الاتحاد

دنيا

فرنان ليجيه: لا أحطّم الحياة كي أفهمها


الاتحاد - خاص:
الفرنسيون الذين يبحثون حتى داخل الغبار عن قرون غابرة اكتشفوا ان لديهم رساماً لا يقل هولاً، أو عبقرية، عن (بابلو بيكاسو)، إنه (فرنان ليجيه) الذي عُرضت أعماله في اللوفر وفي متاحف شهيرة أخرى، ليكتب النقاد عنها: 'إن الناس كانوا بحاجة إلى من ينقل وجوههم، وتمنياتهم، وأحياناً آلامهم من دون أقنعة'·
للوهلة الأولى، يخيل ان ثمة لمسة عبثية في لوحات ليجيه·· الألوان، الأشكال، النظرات· وللوهلة الثانية يخيل ان الرسام الذي ولد في العام ،1881 أي في العام نفسه الذي ولد فيه (بيكاسو)، إنما يتماهى مع الذين يرسمهم في لعبة تقنية بارعة، وصارخة أحياناً·
يقول: 'انا لا أتدخل في الحياة، ولا أشوهها، أرسمها كما أراها، بل وكما أفهمها·· لست من النوع الذي يقول ان علينا ان نحطم الحياة لكي نفهمها'·
لقد حدثت ثورة صناعية حتى بدت الأرواح الشريرة وكأنها تخرج من المداخل لتغطي كل شيء، الناس يتركون الريف للفراغ ويلتفون حول المدينة· هذا شكل من أشكال الحصار، وباريس ليست من النوع الذي ينوء بأثقاله·· إنها مدينة عبقرية·· كل من على أرضها يتحول الى باريسي، لكن (ليجيه) أراد ان يكون شاهداً على ما يجري في الأشياء وليس فيما وراء الأشياء·
كلام العين
هذا كلام تقوله العين المجردة، لا حاجة لأشعة ما تحت الحمراء، ولا لمنهجية (ديكارت)، كما ان الرومانسية تهدم أحياناً أجزاء كبيرة من الحقيقة· لقد وقف (ليجيه) على مفترق طرق واصطحب عينيه معه فكانتا تشاهدان الأمور بصورة مذهلة: 'كنت أزيل الاضافات، لم ألجأ الى السكين لأصل الى الهيكل العظمي، والفرشاة هذه هي كل ما أملك· أستطيع ان أؤكد لكم بأنني لست غبياً، وان أصابعي تصل أحياناً الى آخر الروح·· ولكن لماذا يصر البعض ان يخرج الصدأ· البعض قال انني أرسم الصوت، كم هو شيء رائع ان يتحول الصوت الى حالة لونية - تعبيرية - تلعب علي القماش'·
كل الذين مشى عليهم الظل قد تجدهم في لوحات (فرنان ليجيه) الذي بدأ فعلاً بداية مضطربة، وحين وضع (بيكاسو) (فتيات الافينيون) في عام ،1906 وهو يثير ذهول العالم، لأن ما قام به كان بمثابة رؤية انقلابية للأشياء، كان (ليجيه) يحطم كل لوحاته لأنه لاحظ ان الكثير منها عبارة عن محاولة للتواطؤ مع الألم·
تفعيل الروح
من تراه يستطيع ان يحرك اللوحة غير الألم؟ هذا صحيح، لكن لـ (ليجيه) مفهومه الخاص، وهو عدم تعريض الألم الذي يؤدي، بصورة أو بأخرى، الى تفعيل الروح، للصخب والعشوائية، إنه يرفض بشدة تحويل عملية التلاعب بالألم الى مهنة· وليس صحيحاً انه ألغى تقاطيع الوجوه للتآمر عليها·· هكذا تنتفي التعبيرية التي هي الأساس في فن الرسم·
النقاد يقولون ان (ليجيه) أقام لوحة متوازنة، أليس من الممكن ان تقبع الحالة التعبيرية في أسفل القدم؟ نحن هنا في حضرة أوقيانوس من الأفكار، قد يجد الرسام نفسه داخل مشغله بين مساحات ضيّقة وضاغطة بل وخانقة· المكان الذي فيه الفنان ليس جغرافياً ولا تحدده المواصفات الهندسية· انه طراز آخر من المكان· لا، لسنا أمام (سلفادور دالي) الذي (أعرب عن اعتقاده) بأن دجاجة هي التي (باضته) على قارعة الزمن، الرسام الفرنسي لو كان على قيد الحياة لقال ان (سرفانتس) كان (يتقيأ) دالي عندما وضع (دون كيشوت)·· لماذا يفترض بالفنان ان يتفرغ لقتال الأشياء الغامضة؟
المنطق في المصحّ
(ليجيه) بُهر أمام أعمال (سيزان)، تفاعل مع (بيكاسو) ولكن ليس الى الحد الذي يجعله (يضع المنطق في مصحّ للأمراض العقلية)، لقد اعتبر ان الزمن يتدهور، لكن لا داعي لكي تتدهور معه، وعليه، ليبقَ الشاربان في مكانهما وليس ـ كما في أحد أعمال (دالي) ـ ينقلان الى وجه عروس بثوب الزفاف)، فالزفاف عند (ليجيه) حالة فرح وراءها حالة ما· لا بد ان يكون الأمر كذلك: 'أنا أرسم في الحياة وليس في منجم للفحم الحجري حيث يفترض ان يتغير شكل الزمن، وحتى شكل الجغرافيا، ثمة اغتصاب أسود للسواد الذي في الطبيعة'· ومع ذلك فإن (ليجيه) يعتبر ان احدى مهام الفنان إعادة الترتيب الجيولوجي للمعنى·ما الغاية من ذلك؟ هل ان الأمر يتعلق باستخدام ملعقة نحاسية أو فرشاة لكي تضطرب الرتابة؟ أجل، أجل، هو مع لعبة الصدى، حيث تملأ التداعيات المكان، لا مع الصدأ وحيث الشيء يأكل الشيء لأن الجدلية الكونية، لا التاريخية، هي التي تفرض ذلك·عمال بناء، سائقو قطارات، بارعة كل مظاهر العمل في لوحات (ليجيه) الذي يعتبر ان هؤلاء الناس بحاجة الى من يظهر أنهم في لحظة ما يتحولون الى (كائنات من جمر) الفن، وكما يقول، هو احتراق (من أجل التأجج) لا تحترق الأصابع وحدها·· ان العظام تحترق أيضاً في نهاية المطاف ثمة طائر غريب يخرج من الرماد
عند (ليجيه) الانسان الجميل هو الذي (عندما يتأمل في المرآة يجد الأمل على الطاولة)·· هل تفقدتم أشياء الطاولة حين خرجتم إلى عملكم؟·
أورينت برس

اقرأ أيضا