الاتحاد

ثقافة

«الهايبرلوب».. طيران على الأرض!

من عصر الفحم والبخار إلى زمن «القطار الرصاصة»

من عصر الفحم والبخار إلى زمن «القطار الرصاصة»

الفاهم محمد

يقول الموسيقي الفرنسي جلبرت بيكود إن: «قطار الحياة هو قطار صغير يمتد من جبال الملل إلى تلال الفرح». ويقول محمود درويش: «مر بي القطار سريعاً ـ مر بي ـ وأنا مازلت أنتظر». هذه فقط عينة صغيرة من الأمثلة التي توضح أن كلمة القطار أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ثقافتنا المعاصرة، منذ أن بدأت ملحمة السكك الحديدية خلال القرنين السابقين، لم يغير القطار فقط حركة المسافرين في المدن والحواضر، بل غير أيضاً استعارة فهمنا للحياة. هذه الوحوش المعدنية الجبارة، وهي تشق الروابي والحقول بهديرها المنتظم وصفيرها المتقطع، جعلت الثورة الصناعية ذاتها ممكنة، حيث تربع القطار على عرش وسائل النقل الحديثة، مزيحاً بذلك الحصان الذي قام بهذا الدور لآلاف السنين، فقبل ظهور السيارات بحوالي قرن تقريباً، كان القطار هو الوسيلة الأساسية لنقل البضائع والمعادن والمسافرين.
يعود الفضل في ظهور القطار إلى اكتشاف المحرك البخاري على يد الاسكوتلاندي جيمس وات. كما قام بعد ذلك المهندس ريتشارد تريفنيك بتصميم أول قاطرة بخارية سنة 1804، ثم بدأت خطوط السكك الحديدية في الانتشار في أوروبا وأميركا. نذكر على سبيل المثال قطار سيبيريا العظيم الذي أمر قيصر روسيا بإنشائه، والذي يعبر سبع مناطق زمنية. وقطار الصين المزود بأقنعة للأكسيجين، بسبب عبوره لمناطق ترتفع لأزيد من 4000 متر عن سطح البحر، إضافة إلى خط سكة الباسيفيك في أميركا، الذي يصل غرب البلاد بشرقها بما يناهز 3069 كلم. وهكذا بالمجمل أصبح من يركب القطار كمن يركب التاريخ، ومن يرفض ذلك كما لو أنه يريد أن يظل خارج التقدم والحضارة.

لمحة تاريخية
ظهر أول خط للسكك الحديدية في التاريخ سنة 1825 في إنجلترا على يد جورج ستيفنسن مستخدما قطارات تسير بالطاقة البخارية. وفي فرنسا تم افتتاح أول سكة حديدية سنة 1837 على طول 18 كلم تربط بين باريس وسان جرمان. كان القطار البخاري خلال هذه الفترة رمزاً للثورة الصناعية، قبل أن يتم التخلي عنه كي يصبح قطعة أثرية تذكر بطبيعة هذه المرحلة. يتطلب هذا المحرك كمية كبيرة من الفحم الحجري لتسخين الماء حتى يتحول إلى بخار. كما يتطلب ثماني ساعات من الصيانة والإعداد كي يتحرك، لذلك كان من الضروري تجاوزه.
ظلت تكنولوجيا صناعة القطارات تتطور باستمرار، في توازٍ مع التطور الحضاري ومتطلبات الحياة المدنية، فمن القطار البخاري الذي ظهر في المملكة المتحدة في بداية القرن 19 والذي لم تتجاوز سرعته في بداية الأمر أربعة كيلومترات في الساعة، إلى القطار الكهربائي الذي ظهر في أوائل القرن العشرين، ثم بعد ذلك قاطرة الديزل التي اخترعها الألماني رودولف ديسيل والتي تطورت كي تصل سرعتها إلى 156 كلم في الساعة عام 1935، وصولاً إلى التحف الصناعية الجديدة؛ مثل القطار الفائق السرعة الفرنسي TGV الذي وصلت سرعته سنة 2007 إلى 574 كلم في الساعة. تم افتتاح هذا القطار من طرف الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران سنة 1981 على خط باريس وليون، محدثاً بذلك قطيعة مع أشكال القطارات السابقة.
غير أن تطور القطارات لم يقف عند هذا الحد، بل ظهر قطار الرفع المغناطيسي الياباني أو المدعو اختصاراً بالماغيف Maglev والذي تفوق سرعته 600 كيلومتر في الساعة. هو قطار يتميز بكونه لا يحتاج إلى العجلات وبالتالي لا يتماس مباشرة مع السكة التي يوجد فوقها، بل هو يطفو عليها مما يساعده على الزيادة في سرعته. ولكن رغم التطور التكنولوجي لهذه النوعية من القطارات، فإنها لم تنتشر في العالم بسبب كلفتها الباهظة، مقارنة مع الأنواع الأخرى.
يمكننا الحديث أيضاً، ضمن تاريخ القطارات، عن القطار الطائر L›Aérotrain الذي بدأت فكرته مع مهندس فرنسي اسمه جان برتان. يتحرك هذا القطار على وسادة هوائية فوق محور على شكل حرف T مقلوبة ويندفع إلى الأمام بأي محرك من نوع المحركات المستعملة في الطائرات أو أيضاً محرك التوربين أو المحرك النفاث. يشبه هذا القطار الماغليف الياباني في نقطة محددة، وهي أنه بدوره يتحرك فوق محوره دون أن يلامس السكة. تبلغ سرعته 300 كيلومتر في الساعة، وفي بعض نماذجه يفوق سرعة 400 كلم، ويمكن اعتباره كمقدمة للقطار الفرنسي الشهير TGV الذي تفوق عليه بسبب اعتماده على الطاقة الكهربائية، بينما القطار الطائر يستهلك كميات كبيرة من الكيروسين.
باختصار لدينا اليوم العديد من القطارات السريعة غير التقليدية، إذا أردنا أن نقتصر على أسرعها لا بد أن نذكر قطار شين كانسين shinkansen H5 في اليابان والذي تبلغ سرعته 360 كلم في الساعة. والقطار الصيني فوشين هاو fuxing hao الذي يصل إلى حدود 400 كلم في الساعة. أما ماغليف شانجهاي shanghai Maglev فيصل إلى 430 كلم. غير أن العديد من الدول مازالت تشتغل على مشاريع لقطارات أخرى، من المرجح أنها ستتجاوز قريباً هذه السرعات، مثل الصين واليابان وفرنسا وغيرها.

قطار المستقبل
الأنظار تتوجه اليوم نحو القطار المستقبلي الهايبرلوب Hyperloop الذي تتجاوز سرعته سرعة الطائرات، إذ تبلغ 1200 كيلومتر في الساعة، أي أنه قريب من سرعة الصوت. يعود الفضل في ظهور هذا النوع الجديد من القطارات إلى إلون موسك، المدير العام للشركة الشهيرة سبيس إكس والذي قدم هذا المشروع سنة 2013 في سياق الأبحاث المرتبطة بغزو الفضاء وتحديداً استكشاف المريخ، حيث ينتظر مستقبلاً أن يلعب هذا القطار وسيلة النقل الأساسية فوق الكوكب الأحمر، غير أن تكنولوجيا الفضاء يمكن الاستفادة منها كذلك على الأرض، وهذا هو ما جعل إلون موسك يفتح هذا المشروع للتنافس أمام الشركات. اعتبر إلون موسك أن الهايبرلوب سيكون هو الوسيلة الخامسة للنقل في تاريخ البشرية، بعد الباخرة والطائرة والسيارة والقطار. مؤكداً أنه ينبغي العناية بالابتكار والتجديد، حيث قال: «لا يتعلق الأمر ببساطة بتكرار الماضي، بل بسبر قوانين الفيزياء». ورغم ضخامة هذا المشروع فقد رأى موسك أنه طرح الفكرة فقط، لكن شركته لن تقوم بتصنيعه لأنها منشغلة أكثر بمشاريع غزو الفضاء، وبالتالي فالسباق مفتوح أمام أي شركة ترغب في تنزيل هذه الفكرة من الورق والمخططات إلى أرض الواقع. وبالفعل تقدمت حتى الآن ثلاث شركات من أجل تحقيق هذه الفكرة، كما شرع في التجارب الأولى في صحراء نيفادا وفي كندا وفرنسا ودول أخرى. وضع هذا الملياردير كهدف 2020 كي يقوم الهايبرلوب بأول رحلة له يحمل فيها شحنة من البضائع. وفي السنة الموالية سيقوم بأول رحلة يقل في البشر نحو وجهتهم.
يمكن تعريف الهايبرلوب بشكل مبسط باعتباره أنبوباً طويلاً، توجد داخله كبسولات محمولة على حقل مغناطيسي يتم دفعها بوساطة الطاقة الشمسية. الهايبرلوب شبيه بوسائل النقل التي تظهر في أفلام الخيال العلمي. فهو عبارة عن كبسولات تتسع كل واحدة منها لعشرين فرداً، تسير مندفعة داخل أنابيب منخفضة الضغط.
للهايبرلوب امتيازات عديدة، إذ سيمكن من تجاوز الازدحامات الطرقية التي تعاني منها المدن والحواضر، خصوصاً كبريات المدن والعواصم في العالم. ونظراً لسرعته الفائقة سيمكن الإنسان من عبور مسافات طويلة خلال مدة زمنية وجيزة جداً. هذا معناه أن المرء يمكنه أن يعمل في جنوب بلاده، ويسكن في شمالها على بعد مئات الكيلومترات، خاصة أن كلفة هذا النوع من القطارات ينتظر أن تكون رخيصة. ذكر إلون موسك في حديثه عن هذا المشروع أنه يمكن الانتقال مثلاً من سان فرانسيسكو إلى لوس أنجلس خلال نصف ساعة، أي أقل من المدة الزمنية التي تتطلبها الطائرة. كما سيساعد الهايبرلوب على الحد من التلوث، والتقليل من الانبعاثات الغازية وتحسين المناخ. وبالإضافة إلى كل هذه الامتيازات يعتبر الهايبرلوب وسيلة النقل التي ستوفر أكبر قدر من السلامة والراحة للمسافرين، نظراً لأنه لا يتأثر بالعوامل المناخية كالأمطار والرياح والضباب. كما أنه لا يتأثر بانقطاع الكهرباء، نظراً لكونه يعمل ببطاريات الليتيوم المستقلة، والأهم كذلك هو أن تكلفته منخفضة، مقارنةً مع باقي أنواع القطارات، مما سينعكس إيجاباً على ثمن التذاكر.
ورغم أن البعض يشكك في إمكانية تحقيق هذا القطار الخارق، معتبرين أنه ليس سوى هذيان علمي وحلم طوباوي لن يتحقق بسبب الصعوبات التكنولوجية التي تعترضه، فإن المتحمسين يؤكدون على أن السؤال الذي ينبغي أن يطرح، ليس هو هل سيتحقق هذا المشرع، بل متى سيحدث ذلك؟ بمعنى أن الأمر يرتبط فقط بالمدة الزمنية الكافية للانتهاء من التجارب والأبحاث. هناك العديد من الدول التي قدمت طلبها لاحتضان هذا المشروع، منها السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأستراليا والهند وروسيا.
هكذا وبالنظر إلى المشاكل البيئية العويصة التي نعيشها حالياً، من المنتظر أن يكون الهايبرلوب ـ في حال نجاح المشروع ـ واحداً من التكنولوجيات الأساسية التي تساعد على الحد من الانبعاثات الغازية والحفاظ على نظافة البيئة، إضافة إلى توفير وسيلة نقل غير مسبوقة في التاريخ.

تغييرات عميقة
لقد عملت التكنولوجيا دائماً على إحداث تغييرات عميقة في الحياة البشرية. واليوم عبر هذا التطور الهائل الذي تعرفه القطارات، ها نحن نتجه إلى إلغاء فكرة المسافات الجغرافية، والحدود الفاصلة بين الدول والبعد المكاني. فإذا افترضنا أن الهايبرلوب سيصبح هو القطار الأكثر انتشاراً في المستقبل، هذا معناه أن الإنسان يمكنه أن يقوم بجولة حول العالم كي يرى أغلب العواصم، ثم يعود في نفس اليوم لينام في منزله. سيؤثر هذا بشكل حاسم على العلاقات البشرية، وعلى مفهوم الانتماء والمواطنة والهوية وغيرها من المفاهيم المعتادة. أن نذهب أسرع مما هو متاح، وأن نصل إلى وجهتنا في أقصر وقت، هو حلم راود الإنسانية منذ الأزل، ولكن ها هو ذا يصبح حقيقة مجسدة على الواقع من خلال هذه القطارات الهائلة السرعة.
سواء كان التيجيفي الفرنسي أو الماغليف الياباني أو الهايبرلوب الأميركي، هي كلها جميعاً تسابق الزمن كي تصل نحو وجهتها في أقرب وقت، ولا نعلم ماذا يخبئ لنا المستقبل بعد. لم تعد السرعة في عصر التكنولوجيا الفائقة مجرد مسألة تقنية قابلة للدراسة والقياس فيزيائياً، بل هي واقع معاش تؤثر على طبيعة العلاقات الاجتماعية وعلى أنماط الوعي البشري. وكما قال بول فيريليو إذا كان الزمن يساوي المال، فإن السرعة تساوي القوة. بمعنى أنها مكنتنا من الهيمنة والسيطرة على الحياة الاجتماعية. رغم أن هذا لم يتم دون نتائج عكسية، ذلك أن تنامي السرعة جلب معه تنامي الخوف والقلق على السلامة والأمن الشخصي. لهذا السبب يتحدث بول فيريليو عن إمكانية قيام «علم الحوادث» فاختراع الطائرات أدى إلى ظهور حوادث السقوط. واختراع القطارات نتج عنه كذلك حوادث الخروج عن السكة، وهكذا بالمثل في كافة وسائل النقل الأخرى. باختصار نقول: لقد وفرت لنا القطارات القدرة على السفر والحرية والسعادة، مع ذلك نأمل أن يكون هذا التقدم يتماشى مع القدرة على الانفتاح والتضامن والتعايش السلمي بين الشعوب.

اقرأ أيضا

«زايد للكتاب» تعرف بالثقافة الإماراتية والعربية في ألمانيا