الاتحاد

ثقافة

السرعة كهويّة للأجساد

كلّ آلة هي تأويل للزمان والمكان وطريقة في الانتماء إليه

كلّ آلة هي تأويل للزمان والمكان وطريقة في الانتماء إليه

د. فتحي المسكيني

في سنة 1977 نشر باحث فرنسي في التخطيط الحضري يُدعى بول فيريليو بحثاً طريفاً تحوّل فجأة إلى كتاب برنامجي حول فلسفة جديدة ومثيرة، عنوانه «السرعة والسياسة. بحث في الدرومولوجيا» 1. وإنّ عنصر الطرافة هنا هو تأويل الحداثة بعيدا عن كلّ نماذج التفسير المعروفة لدى التنويريين (الذاتية، الحرية، التقدّم، القانون الطبيعي، العلمانية،...)، بوصفها لا تعدو أن تكون مشكلاً «درومولوجيّا»، أي مجرّد سياسة جديدة في احتمال علاقة الأجسام بالمكان والزمان، مجرّد سياسة في السرعة، نعني في معدّل تغيّر المسافة بالنسبة إلى الزمن في وعي المعاصرين وفي بنى المجتمع نفسها. وهي كمّية فزيائية وليست مشكلاً ميتافيزيقياً يمكن لأيّ ثقافة تقليدية أن تجادل فيه من دون شروط تُذكر.
لا يتعلق الأمر بمجرّد تغيير في الوعي بالزمان ينقلنا من الزمان الطبيعي إلى الزمان التاريخي كما ظنّ فلاسفة التاريخ منذ هيغل، بل إنّ «الدرومولوجيا» تعني دراسة الزمان الطبيعي بوصفه هو الذي غيّر وعينا التاريخي بلا رجعة. لقد غيّر الزمان سرعته. وصرنا أمام نوع جديد من استعمال الأجساد في العالم.
لكنّ علاقة الحداثة بالدرومولوجيا أو علم السرعة هو في الحقيقة إشارة مفهوميّة متأخّرة إلى تغيّر بنيوي سابق أصاب وعي الأوروبيين بالزمن حدث قبل ذلك بأكثر من قرن من الزمان، ويمكن أن نؤرّخ له بظهور «القطار» ما بين 1825 و1850 في أنحاء مختلفة من أوروبا الحديثة 2. ربّ ظهور بدأ أوّلا في انجلترا ثمّ تسرّب إلى أنحاء أوروبا مثل علامة مسجّلة ترسم خرائط الحداثة في كل مكان 3. قال فيلسوف ألماني في سنة 1836: «إنّ اختراع الآلات البخارية أو بناء القطارات لهو أمر أكثر أهمّية من الاكتشاف الأكثر دلالة في ميدان العلم» 4. وإن كان هذا لم يمنع مفكّراً دينيّاً غاضباً مثل كيركغارد من أن يشبّه الزواج في كتابه «إمّا... وإمّا..» بعبارة «ركوب قطار التفاهة».

ظاهرة
كان القطار في أوّل ظهور له بمثابة جسم آليّ غريب لا يشبه أيّ واحد من كائنات النقل المعتادة، نقل فجأة مفهوم السرعة من الحيوان إلى الآلة بلا رجعة. وعلى الرغم من كلّ منجزاتها الوجودية والمعيارية فإنّ الحداثة قد ظلّت إلى بداية القرن التاسع عشر ادّعاء أخلاقياً لنوع من الشعوب ضد أخرى، حتى أخذت تترجم مفاهيمها إلى كائنات تكنولوجية نقلتها فجأة من العالم القديم (الذي بقي صامدا من الناحية الحضرية ولم يسقط منه إلاّ هويته السردية) إلى العالم الجديد (الذي هو بالتحديد تغيير تكنولوجي بحت في أجهزة عالم الحياة ومن ثم في علاقة البشر بالزمان والمكان).
وهكذا يمكن للمؤرّخ أن يلقي ببصره إلى ظاهرة السرعة كيف تطوّرت بشكل مرعب من نقطة انطلاق أوّل قطار لنقل المسافرين إلى نقطة انطلاق أوّل مكوّك لغزو الفضاء. ويمكن نعت هذا التحوّل الهائل بأنّه الدخول في المرحلة «الدرومولوجية» التي صارت فيها السرعة مفهوماً مركزّياً لمعالجة السؤال عن معنى الكينونة في العالم، نقلها من «عصر اللغات» (كل الحضارات ما قبل القرن التاسع عشر كانت مجرّد اختراعات سردية ناجمة عن اختراع الكتابة) وقذف بها في دوّامة غير مسبوقة من «عصر السرعة» من حيث هي كمّية غير لغوية ولا يمكن السيطرة عليها بالفواعل السردية (بحيث تبدو كل الحضارات القادمة بمثابة منافسات مرعبة على تطوير معدّل تغيّر المسافة بالنسبة إلى الزمن ليس فقط في وعي البشر بل في طريقة تنقّلهم داخل الكون).

تأويل
ولكن كيف تلقّى المحدثون، ونعني خاصة الكتّاب والشعراء منهم، هذا التغيّر المثير الذي أحدثه ظهور القطار في نمط الحياة الحديثة؟ كيف تأوّلوا الانتقال من عصر «الديمومة» أو الحضور السردي الطويل الأمد لعلاقة الإنسان التقليدي بالمكان والزمان إلى عصر السرعة أو التغيّر التكنولوجي في ماهية الزمان بواسطة تحرّر مطّرد ومرعب من جاذبيّة المكان؟
كان التاريخ السياسي للقطار مشكلا بحدّ ذاته قبل أن يتحوّل لاحقاً إلى «تيمة» أدبية وموضوعة روائية ولوحة تشكيلية وحقل سينمائي وحتى إلى جهاز عسكري. ويمكننا أن نذكر هنا أنّ القطار لم يتم تنصيبه في البلاد الحديثة دون نزاعات سياسية أو قانونية على استعمار عالم الحياة وتطويعه للدول. ويكفي أن نحيل هنا على النقاشات الواسعة للرأي العام والحكومة في فرنسا ما بين 1838 و1842 حول خطورة حوادث القطار في المشهد الحضري الفرنسي، وهي نقاشات نجد صورة نموذجية عنها في نصوص الشاعر (الذي كان نائبا) ألفونس دي لامرتين، وخاصة خطابات سنة 1842 أمام مجلس النواب، والذي كان متخوّفاً جدّاً من أن يصبح هاجس السرعة في التنقل بين باريس ومارساي مثلا طريقة حداثيّة لعزل المدن الجانبية الأخرى التي ستصبح مجرد علامة على البطء التكنولوجي وليست جزءاً حيويّاً من «الأمة». كان لامرتين نائباً سياسياً يتكلّم على لسان شاعر خائف من دخول عصر السرعة، نعني من الكلفة الإنسانية لتنصيب سكك الحديد بوصفها الإطار الجديد للعلاقة بين المواطنين وبلادهم.
منذ البداية كان اللقاء الأوّل مع القطار مشكلاً رومانسيّاً، أكان ذلك سلباً (كما مع دي موسيه، حيث فُهم القطار بوصفه استعارة ثقيلة للسآمة الحديثة، بلغ هالته العليا في دروس هيدغر عن «ملال» الكينونة سنة 1929) أو إيجابا (كما مع هوغو، حيث تمّ تطوير تجربة غير مسبوقة عن الشعور بالسرعة بوصفه حدثاً ميتافيزيقياً رائعاً).
ما حدث هو أنّ دلالة القطار قد باتت جزءًا من الأدب المعاصر 5، بحيث صار تاريخ القطار والتنقّل بالقطار بنية أدبيّة لفهم وتأويل تأثير عصر التصنيع في دلالات الزمان والمكان منذ القرن التاسع عشر 6. لأوّل مرة أخذ الإنسان الحديث ينخرط في مكان وزمان صناعيين مشتقّين رأسا من آلة مستقلة عن جسده وليس لها أيّ قاسم مشترك معه. وهذا هو معنى خروج العلاقة بالمكان والزمان من نطاق الحيوان بلا رجعة والدخول في عصر الآلة. لكنّ ما يهمّنا بشكل حصري هنا هو تأثير القطار في خيال الكتابة المعاصر 7 بوصفه صورة سردية عن نوع جديد من عالم الحياة يمرّ هذه المرة عبر تصنيع الأوقات والمواقع وليس انتظارها أو استهلالها.

اشتباك
وخير مثال لنا عن هذا الاشتباك الرومانسي مع ظهور القطار هو رسالة كتبها الشاعر الفرنسي فيكتور هوغو سنة 1837 إلى زوجته بعد أن استقلّ القطار لأوّل مرة، في أوّل لقاء له مع هذا الجسم غير الحيواني لنقل البشر بعد ريبة سابقة من ضخامته المرعبة.
قال: «لقد تصالحت مع سكك الحديد، وإنّه لأمر جميل جدّا... إنّها حركة رائعة ويجب على المرء أن يشعر بها حتى يفهم ذلك. إنّ السرعة لا تُصدّق. فإنّ الأزهار التي على حافة الطريق لم تعد أزهارا، بل صارت بقعاً أو خطوطاً حمراء أو بيضاء، لم يعد ثمّة نقاط بل كل شيء صار شعاعاً، صار القمح ضفائر كبيرة صفراء، والبرسيم جدائل طويلة خضراء، وإذا بالمدن والنواقيس والأشجار ترقص وتتخالط مجنونة في الأفق، ومن حين إلى آخر، ظلٌّ أو شكل أو طيفٌ، واقفاً، يظهر ويتلاشى مثل برق، بجانب باب المسافرين... كان الركب الذاهب إلى بلجيكا قد لاقى ركبنا. ولا شيء يخيف أحدا مثلما تخيفه تلك السرعتان وهما تتحاذيان، واللتان، بالنسبة إلى المسافرين تتضاعفان الواحدة بالأخرى. لم يكن ثمّة شيء يميّز المرء من ركب إلى آخر، لا أحد يرى شيئاً يمرّ لا العربات ولا الرجال ولا النساء، هو لا يرى إلاّ أشكالاً بيضاء تمرّ أو ظلالاً مهرولة في تيّار... لابدّ من جهود كبيرة حتى لا نتخيّل أنّ حصان الحديد ليس دابّة حقيقيّة. نحن نسمعه ينفث الهواء وهو ساكن، يتذمّر عند الانطلاق، ينبح في الطريق، يعرق، يرتعد، يحمحم، يتباطأ، يندفع، يلقي طيلة الطريق برازا من الفحم المحروق والماء المغلي... لكنّ المرء يفهم الآن أنّه ليس أقلّ من هذه الدابّة المذهلة حتى يمكن جرّ ألف أو ألف وخمسمائة مسافر، وكلّ سكّان مدينة، بسرعة 12 فرسخاً في الساعة» 8.
كلّ ملامح هذا اللقاء الشعري بالقطار سوف تصبح مادّة سردية وتشكيلية وسينمائية لأجيال لاحقة من المبدعين المعاصرين تمتدّ في الرواية من جول فيرن («حول العالم في ثمانين يوما»- 1872)، وإميل زولا («الدابّة البشريّة»- 1890)، إلى أغاتا كريستي («لغز القطار الأزرق»- 1928)، وباولو كويلو (رواية «ألف»- 2011)، كما تمتدّ في الرسم من وليام تيرنر (لوحة «المطر والبخار والسرعة سكة الحديد الكبرى في الغرب» – 1844)، إلى فان غوغ («عربات سكة الحديد»- 1888) وبول دالفوا (لوحة «قطار منتصف الليل»- 1947 أو لوحة «قطارات الضواحي»- 1958)، أو في السينما من «وصول قطار من سيوتا»- 1895 (للفرنسي لويس لوميار)، إلى «جريمة في قطار الشرق السريع»- 1974 (للبريطاني سيدني لوميت)، أو «غير قابل للإيقاف»- 2010«(للأمريكي توني سكوت). دون أن ننسى أنّ للعرب المعاصرين أيضا لقاءات شعرية حديثة مع ظاهرة القطار من قبيل قصيدة إيليا أبو ماضي (ت. 1957)«في القطار»(«سرى يطوي بنا الأميال طيّا»)، أو قصيدة نازك الملائكة»مرّ القطار«(1948).
في كل هذه المرات مثّل القطار استعارة كبرى تقوم على مزج ما بعد تمثيلي بين الحركة والزمن، على نحو ينقل الجسد المعاصر من العالم القديم (القائم على ديمومة الحضور) إلى العالم الحديث (القائم على مفهوم السرعة والتسارع). وعلى الرغم من أنّه قد مرّ ما يقارب القرنين على ظهور القطار في مشهد الحياة اليومية في عصر التكنولوجيا، إلاّ أنّ ركوب القطار من أجل خرق الزمن وسحب وطأة المكان على الأجساد أو الحدّ منها بشكل مذهل، لا يزال حدثاً وجودياً وجماليّاً لم نؤرّخ له كفاية.
قال نيتشه في إحدى شذرات القسم الأخير من كتابه «إنساني، مفرط في إنسانيته»، والذي عنوانه هو«المسافر وظلّه» (الفقرة 278): «مقدّمات عصر الآلات.- إنّ الصحافة والمكنة وسكّة الحديد والتيليغراف هي مقدّمات تنطوي على نتيجة عمرها ألف سنة لم يتجرّأ أحدٌ بعدُ على استخراجها».

تعديل

لا يخفى أنّ ما يجمع بين هذه الاختراعات جميعا هو علاقتها بالسرعة: الصحافة والمكنة والتيليغراف كلّها تشترك مع سكة الحديد في خرق العلاقة التقليدية بالزمان، وتستولي على مساحة غير مسبوقة من الكينونة، هي السرعة. لكنّ الأخطر هو أنّها تدشّن عصرا جديدا هو»عصر الآلات«(Maschinen-Zeitalter) أو«عصر المكنة»، حيث سيتعيّن على الأجساد البشرية أن تعدّل سرعتها، ومن ثمّ أن تعدّل من هويّتها. لكنّ نيتشه كان يفكّر هنا في سياق تيّار سيطر منذ أواسط القرن التاسع عشر يحرّكه خوف وهوس من أن تسيطر«الآلات» على أجساد«البشر»، أو تلغي الحاجة إليها، أطلق عليه كاتب فرنسي (Jules Michelet) سنة 1843 اسم»machinisme«(الآليّة أو النزعة الميكانيكية). وإنّ نقد النزعة الآليّة قد ظلّ منتشرا في نصوص المعاصرين ليس فقط بين الفلاسفة من ماركس 9 إلى برغسون 10 بل صار خصومة أدبيّة عامة 11.
هذا الجوّ المعادي لعصر الآلات والخاضع لخصومة«النزعة الآليّة»التي تهدّد بـ«مكننة العالم»12، وهي نزعة قد سيطرت ما بين 1850 و1945، هو من الخطورة الأخلاقية والنظرية بحيث أنّ فيلسوفا كبيرا مثل هيدغر صاحب أكثر كتاب فلسفي في القرن العشرين، نعني كتاب«الكينونة والزمان»المنشور سنة 1927 هو في حقبته الأولى لم ير التغيير الجذري الذي أحدثه الدخول في«عصر الآلات» التي ذكرها نيتشه، نعني الصحافة والمكنة وسكّة الحديد والتيليغراف. وليس من العجب أنّ هيدغر في نصوص هذه الفترة، كما نرى ذلك في درس المفاهيم الأساسية للميتافيزيقا الذي ألقاه سنة 1929 1903، هو لا يرى«القطار» بل يصرف اهتمامه التفكيكي نحو«المحطّة» التي تظهر في ثنايا الأمثلة التي يسقوها حول«سآمة» الكينونة في العالم التي تتحوّل إلى فنّ في الانتظار»في محطّة بلا جاذبيّة لقطار لا يأتي إلاّ بعد أربع ساعات«13. ويبدو أنّ جيل الوجوديين قد رأى في المحطّة عدوّا فينومينولوجيّا استغلّه في طرح قضايا القلق. إنّ سارتر مثلا يصف محطة ميلانو المركزية (Milano Centrale)، بعد أن أراد موسيليني أن تمثّل المحطّة علامة على قوّة النظام الفاشي، بأنّها«أقبح معلم في كل إيطاليا»14. صار الفرد في حقبة ما بين الحربين لا يعرف القطار الرومانسي الذي ركب فيه فيكتور هوغو قبل ذلك بقرن كامل، بل فقط قطار الحرب العالمية قطار المحتشدات. ولذلك يبدو أنّ استعارة القطار قد انسحبت قليلا في ذلك الوقت كي تترك المجال أمام مجاز المحطة، الذي هو مناسب لأدب ممزّق بالحروب ويحتاج إلى تأويلية جديدة لجسده، في أوروبا قلقة على المكان، بعد أن فقدت الوتيرة الناعمة لزمن التقدّم.
ومن ثمّ كان لابدّ من انتظار نهاية الحرب حتى تنتهي الحاجة الأدبية إلى التيمة الوجودية للمحطة ويعود المفهوم التشكيلي للقطار إلى الخدمة. ويبدو لنا أنّ هذا لم يكن ممكنا إلاّ بعد تجذير فلسفي مثير للسؤال عن«ماهية التقنية» قام به هيدغر نفسه بدءًا من سنة 1949 (محاضرة«Gestell»في بريمن) وخاصة مقالة«في السؤال عن التقنية»سنة 1953.
وعلى الرغم من أنّ هيدغر لا يذكر القطار بل يستمرّ في تجاهله، إذ هو لا يعتمد إلاّ على أمثلة السيّارة والطائرة والمحطة الكهربائية والنووية، فهو قد نقل مبحث الفلاسفة من نطاق نقد «عصر الآلات» إلى تفكيك «ماهية التقنية» نقلاً حاسماً ومفزعاً، يمكن أن يفيدنا هنا إفادة جوهريّة من حيث أنّه قد بين أوّلاً أنّ ماهية التقنية ليس تقنية، أي أنّ التقنية ليست مجرّد أداة 16 يصنعها كائن يسيطر عليها، وثانيا أنّ ماهية التقنية هي ما يسمّيه «Gestell»، أي النداء الخفي الذي يدعو الإنسان إلى«تسخير» الطبيعة في شكل «مخزون» مادي وحسابي وآلي وجعله تحت «التصرّف»17.
وهذا النداء نحو تخزين كينونة الكائن وجعله مراكماً وقابلاً للاستعمال هو نمط استكشاف 18 حقيقة الطبيعة على نحو يحرّض الإنسان على الانخراط فيه دون أن يسمح له بتغيير مصيره. التقنية هي معاملة الطبيعة بوصفها «مخزونا احتياطيا للطاقة» 19 يسخّره الإنسان لكنّه لا يستعمله كمجرّد أداة، بل كنمط مهيكل لكينونته. وهكذا يذهب هيدغر إلى أنّ ماهية التقنية هي «مصير» 20 ننخرط فيه لكن لا نتحكّم فيه. ولذلك هو يفهم«المحرّك» بوصفه أساس ماهية التقنية، لكنّ المحرّك ليس مجرّد أداة بل هو نمط من الكشف عن ماهية المادّة بوصفها مخزوناً قابلاً للتسخير والاستعمال في كل مرة.
ولذلك لا تعني السرعة هنا مجرّد نوع من الحركة، بل كمّية من القوّة الفيزيائية تمّ تصنيعها بواسطة موقف غير ميتافيزيقي من الكائن. أي طريقة في جمع الكائن وتسخيره واستفزاز الطاقة التي تحتوي عليها طبيعته وجعلها تحت التصرّف، حيث إنّ التقنية هي موقف من ماهية الكينونة يتخطّى كلّ تصوّر أنثروبولوجي لأدوات حياة اليومية.

انتماء
حين نركب القطار نحن لا نستعمله، بل ننتمي إلى عالمه. منذ هيدغر لم يعد ثمّة أيّ معنى لنقد «عصر الآلات» الذي عاصره نيتشه وحاول ماركس أن يستثمره في نقد الرأسمالية بوصفها استعمالاً سيّئاً لوسائل الإنتاج، ومنها سكك الحديد. إنّ الجديد هو أنّ «عصر التقنية» لم يبدأ مع ظهور الآلات بل هو أساس خفيّ لعلاقة الإنسان بكينونة الكائن الذي ليس من جنسه. وهي علاقة ظلّت حبيسة تصوّر سببيّ للمادة ظنّ أنّه يمكن السيطرة عليه وتملّكه من خلال فهمه، أي من خلال نقله من رتبة «الحيوان» (كما ظنّ اليونان أنّ الكسموس حيوان) إلى رتبة «الآلة» (أي الأداة المستقلة عنّا كما ظنّ الفلاسفة من ديكارت إلى هيغل). لكنّ ماهية التقنية أخطر وأعمق: إنّها تتعلق بماهية العلاقة التي وجد الإنسان نفسه مدعوّا للانخراط فيها دون أي قدرة على إيقافها، نعني علاقة«التقنية». التقنية ليست تقنية لأنّها ليست آلة وإنّما هي نمط السكن في العالم بعد عصر الآلات. وعندما ننتقل من مجرّد استعمال الآلات أو «معاصرتها» إلى تبنّي نمط الكينونة في العالم الذي تجذبنا نحوه من الداخل، نحن نكتشف، حسب تعبير هيدغر، أنّنا «متأخّرون»(Spätgeborenen) 21 عن ماهية التقنية التي نستجيب لندائها دون أن نراها، ولا يعني ذلك سوى أنّنا متأخّرون عن»حرّية«ما علينا تداركها: ليست التقنية مجرد انتصار على السببية باسم إرادة ما، فالحرية ليست مجرد إرادة، إنّها انتماء إلى «ميدان» الكينونة التي نجحت في استكشاف «السرّ» الذي يدعوها إلى الانكشاف دون أن تعرفه. وهو ميدان الحقيقة. ماهية التقنية هي النجاح في ترتيب علاقة حرّة مع كينونة حرة حول ماهية حرة 22. قال هيدغر: «إنّ الحرية هي ميدان المصير الذي يحمل في كل مرة استكشافا ما على الطريق الذي يخصّه» 23.
ربما يظلّ كلام هيدغر غامضاً ومخيفاً لأنّه يجرّ عقولنا نحو الجهة غير المرئية من لغة العصر التي نتكلّمها في غيابنا. وقد وصل بعض زملائه القدامى إلى حدّ وصف تفكيره بأنّه يشبه«حادث قطار خلاّق»(produktives Eisenbahn-Unglück) 24، مصيبة رائعة جدّت في سكك حديد العقل من حيث هي نموذج للفكر المستقيم. وهو من الطرافة بحيث أنّ هيدغر نفسه يعترف بأنّ نصّ الكينونة والزمان مثلا هو «كارثة» أو «حادث» 25، لكنّه يضيف قائلا: «كلّ تفكير حقيقي، على خلاف الشعر، هو في أثره المباشر، نوع من الكارثة» 26. إلاّ أنّ ذلك لا يمنع الإقرار بأنّ هيدغر كان يفكّر في الكارثة في سياق محدّد كان لمّح إليه بداية من نصوص الثلاثينيات، حيث ينبّه في درس «مدخل إلى الميتافيزيقا» سنة 1935 إلى أنّ «الزمن لم يعد سوى مجرّد سرعة، مجرّد [كينونة] لحظيّة وتزامنيّة، وأنّ الزمن من حيث هو تاريخ نابع من كيان كلّ الشعوب هو قد اضمحلّ تماما»27، وهو لا يعني عنده سوى«الانحطاط الروحي للأرض»28.
ولذلك فإنّ السرعة ظلّت دوما ظاهرة مرعبة، لم تفلح «درومولوجيا» فيلسوف مثل بول فيريليو، نعني تلك الفلسفة التي تطرح السؤال عن «ماهية السرعة»، من تخفيف حدّتها، بل إنّها قد قُرئت بوصفها لا تعدو أن تكون تجذيرا لأطروحة هيدغر عن ماهية التقنية 29. ولذلك وُصف عمله المثير بأنّه ينطوي على نوع من» عدميّة السرعة «30، السرعة بوصفها الطور الأقصى من كينونة ميتافيزيقية متعبة بهاجس التقنية الذي لم يعد له هدف على مقاس الإنسانية، ومن ثمّ لا يؤدّي إلاّ إلى «التخلّص من العالم» (Liquidation der Welt) 31. لكنّ فيريليو أكثر طرافة من مجرّد طرح عدمي: إنّه فقط من «أركيولوجي المستقبل» لا يريد السرعة لذاتها بل تحرير السرعة من معناها غير الحديث. ولأنّه يعتبر نفسه«طفل حرب» فهو يتحاشى مقولة «الكارثة» لكنّه يرفع «الحادث»(accident)، والذي يعني في مصطلحنا القديم «العرض»، إلى رتبة مفهوم جذري للتفكير. قال: «إنّ الخروج عن السكة ليس أمرا أراده رئيس عملة سكة الحديد وأقلّ من ذلك سائق العربة. إنّ الحادث يحدث بشكل غير متوقع. إنّ الجوهر ضروري عندما يكون الحادث نسبيّا وعرضيّا» 32. ولذلك فما يخيف المجتمعات ليس هذا الحادث أو ذاك بل مفهوم «الحادث العام» الذي يمكنه أن يعطّل عصر التقنية أو ماهية التقنية. لكنّ الإنسانية بإمكانها مقاومة هذا الخطر بواسطة ما يسمّيه فيريليو«إيكولوجيا رمادية» في مقابل «الخضراء» الخاصة بالأشياء الثابتة، أمّا الرمادية فهي «إيكولوجيا المسافات» إزاء الآخر وإزاء العالم. ومع أنّ البشر ما يزالون بعيدين جدّا عن خرق المسافة القصوى، نعني جدار السرعة الحدّية لعالمنا، سرعة الضوء، فإنّ عالمهم مصنوع من السرعة: «إنّ السرعة بيئة، هي بيئتنا. ونحن لا نسكن سطح الأرض فقط، بل نحن نسكن السرعة». وكل واحد منا هو كتلة من الزمن والمكان في كرّة واحدة، تدور في وسط من السرعة، حيث كلّ آلة نركبها هي تأويل لهذا الوسط وطريقة في الانتماء إليه بوصفه عالمنا 33.

الهوامش

1 - Paul Virilio، Vitesse et Politique: essai de dromologie (Paris: Galilée، 1977).
وقد تُرجم هذا الكتاب إلى العربية ترجمة جيّدة من طرف باحث تونسي، تحت عنوان محوّل قليلا، يُنظر: بول فيريليو، السرعة والسياسة. من ثورة الشارع إلى الحق في الدولة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016).
2 - Cf. Wolfgang Schivelbusch، Geschichte der Eisenbahnreise: Zur Industrialisierung von Raum und Zeit im 19. Jahrhundert (FISCHER Taschenbuch; Auflage: 7، 2000).
3 - يُنظر مثلا:
Carter، Ian. Railways and culture in Britain: the epitome of modernity. (Manchester، UK; Manchester University Press، 2001).
Cf. Heinrich Schmid، Vorlesungen über das Wesen der Philosophie und ihre Bedeutung für Wissenschaft und Leben، Liesching، 4 Stuttgart 1836، p. 82.
5 - مثلا:
- Cf. Baroli Marc، Le train dans la littérature française (Paris: Editions Nm، 1969)
6 - مثلا:
- Luca Marzo، «Corps et lieux à l›heure de leur accélération technique»، in: Sociétés 2005/ 4 (n° 90)، pp. 109-117.
7 - Remo Ceserani، «The Impact of the Train on Modern Literary Imagination”، in: Stanford Humanities Review- Volume 1.1 (1999
8 - Victor Hugo، Œuvres Complètes. Tome II. Texte établi par G. Simon، (Librairie Ollendorff، 1910) p. 92-96.
9 -Karl Marx، Les révolutions de 1848 et le prolétariat، 1856.
10 - Caterina Zanfi، «La machine dans la philosophie de Bergson»، in: Annales Bergsoniennes VI (2013)، pp. 275-296.
11 - Cf. Jean Grave، Le Machinisme، Les temps nouveaux، 1898 ; réédition: Hachette، 2015 ; Henri Vaysse، Plaidoyer pour le machinisme، les Éditions claires، 1948.
12 - Walther Rathenau، La mécanisation du monde، 1913. Tr. fr. Aubier Montaigne، 1992
13 - M. Heidegger، Les concepts fondamentaux de la métaphysique، (Paris، Gallimard، 1992)، p. 125.
14 - Jean-Paul Sartre، Situations IV (Paris: Gallimard، 1964)، p. 338.
15 - Martin Heidegger، „Die Frage nach der Technik (1953) „، in: Vorträge und Aufsätze (Vittorio Klostermann GmbH • Frankfurt am Main • 2000)، p. 7. „Die Technik ist nicht das gleiche wie das Wesen der Technik.“
16 - Ibid. p. 8.
17 - Ibid. p. 20.
18 - Ibid. p. 21.
19 - Ibid. p. 22.
20 - Ibid. p. 25.
21 - Ibid. p. 20
22 - Ibid. p. 25-26.
23 - Ibid. p. 26: «Die Freiheit ist der Bereich des Geschickes، das jeweils eine Entbergung auf ihren Weg bringt.“
24 - Cf. Christian Weber، Max Kommerell: eine intellektuelle Biographie (Berlin: Walter de Gruyter، 2011)، p. 475.
25 - M. Kommerell، Briefe und Aufzeichnungen، Walter، 1967، p. 402.
26 - Ibid.
27 - M. Heidegger، Einführung in die Metaphysik (Tübingen: Max Niemeyer Verlag، 1953)، p. 29: „…wenn Zeit nur noch Schnelligkeit، Augenblicklichkeit und Gleichzeitigkeit ist und die Zeit als Geschichte a us all em Dasein aller Volker geschwunden ist…“
28 - Ibid.
29 - Michael S. Drake، «Politics or Apocalyptics؟ Paul Virilio and the question of military technology”، in: Speed 1.4 (1997)، at: http://nideffer.net/proj/_SPEED_/
30 - Stefan Breuer، «Der Nihilismus der Geschwindigkeit: Zum Werk Paul Virilios“، in: Leviathan Vol. 16، No 3 (1988)، pp. 309-330.
31 - Ibid. p. 309.
32 - François Ewald، «Paul Virilio، pris de vitesse»، in: Magazine Littéraire، no 337، novembre 1995.
33 - Ibid.

اقرأ أيضا

400 كتاب عربي تطوف العالم