الاتحاد

منوعات

علماء: خطبة الوداع.. خريطة طريق ونبراس للأمة

 د. أحمد عمر هاشم

د. أحمد عمر هاشم

كانت خطبة حجة الوداع -التي تخللت شعائر الحج- لقاء بين الأمة ورسولها، لقاء توصية ووداع، لخص فيها النبي صلى الله عليه وسلم، أحكام الدين ومقاصده الأساسية في كلمة جامعة مانعة، خاطب بها صحابته والأجيال من بعدهم، بل والبشرية عامة، وتضمنت خطبة الوداع جملة من الحقوق الإسلامية والإنسانية، والتي بها قوام المجتمع الإسلامي.
وخطبة الوداع هي آخر خطبة ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم، بجبل عرفات في التاسع من ذي الحجة في السنة العاشرة من الهجرة، ويمكن اعتبار حجة الوداع أكبر تجمع إسلامي في العهد النبوي، فقد تجمع بعرفات نحو 125 ألفاً من الصحابة، وكانت قبل وفاة النبي بنحو شهرين، أعلن فيها بصورة أخيرة ونهائية كل الأشياء التي بعث من أجلها، وتعتبر نبراساً للأمة في جميع النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

استقرار التشريع
يقول الدكتور أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء، إن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع يعتبر من آخر ما استقر عليه التشريع، فلقد قالها في اليوم الذي أنزل الله تعالى فيه قوله: (... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً...)، «سورة المائدة: الآية 3»، وكان يوم جمعة التاسع من شهر ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، وبعدها في يوم الاثنين الثالث عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة توفي صلى الله عليه وسلم، فما ذكره في هذه الخِطبَة لم ينسخ بغيره من الأحكام.
ولقد بدأ النبي كلامه بقوله: «أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً»، إنها موعظة مودع، فحرص بهذه البداية على أن يجذب انتباه المؤمنين إليه فتلك وصيته لهم، تتناول أهم وأخطر الأمور.
وأولى الوصايا، التأكيد على حرمة الدم والمال، حرمة مؤبدة، كحرمة الزمان والمكان، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وكحرمة بلدكم هذا»، وبلغ اهتمامه بهذا الجانب مبلغاً عظيماً، فأعاد التأكيد عليه في نهاية الخِطبَة بقوله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمُنّ أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ مسلم من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، فلا تظلمُنّ أنفسكم، ألا هل بلغت».
ويضيف د. هاشم، ومن الوصايا أيضاً التأكيد على أداء الأمانة، مذكراً بأن الإنسان سيقف بين يدي ربه «وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها»، والأمانة تتضمن كل المسؤوليات التي يتحملها الفرد، بدءاً من أمانة العبادات التي لا تبرأ ذمة الإنسان إلا بأدائها، مروراً بالحقوق الخاصة والعامة.
ومن الوصايا كذلك التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار العلاقة بين الزوجين، قال صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إن لكم على نسائكم حقاً ولهن عليكم حقاً، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله». كذلك أكد رسول الله على مرجعية المسلم الوحيدة، وهي الكتاب والسنة، يقول صلى الله عليه وسلم: «وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنة نبيه»، تلك المرجعية التي لا ضلال ولا شقاء معها، تضمن تحقيق الأمن والأمان لكل الناس، والعدل والمساواة حتى لغير المؤمنين بها، والفلاح والفوز في الآخرة.

قواعد بناء المجتمع
ويؤكد الدكتور عبدالله النجار أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو مجمع البحوث بالأزهر، أن السعيد في الإسلام من اغتنم عمره في الطاعات وحرص على أيام النفحات والبركات، ومن هذه الأيام العشر الأولى من ذي الحجة ومنها يوم عرفة، حيث إكمال الدين وإتمام النعمة على المسلمين قال تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا»، فهذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة.
والخطبة التي ألقاها النبي صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع، تضمنت 500 كلمة فقط احتوت على عشر قواعد يمكن بناء المجتمع الإسلامي على أساسها، وكل ما فيها يؤسس لمختلف مجالات العلوم الحديثة، بدأت بقوله صلى الله عليه وسلم، «أيها الناس»، وهي توجيه صريح بأن مبادئ الخِطبَة للمسلمين ولغيرهم، وتضمنت أسس بناء المجتمع، وهو أساس صريح لمنع التمييز العنصري في جميع أشكاله، وهي الظاهرة التي سيطرت على المجتمع في زمانه، ولا زالت تسيطر على كثير من المجتمعات حتى الآن.
وقد تبنت الخِطبَة الأساس الصريح لعدم الظلم بين الناس، (... لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)، «سورة البقرة: الآية 279»، ومنعه بكل أشكاله حماية للمجتمع والناس، «وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب»، وهو إبطال صريح لأحد أسوأ عادات الجاهلية، وهو الثأر، وذلك لتحقيق السلامة والأمن للمجتمع.
وعالجت الخِطبَة المعاملات المالية، بقوله صلى الله عليه وسلم: «وإن ربا الجاهلية موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وقضى الله أنه لا ربا، وإن أول ما أبدأ به ربا العباس بن عبدالمطلب»، وهو إبطال للعادات الضارة بالأنفس والأموال، وإسقاط للربا للحفاظ على أموال الناس.
كما يبطل الرسول صلى الله عليه وسلم، الحيل الشيطانية ضد الأنفس والأموال، سواء على مستوى المجتمع أو الفرد بقوله: «إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحرقون من أعمالكم فاحذروه على دينكم»، ووضع النبي نصاً صريحاً يتناول التأمين التكافلي للمجتمع، بحيث يضمن الجميع نصيبهم من المال والدنيا بالوراثة الشرعية: «إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية».

القاهرة (الاتحاد)

اقرأ أيضا

«الاتحاد» تحصد جائزتي «أفضل تغطية» و«أفضل صورة»