الاتحاد

ثقافة

إبراهيم المدفع صفحات غير مطوية في تاريخ الإمارات الفكري والثقافي والاجتماعي

خالد بن محمد القاسمي وابراهيم المدفع اثناء تفقده عبرة الشارقة (من المصدر)

خالد بن محمد القاسمي وابراهيم المدفع اثناء تفقده عبرة الشارقة (من المصدر)

محمد عبد السميع

إن الإنسان هو محرك الحياة في مجتمعه ومنظمها وقائدها ومطورها ومجددها، وإبراهيم المدفع أحد أعلام حركة التنوير في المنطقة، وأحد المشاهير في رسم وتشكيل المشهد الفكري والثقافي في الإمارات. عرف كرائد في نشر الثقافة وإعلاء شأن العلم وتثبيت قيم الحرية والعدالة. وقد جمع في حياته ونظرته الشاملة بين الفكر والعمل، ولم يكن مجرد مفكّر نظري وإنما شارك فعلاً في أحداث المجتمع وتطوره بطريقة إيجابية. وذلك بإنشاء المدارس والمكتبات وتأسيس الصحف.
ولد إبراهيم المدفع عام 1909م، تعلم مبادئ علم التوحيد والعلوم الدينية عند الشيخ عبد الكريم البكري النجدي. والخط عند أحمد بن عبد الرحمن أبو سنيده وختم القرآن وهو في سن صغير.
نشأ وترعرع في أسرة لها مكانة اجتماعية مرموقة، كان لها نشاط كبير في تجارة اللؤلؤ، تمتلك عدداً من السفن الشراعية الضخمة التي كانت تقوم بجلب التمور من البصرة والأرز والبهارات والعطور من الهند وأفريقيا، وإمداد الغواصين وتجار اللؤلؤ والمتاجرة فيه وتصديره إلى الهند..
ومن الأسماء البارزة في عائلة المدفع، حسن بن عبدالله المدفع، أحد كبار التجار بالشارقة، وعبدالله بن حسن المدفع، مؤسس المنتدى الإسلامي الأدبي الثقافي في الشارقة عام 23 ـ 1924م. وعبد الرحمن بن حسن المدفع سفير اللؤلؤ الخليجي الشهير في الهند ومجالسه. وآمنة المدفع صاحبة أولى المجالس الأدبية الثقافية النسائية بالشارقة في بدايات القرن الماضي. فهؤلاء كانت لهم إسهاماتهم القيمة والمهمة في غرس بذور الوعي الثقافي والأدبي وأيضاً الاجتماعي في تربة الإمارات الثقافية والاجتماعية. فقد كانوا بحق نباريس ومصابيح أضاءت سماء الإمارات الثقافي.
كان إبراهيم على جانب كبير من الذكاء والفطنة وسرعة الانتباه، عاصر الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة، وفي ظل التطورات والتغيرات الثقافية التي شهدتها المنطقة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والظروف المعيشية الصعبة، وقلة الموارد. تم التواصل مع العديد من الثقافات العربية والهندية وغيرها عن طريق التجارة والسفر والاتصال بمراكز الحركة الثقافية الخارجية. وعلى يدي المدفع ورفاقه، جاءت الكتب والصحف والمجلات العربية إلى مجالس أبناء الإمارات المتطلعين إلى نور المعرفة ودفء العروبة. فقد كان المدفع مشتركاً في العديد من الصحف والمجلات، وكان على اتصال مع العديد من الأدباء والمفكرين تبادل معهم الرسائل والمكاتبات.
وتفاعل المدفع صاحب الوعي الوطني والقومي مع كل حدث في المنطقة والوطن العربي، فكتب القصائد والمقالات والرسائل وما يختلج بفكره، وعبر عن هموم مجتمعه في رسائل كانت تهرب إلى بومباي لترسل من هناك إلى المجلات العربية. بسبب ما تحويه سطورها من عرض لهموم الوطن والأمة، وفضح لسلوك الاستعمار واستغلاله.
وقد أدرك المدفع التأثير العظيم الذي أحدثته الصحافة في شتى مناحي الحياة ودورها في إحداث التقدم الأدبي والرقي الفكري والاقتصادي والحضاري. فأصدر في الشارقة أول صحيفة عام 1928م اسماها «صحيفة عُمان»، لتكون منبراً لأبناء الإمارات ومثقفيها. وكانت نصف شهرية وقد صدرت بانتظام دوري لمدة عام واحد. وصدرت من ملحقين كبيرين مكتوبين بخط اليد. يوزع منها حوالي خمس نسخ تتداول بين الأصدقاء في الفريج وعلى بعض الشخصيات، منهم الشيخ سلطان بن صقر بن خالد القاسمي حاكم الشارقة من 1924 ـ 1951 م، والشيخ عبدالله بن علي المحمود والأديب مبارك بن سيف الناخي ومحمد بن علي المحمود وغيرهم من مثقفي الشارقة الذين كانوا يحرصون على قراءة ما يكتبه المدفع في صحيفته نقلاً عن بعض المجلات والصحف العربية، وما يرد إليه من أخبار العالم العربي.
وتضمنت صحيفة عُمان موضوعات عدة منها أخبار الشارقة والمنطقة والأسعار وحكايات عن البدو وأخبار عن الغوص والأسفار وتناولت بعض السلبيات، وكذلك احتوت على مواضيع سياسية. وقد اشترك في تحرير صحيفة عُمان أدباء وشعراء من المنطقة مثل الأديب المؤرخ عبد الله بن صالح المطوع، وأحمد بن حديد، ومبارك بن سيف الناخي، وحميد بن عبدالله الكندي وحمد بن عبد الرحمن المدفع.
وكانت من مصادر الأخبار العربية لصحيفة عُمان، تلك الرسائل والخطابات التي تصل إبراهيم المدفع من الهند، حيث الوجود العربي الخليجي في أسواق تجارة اللؤلؤ في بومباي. وتوقفت عُمان بعد سنة من الصدور.
وعاود المدفع مرة أخرى المحاولة والمبادرة الصحفية عام 1933م. حيث تعاون مع بعض أصدقائه المثقفين وأسس صحيفة «صوت العصافير». وهي صحيفة جاءت لتتناول الظروف المعيشية والأحوال الاجتماعية. واستمدت صوت العصافير مادتها ومعلوماته كسابقتها (صحيفة عُمان) من الصحف العربية التي كانت تصل البلاد مثل صحيفة الأهرام ومجلة الهلال ومجلة المنار وصحيفة فلسطين وصحيفة الفتح وصحيفة الشورى والعروة الوثقى وأم القرى والرسالة.
وكانت صوت العصافير صحيفة حائطية وتكتب بخط اليد وبعد أن يتم تحريرها كان يقوم المدفع بتوزيعها على من يشاركه همومه، ثم يعلق كل عدد جديد منها على باب مجلسه ليقرأها من يمر في الطريق.
كما أسس المدفع مكتبته الخاصة عام 1933م. في منطقة مريجة الشارقة ـ فريج السوق أو فريج المدافعه الممتد بين بيت عيسى بن عبد اللطيف السركال الوكيل المحلي للتاج البريطاني من الشرق وبيت سالم المزروعي من الغرب. وكانت مكتبة غنية بأمهات الكتب والمصادر والمراجع، بلغ عدد عناوينها ما يقارب أربعمائة عنوان متنوع بين ديني وأدبي.
وكان إبراهيم المدفع له حضور في مختلف المظاهر والفعاليات الثقافية والاجتماعية والوطنية والقومية، فإلى جانب الريادة في مجال الصحافة، فإنه اهتم بالشعر الفصيح والنبطي ودافع بفكره وقلمه عن قضايا الوطن والأمة، وكان شديد الحرص على قيام دولة الاتحاد، حيث أسهم في وضع لبناته التأسيسية الأولى. وكان المدفع كاتب السر الخاص والأمين على المال للشيخ سلطان بن صقر القاسمي ورافقه في غدواته وروحاته حتى وفاته رحمه الله.
ومن الأعمال التي مارسها، ترؤسه في عام 1940م لدائرة حكومة الشارقة، وكان من مهامه الإشراف على الجمارك والمالية بالشارقة. وإلى جانب هذا العمل، مثل حكومة الشارقة في مكتب مقاطعة إسرائيل. وحضر جلسات مكتب المقاطعة في البحرين خلال الخمسينات والستينات، إضافة إلى أنه مثل حاكم الشارقة في مجلس الحكام ومجلس التطوير الذي أنشأه الإنجليز في الإمارات المتصالحة. وكان من أهداف هذا المجلس تقديم بعض الخدمات والمشاريع الصحية والإنشائية.
اعتزل العمل الحكومي بعد أن اعتلت صحته. وقد وفاه الأجل المحتوم في الثامن عشر من مارس عام 1983م.

اقرأ أيضا

رواق الفن يطلق معرض «سرديات تأملية»