحدى الفرضيات لوجود نظام للاتصال المباشر بين جهاز المناعة، وهو الذي يدير دفاعات الجسم، والجهاز العصبي وهو الذي ينقل المعلومات بين الجسم والدماغ· ويرى بعض الخبراء أن النهايات العصبية الموجودة في الغدة الصعترية، والطحال ومخ العظم تقدم أدلة على وجود مثل هذا التواصل·
ولكن آخرين يقولون إن أثر الدماغ على المرض ما زالت غير مثبتة، وأن أية آثار ظاهرة يمكن أن تفسر أشياء مختلفة· فهل المرضى المحاطين بعدد أكبر من الأصدقاء لديهم فرصة أكبر للعيش طويلا بسبب العلاقات الاجتماعية الواسعة، أم لأن الأصدقاء يساعدونهم في التغلب على أمراضهم؟

اقرأ أيضا