الاتحاد

ثقافة

وسيلة توحيد الأوطان.. والتقريب بين الأهواء

هناك حياة تغري بالغوص في الجسد الاجتماعي يختزلها القطار وأسماء المحطات

هناك حياة تغري بالغوص في الجسد الاجتماعي يختزلها القطار وأسماء المحطات

عزالدين عناية

ما زال القطار يسكن مخيّلتي، منذ طفولتي، عنوانًا للأماكن القصيّة التي يقصدها الناس، طلبًا للرزق أو بدافع غواية الرحيل إلى أماكن أخرى. فالمحطّة التي شُيِّدت منذ عهد المستعمِر تقع على مقربة من محلّ سكناي في قريتي المتلحِّفة بالخضرة في وسط غابات الزيتون بالساحل التونسي. كان مرور القطار بالنّسبة إلى الأهالي إيقاعا زمنيّا معلوما كلّما مرّ أو توقّف، ليلا أو نهارا، أشار إلى وقت محدّد. حتّى ساعة السحور في شهر رمضان كان الأهالي يضبطون موعدها على وقْعِ مرور القطار، ولكنّ ذلك زمن وهذا زمن، فقد كانت الحياة بسيطة في القرية، يُعَدّ على الأصابع حملة الساعات اليدوية فيها، ولكنّ ساعة مرور القطار كان لا يخطئها الجميع.
خلال رحيلي إلى إيطاليا تجدّد العهد مع القطار، وهذه المرة ليس إيقاعا زمنيّا، بل ترحّلا على مدى سنوات، ناهزت الخمس عشرة سنة، بين مدينتَيْ روما ونابولي. كنت أستقل القطار أربع مرات أسبوعياً جيئة وذهاباً للالتحاق بعمل التدريس في جامعة «الأورِيِنْتالي». وقبل أن ينطلق العمل بالقطار السريع، كانت الرحلة الواحدة تستغرق ساعتين ونصف الساعة أقضّيها في القطار.

خزّان أنثروبولوجيّ متنقّل
ما كان القطار ثقيلا بالنسبة إليّ من فرط ما تعوّدت على طقوسه، كان خلوتي التي أختلي فيها بنفسي للاشتغال على مدى ساعات، أثناء رحلتيْ الذهاب والإياب. تعلّمت أنّ للقطار أعرافًا، وأنّ رواده الدائمين هم بمثابة المقيمين القارّين، يعرفون الغرباء فيه، والعابرين، وحتى اللّصوص والمهمَّشين الذين يرتادونه بين الفينة والأخرى. وكما ينقسم ركّاب القطارات إلى أنواع، منهم العابر ومنهم القارّ، تنقسم القطارات أيضاً إلى أصناف منها القطارات الرثّة ومنها القطارات الباذخة.
ثمة إحساس يبثّه القطار في ركّابه الأوفياء لا يحسّ به سائر العابرين، يُخرِج ركّابه من الواقعية المفرطة إلى نوع من الإحساس بالرحيل الدائم والتأمّل والتشوّف. فيما كان ضجيج القطار حائلا دون القراءة والكتابة، كنتُ أغرق في تلك الضوضاء في الترجمة أو في تدوين ما خطر ببالي من تأمّلات، وكأني أشتغل في مكتبٍ خاصّ. حيث تأخذني سرعة القطار إلى عوالم نائية بعيدة عن الخَلق أعانق فيها تمعّنا، طورا في قضايا العالم العربي وأخرى في وجودي في الغرب. أعددت على مدى تلك السنوات، في القطار تحديداً، ثلاثة أعمال نشرتها بالتوالي وهي: «تاريخ الاستعمار الإيطالي في ليبيا»، و«المنمنمات الإسلامية»، و«العقل الإسلامي»، وهي أعمال أعدّها من وحي القطار.
لكن الأبعد من ذلك كلّه كان القطار الرابط بين روما ونابولي، بالنسبة إليّ، مجتمَعا مصغَّرا حافلا بالعادات والتقاليد واللّهجات. لعلّ الكثير لا يدرك معنى توحيد إيطاليا، تلك العملية الخارقة التي أنجزها الزعيم جوسيبي غاريبالدي ورفاقه لجعل إيطاليا الموزّعة بين شتات دويلات وممالك دولة واحدة موحَّدة. اكتشفتُ على متن القطار أنّ إيطاليا جمْعٌ وليست مفردًا، وأنها حاضنة كبرى لتنوّعات لسانية وعرقية وثقافية. أَسمعُ أحيانا لهجات، بعضها كما يقول اللغويون والخبراء في الموروث اللغويّ الإيطالي، هي بالفعل لغات مستقلّة، يصعب عليّ فهمها أو متابعتها، مثل «النابوليتانية القحّة» و«الكالابرية» و«السردينية» و«الأربِرِش». فقد كنت درست الإيطالية الفصحى، وتشرّبت «الروماناتشو» (لهجة روما المحلية)، بفعل إقامتي المطوّلة في هذه المدينة.
أدركتُ بعين اليقين ما للقطار من فضلٍ في تقريب الناس بعضهم من بعض، وأنّ ما ينقله من مسافرين هم بعضٌ ممّا ينقله أيضا من لغات ولهجات وتقاليد وثقافات تطفح بها إيطاليا. أحيانا أتمثّل القطار بمثابة الخزّان الأنثروبولوجي الطافح بالمواريث القديمة والعوائد، فركوب القطار هو اكتشاف لتلك المكوَّنات الباحثة عن التمازج والتحاور. من هنا أدركتُ صواب رأي الأنثروبولوجي الفرنسي مارك أوجي وعمق نباهته حين ركّز نظره في ما تعجّ به القطارات من ثراء إثنولوجي في كتابه: «إثنولوجي في المترو» (1992). فالقطار أو المترو، وما شابههما من وسائل النقل، كما يقول أوجيه تخدعك للوهلة الأولى إن اختزلتَ دورها في ظاهر الركوب والنزول وفي مجرّد النقل، بل هناك حياة تغري بالغوص في الجسد الاجتماعي برمّته، يختزلها القطار في الجموع المتراصة، وفي أسماء المحطات، وفي المشاهد المتحوّلة بسرعة كأنك في قاعة عرض سينمائيّ. تصادفُ النّاظرَ في القطارات سلوكيات ما قبل بدائية وأخرى ما بعد حداثية، بما يتخلّلهما من تساكن للموروثات في رحلة المسافرين، لا يدركها إلا المتمعّن في ما وراء بساطة رحلة الركوب والنزول. تتجاوز سيميولوجيا القطار كونه أداة نقل للركّاب إلى كونه أداة صهْرٍ لمخزون حضاري وللَهجات وثقافات. هكذا كان يلوح لي القطار، فلا أنتبه لدوره الأول ومهمته الأساسيّة في النقل، ولعلّه الأساس الذي وُضِع له، إلا حين أصعد وأنزل من القطار.

الوحدات من صنْع الأدوات
ولكنّ تلك الرحلةَ التي كنت أقطعها، وتلك الاختلافات التي كنت ألحظها، ما كانت لتنتهي بتوقف القطار، بل تبقى تدور في خلدي أحيانا ولا تغادر مخيّلتي، ثمة انطباعٌ خفيّ في لاوعي المسافر جراء رحلة تبدو محصورة الأفق (في زمن الانطلاق وزمن الوصول)، ولكنّها رحلة تعانق بُعدًا آخر من أبعاد الزمن، إنه الزمن المنفتح على الماضي والحاضر والآتي. صحيح أقطع مسافة وأقضي زمنا ولكنّ الرحلة تبدو خارج الزمان والمكان المعهودين.
بالفعل تغري بالتأمّل تلك المقولة الشائعة على أفواه الإيطاليين، والتي فحواها أنّ التلفزيون قد وحّد اللسان الإيطالي والقطار قد وحّد التراب المجزَّأ. فحين نتابع أثر هاتيْن الأداتين الاصطناعيتين، ندرك ما للتلفزيون والقطار من أثر على بلد كان بلدانا، وعلى دولة كانت دويلات. فإيطاليا تزخر باللهجات التي تكاد تشكّل كلّ واحدة منها لغة على حدة، جنب اللغات القائمة الذات مثل الألمانية والفريولية والسلوفاكية والسردينية واللادينية في الشمال خصوصا. وبالفعل في مطلع القرن الفائت كانت الشرائح الشعبية غير المتعلّمة تجد صعوبة في التواصل مع غيرها، ولكن بفضل ما لعبه التلفزيون الإيطالي الرسمي «الراي/‏‏ RAI» منذ العام 1954، تاريخ أول بثّ تلفزيّ في زمن كان فيه التلفزيون أداة تربية وتعليم وإعلام، استغلته الدولة أيّما استغلال لرفع الأميّة ونشر اللسان الإيطالي الفصيح. كانت الشاشة الصغيرة حاضرة بقوة في العائلة كفرد من أفراد الأسرة، استطاعت اللغة الإيطالية المنسوبة إلى دانتي ابن فلورانسا أن تبسط هيمنتها بفضلها على كافة اللغات الأخرى، وأن تغدو اللغة الرسمية والفعلية بين الناس كوسيلة للتواصل الموحّد. لذا نجد في إيطاليا اعتزازًا قويّا باللغة الوطنية الإيطالية، لأنّ على أساسها بُنِيت إيطاليا الحديثة. ولو تثبتّنا في المنطوق الإيطالي الحالي، أكان في وسائل الإعلام أو على ألسنة الناس، قلّما أن نعثر على شوائب لغوية في منطوق العامة واردة من لغات الجوار الأوروبي، مثل الفرنسيين أو الإسبان وحتى من الإنجليزية اللغة المهيمنة في العالم. من جانب آخر ساهم القطار مساهمة فعالة أيضا في صنع إيطاليا الحديثة، فقد أرست شبكة خطوط السكك الحديدية المترامية تواصلا بين الناس، وخلقت حسّا مشترَكا بينهم، أدركوا بمقتضاه أنّ الهويات الجهوية والمناطقية الضيقة هي هويات جامدة ما لم تنفتح على غيرها. لقد كان القطار أداة الوصل والربط الأبرز بين الناس مهما تباعدت المسافات بين شمال إيطاليا وجنوبها، حيث الرأس في أوروبا والسيقان في إفريقيا، كما تردّد العامة.

المنقولات الرمزيّة
في واقع الأمر يتجاوز أثر القطار دوْر نقل الناس وحمْل البضائع، بل يغدو وسيلة تقريب بين الأهواء والطباع حين تمتزج اللهجات والعادات في عرباته. وقد لا يرى فيه البعض سوى كونه وسيلة حمْل للبشر وللأثقال، يتوسّل به الناس بلوغ آفاق لم يكونوا بالغيها إلا بشِقّ الأنفس، ولكنّه في حقيقة الأمر أداة أكبر ممّا خُطّط له وأُنجز لأجله. من هذا الباب تبقى بعض الشعوب مدينةً في قيامها إلى بعض المنجزات والابتكارات والسياسات التي يصوغها ويرسمها بشر أيضا، وليس إلى أقدار التاريخ الصامت كما يصوَّر عادة. فليست الوحدات الترابية أو اللسانية صنيع قدر التاريخ، كما تعرض التفسيرات الميتافيزيقية الحالمة، فلا ريب أنّ ثمة أشياء تصنعها الإنجازات وترسّخها الأدوات. فقد خَلَقت الشبكة العنكبوتية اليوم عالما افتراضيا موحّدًا قادرا على التأثير والحضور في السياسة والاقتصاد والأعمال والثقافة. وبقدر ما يزداد رسوخ تلك الأدوات ندرك الحاجة الماسة إلى تلك الابتكارات البشرية التي بات متعذّرا على الإنسان الاستغناء عنها.
من زاوية أخرى تشبه رحلات القطار رحلات القوافل في الزمن القديم، وإن اختلفت البضائع المادية المنقولة، فليس هناك فرق في المقصد البعيد، فلا زالت حمولة الإنسان الثقافية هي أبرز الحمولات والمنقولات سواء أكان على ظهور الإبل أو على متن القطارات السريعة الحديثة. إذ يتجاوز دور شبكة القطارات تيْسير نقل المسافرين إلى خَلْق لُحمة بين أطراف الوطن مهما تناءت المسافات، هكذا يبدو القطار عنصرًا حيّا من عناصر التقريب والتعريف بين الناس، علاوة على دوره المعهود في نقل الناس والأحمال.
لذلك تبدو شبكة خطوط القطارات بمثابة الشرايين الدافقة بالحياة، تعزّز من أواصر الوحدة الوطنية، ومن تآلف الناس، لشعوب باتت تتوسّل بشتى السبل تعزيز تماسكها. فلا يمكن أن تستغني دولة اليوم، مهما صغر حجمها الجغرافي، عن هذه الشبكة الحيويّة، فأثرها يتجاوز المردود النفعيّ المباشر إلى أثر رمزيّ غائر مثقل بالدلالة. فحين سارَعَ الاستعمار الفرنسي، ما إن استتبّ له الأمر في كلّ من الجزائر وتونس والمغرب، إلى مدّ شبكة خطوط السكك الحديدية، المترامية من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، كان مطمحه تيسير نقل الثروات المنهوبة وترحيلها نحو فرنسا، وما كان يدور بخلده أنّ تلك الشبكات قد تعزّز يوما من أواصر الوحدة بين أبناء شعوب واحدة مشتّتة في الصحارى وبين الجبال. لقد عزّز القطار منذ وقت مبكّر من حسّ الوحدة الوطنية ومن روح الإحساس إلى جماعة حضارية واحدة، حتى باتت فرنسا تخشى آثاره السلبية الجانبية عليها. صحيح ساهم القطار في ترحيل الثروات، ولكنّه ساهم أيضا في بثّ الوعي بين الناس أنّ بلدانهم واحدة مهما تعدّدت اللغات وتغايرت العادات.
وبوصف رواد القطارات يشبهون الجزر المعزولة، كل سائر نحو دربه، وإن بُنِيت علاقات داخل العربات فهي عابرة وظرفية، لمجرد التسلية والتخفيف من ملل الطريق، ولا تعبّر عن تفاعل عميق، لِما يطغى من جوّ اللامبالاة بدل المبالاة، فإنّ ذلك لا يعني أنّ التفاعل منعدم بينهم، على عكس ذلك ثمة تفاعل خفيّ تتراجع منه بعض القنوات لتنفتح أخرى أساسها النظر والسماع والكلام الموجز والخاطف، فللقطارات طقوسها في التفاعل بين العوالم المختلفة يخلقه مسار القطارات حتى في الصمت.

 

اقرأ أيضا

«زايد للكتاب» تعرف بالثقافة الإماراتية والعربية في ألمانيا