الاتحاد

ثقافة

حكايات العابرين الباقية

من «باب الحديد» القاهري إلى «غراند سنترال نيويورك» فمترو موسكو ومحطة برلين

من «باب الحديد» القاهري إلى «غراند سنترال نيويورك» فمترو موسكو ومحطة برلين

إميل أمين

مع أوائل القرن التاسع عشر عرفت البشرية نوعا جديدا من وسائل الانتقال. كان الاختراع برمته عائدا إلى ثورة البخار والفحم التي أكسبت أوروبا جزءا من نهضتها.
غيّر القطار ومحطاته من حياة الناس، فقد قصّر المسافات ووفر الوقت، وأتاح المزيد من فرص النمو الاقتصادي، ولهذا اهتمت الدول بمحطات سككها الحديدية، تلك التي باتت أماكن تقص بعضا من قصص العابرين، واليوم لا تزال بعض تلك المحطات تلعب دورها القديم، وإن بوسائل أكثر حداثة.
في هذه القراءة نجول في بعض محطات سكة حديد في العالم، في محاولة لقراءة تاريخ أمم وشعوب عاشت وتنقلت وتركت لنا أحاجي إنسانية مثيرة.

باب الحديد.. المصري
في مقدمة المحطات ذات الشهرة الكبيرة تأتي محطة مصر، أو محطة رمسيس كما يطلق عليها العامة والسبب في تلك التسمية، وجود تمثال رمسيس الثاني، الفرعون الأشهر في مواجهة تلك المحطة لسنوات طوال.
عرفت المحطة أيضاً باسم محطة «باب الحديد»، ومن هنا استلهم المخرج المصري الراحل يوسف شاهين اسم فيلمه الشهير والذي تدور أحداثه داخل المحطة.
والثابت أن «محطة مصر»، ليست مجرد مكان أو وسيلة للانتقال، إنها قصة تراثية وثقافية مصرية، ترجع لأكثر من 160 عاماً مضت، أي منذ عام 1856.
جاءت المحطة في سياق عملية بناء مصر الجديدة، في زمن الوالي الألباني الأصل محمد علي باشا الكبير، والذي بدأ نهضة تحديثية في مصر المحروسة، وقد اقترح عليه الإنجليز مد شريط سكة حديد من السويس على ساحل البحر الأحمر، إلى الإسكندرية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، لربطهما سوياً.
لم يكتمل مشروع محطة مصر في زمن الباشا الكبير، غير أنه وجد طريقه للتنفيذ في زمن الخديو عباس الأول في بداية خمسينيات القرن التاسع عشر، والذي وقع عقداً عام 1851 مع البريطاني «روبرت ستيفنن» وهو ابن «جورج ستيفنن»، مخترع القاطرة الحديدية، لربط القاهرة والإسكندرية بخط سكك حديدية طوله 209 كم.
استغرق العمل لتسيير أول قاطرة بين العاصمة المصرية، وبين أهم مدنها الساحلية ثلاثة أعوام، لتضحي مصر أول دولة إفريقية وشرق أوسطية، وثاني دولة في العالم بعد المملكة المتحدة، تعرف طريقها إلى السكك الحديدية.
يحكي مبنى محطة مصر، قصصاً وأحاجي إنسانية عديدة، فهناك مرارة الغربة للذين ألقت بهم مدن الصعيد، إلى العاصمة، وفيها حط الرحال من فازوا بفرصة عمل، وقد عرفها ملايين الطلاب الذين ارتحلوا إلى جامعة القاهرة الشهيرة طوال القرن الماضي والحالي.
تحكي محطة مصر قصص الحب واللقاء، وشهدت ولا تزال دموع الأحباء والوداع، وكثيراً ما يصادق الناس بعضهم البعض، على وقع موسيقى محمد عبدالوهاب، وأغنيته الخالدة «ياوابور قولي رايح على فين».
يأخذ مبنى محطة مصر نسقاً عربياً إسلامياً، رغم أن الذي قام بتصميمه المعماري البريطاني «أدون باتر» عام 1856. وقد تعرض لحريق كبير عام 1882، غير أن المصريين تمكنوا لاحقاً من إعادة بنائه مرة أخرى بعد عشر سنوات تقريباً.
كان افتتاح خط سكة حديد محطة مصر حدثاً جللا في تاريخ مصر والمصريين، وقد حضر تدشين الافتتاح كبار رجال الدولة والقناصل الأوروبيين، فيما أحدث ثورة في الوقت، فمن 42 ساعة من القاهرة للاسكندرية بالزوارق البحرية، بات القطار يقطعها في سبع ساعات.
الذين قدر لهم استخدام محطة مصر، يدركون أن من أجمل ما فيها متحف «سكك حديد مصر»، ذلك الذي تم إنشاؤه عام 1932، ويعد المتحف الأول في الوطن العربي، والثاني على مستوى العالم بعد المتحف البريطاني، بما يحتويه من مقتنيات فريدة تحكي قصة بداية سكك حديد مصر.
بعد ثورة يوليو 1952، اهتمت الحكومة المصرية بتطوير السكة الحديد، فقد كانت المحطة قد تعرضت لعوامل الزمن، فقرر جمال عبدالناصر عام 1955 تطوير مبنى المحطة، وفي عام 1961 شهدت إصلاحات جذرية كبيرة، لا سيما واجهتها الأمامية، إلا أنها ظلت متسمة بالطراز الإسلامي على الطريقة الأندلسية.
لعبت محطة مصر دوراً مهماً في نقل المواطنين وأدوات البناء خلال مرحلة إنشاء السد العالي في ستينات القرن الماضي، ويقدر اليوم عدد الركاب الذين يمرون بمحطة مصر في توجههم شمالاً أو جنوباً بنحو مليون ونصف المليون راكب يومياً.

«غراند سنترال» وجه نيويورك
ذات مرة وخلال زيارته إلى مدينة نيويورك عام 1995 قال البابا يوحنا بولس الثاني الراحل، إن مدينة نيويورك تمثل عاصمة العالم، ومحطة السكة الحديد الرئيسة فيها، تكاد تكون مكانا للعبادة في المدينة، في إشارة مجازية لأهميتها بالنسبة لمواطنيها، عطفاً على أنها المحطة الأكثر ازدحاماً بين كافة محطات القطارات في الولايات المتحدة الأميركية، وتقوم على مساحة 48 فداناً ولديها منصات (أرصفة) أكثر من أي محطة قطار أخرى حول العالم، ولهذا تبقى محطة «غراند سنترال»، أحد أشهر المعالم السياحية في أميركا، وجزءا أساسيا من الحياة اليومية للمدينة الصاخبة.
أول ما يقابلك في محطة «غراند سنترال» النوافذ الطويلة التي تشبه نوافذ الكاتدرائيات الأوروبية، والسلالم الكبيرة، والثريات الفخمة المتلألئة التي تتدلى من الأسقف الشاهقة. أما الساعة النحاسية ذات الأوجه الأربعة فوق كشك المعلومات في المحطة، فتكاد تكون من أشهر رموز المحطة، الروايات المتاحة عن تاريخ بناء المحطة ليست دقيقة بقدر كبير وإن كانت جميعها تجمع على أن البناء بدأ في أوائل القرن التاسع عشر، وتحديداً 1830.
كانت محطة «غراند سنترال» إيذاناً بانطلاق أميركا العظمى، ويكفي السائح أو المسافر، أن يرفع ناظريه إلى سقف المحطة الشهير بالرسومات الزخرفية المطعمة بأوراق الذهب، وجلها عبارة عن أبراج ونجوم ملألئة في السماء، لكي يدرك أهميتها، رغم أنه يصعب توصيف هذا البناء من حيث الانتماء، فهي مزيج فريد من عصر النهضة والباروك، ولذا فهو يجمع بين الجمال والصرامة.
عرفت «غراند سنترال» شكلاً من أشكال الترف والفخامة منقطع النظير طوال العقود الستة الأولى من القرن العشرين، فعلى سبيل المثال، كان الركاب الذين يستقلون القطار من نيويورك إلى شيكاغو، تفرش تحت أقدامهم سجادة حمراء وهم متجهون إلى القطارات، كما كانت شركة حجز التذاكر توفر لهم حمالين لنقل أمتعتهم، كما كانوا يتمتعون بوجبات فاخرة.
ولعله من بين الأسرار القليلة التي لا يعرفها أيضاً سوى سكان نيويورك، هو أن الأوقات المدرجة على لوحة مواعيد القطارات في المنطقة الشمالية، هي أوقات تسبق الأوقات الفعلية للقطار بدقيقة واحدة، وهو ما يعطي فرصة للمسافرين للوصول إلى القطار قبل انطلاقه.
يستخدم المحطة ما يزيد عن 275 ألف راكب يومياً، ويمر بها نحو 750 ألف شخص يومياً، بما في ذلك السيّاح، ولهذا تعد أكبر محطة قطار في العالم.
كاد هذا المعلم التاريخي أن يختفي في ستينات القرن الماضي، ويحل محله ناطحة سحاب، لولا أن المحكمة العليا في البلاد اعتبرته معلماً تاريخياً وطنياً يحق لمدينة نيويورك حمايته كمبنى تاريخي، ولاحقاً قررت هيئة النقل تخصيص 500 مليون دولار لإعادة المحطة لرونقها السابق.

مترو موسكو.. قصر الناس
يرى كثيرون أن محطات مترو موسكو، هي متحف روسي إنساني وتاريخي قابع تحت الأرض، ولهذا فإن أي سائح داخل روسيا يحرص على أن يقضي نهاراً بطوله في مترو أنفاق المدنية، ليس هرباً من برودة الطقس، بل لأن التنقل من محطة إلى أخرى داخل هذا المترو، أمر يعد بمثابة رحلة فنية.
تبلغ محطات مترو موسكو نحو 200 محطة، من بينها 44 محطة تعتبر مواقع إرث ثقافي، مشهورة ومعروفة بزخرفتها وزينتها الهائلة، كما أن أعمدتها ومصابيحها وهياكلها المعدنية والنقوش الموجودة على الجدران تناسب المتاحف بأكثر مما تتسق مع وسائل النقل العام.
رسمياً تم افتتاح مترو أنفاق موسكو عام 1935، وذلك خلال حكم جوزيف ستالين، والذي لا تزال ذكرياته وبصماته حاضرة بقوة في طرقات هذا المترو، غير أن واقع الحال يشير إلى أن الروس قد فكروا جدياً وبالفعل في إنشاء خط سكة حديد تحت الأرض في موسكو، قبل نصف عام من تنفيذ المشروع، فمنذ عام 1875 حتى عام 1930، ثم تقديم خمسة مشاريع بناء مترو على الأقل، لكن العمل لم يبدأ إلا في أوائل الثلاثينات من القرن العشرين.
كانت فترة بناء مترو موسكو إيذاناً بدخول الاتحاد السوفيتي في دائرة الصراع القطبي، ولهذا اعتبرت هذا العمل، لوحة مجد وشرف كما الحال في محطة نيويورك بالنسبة للأميركيين، لذلك تمت عملية بناء المترو تحت شعار «دعونا نخلق قصراً للناس»، ولهذا كانت هندسة مترو الأنفاق رائعة بنصبها التذكارية وفنونها، ويمكن تسمية محطات «بلوسد ريفالوشيا» و»مايا كوفسكايا»، و»تياترالنايا»، بروائع الفكر المعماري.
عمل كبار الرسامين والحرفيين، النحاتين والمثالين السوفيت في بناء محطات مترو موسكو، رافعين شعارات إيديولوجية تمجد العهد السوفيتي، مختزنين التاريخ في لوحات جدرانه وتماثيل ولوحات وثريات فاخرة، بل أنهم رصعوا جدران أعمدته بالأحجار الكريمة والمرمر والرخام النادر.
بدوره كاد مترو موسكو أن يفقد بريقه عام 1953، بعد وفاة الزعيم ستالين، إذ اتجه الاتحاد السوفيتي في ذلك الوقت إلى عدم الإسراف على العمارة من أجل الصالح السياسي والاقتصادي وتم تجريد محطات المترو من البنود الخاصة ذات الفخامة، وقد وضعت التماثيل في المستودعات، وأزيلت الفسيفساء والنقوش، وتم بناء محطات جديدة متقشفة.
غير أنه وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وصعود فلاديمير بوتين إلى سدة الحكم عاد الاهتمام بالمترو ومحطاته كعنوان جديد لروسيا القيصرية.
ومن القصص المثيرة والمخيفة عن مترو موسكو أنه بعد خمس سنوات على افتتاحه، نشبت الحرب العالمية الثانية، وكانت السلطات السوفيتية على وشك أن تغرقه بالمياه كي لا يستفيد منه النازيون إن احتلوا العاصمة موسكو، جرى ذلك نهار 16 أكتوبر عام 1941، وقد كان ذلك هو اليوم الوحيد في تاريخ مترو موسكو الذي تم إغلاقه فيه. غير أنه في مساء اليوم عينه، تم إلغاء قرار الإغراق، وتالياً لعب المترو دور الملاذ الآمن لسكان موسكو، كذلك استفادت منه القيادات السوفيتية في إقامة احتفالاتها الحزبية، وتحديداً في المحطة التي أطلقت عليها اسم الشاعر الروسي الكبير «مايكوفسكي»، كما تحولت محطة مترو «كورسكايا» خلال سنوات الحرب العالمية الثانية إلى مكتبة.

محطة برلين.. الصلابة والفخامة
ما الذي يعرفه العالم عن مدينة برلين؟ بالقطع إنها عاصمة الجمهورية الألمانية الاتحادية، وأكبر مدنها من حيث عدد السكان، وتبعد ما يقارب سبعين كيلو متراً إلى الغرب عن الحدود البولندية. وكانت برلين في العقد الأول من القرن الحالي على موعد مع إنشاء أكبر محطة قطارات في أوروبا.
تقوم محطة برلين في موقع بناء هائل، كان يوماً مزدحماً بالرافعات وسط ما كان أرضاً خراباً بين برلين الشرقية والغربية، ولفترة ما كان مشروعاً لتحويل مجرى «نهر سبري»، الذي يفصل العاصمة الالمانية من الشرق والغرب، وإعادته مرة أخرى إلى مساره الطبيعي.
محطة برلين الجديدة الكبرى، والتي كان الألمان يتسابقون لافتتاحها قبل كأس العالم 2006، واستغرق بناؤها نحو عشر سنوات، لضخامة مشروعها، عبارة عن صالة كبيرة مغطاة ومحاطة بالزجاج من جميع الجهات، ويبلغ عدد ألواح الزجاج المستخدمة في بناء هذا الصرح 9117 لوحاً زجاجياً، ما جعل الناس يطلقون عليها اسم «القصر الزجاجي».
تحتوي المحطة على أحدث التقنيات التي تحمل عبارة «صنع في المانيا»، فالقضبان الحديدية التي تشق محطة برلين مزودة بنظام إلكتروني خاص يجعل عبور القطارات من خلالها أكثر انسيابية، ويحول دون تصدع أو تأثر المباني بحركة القطارات السريعة.
أما القطارات التي ترد على المحطة فتزود بالطاقة من خلال كوابل نحاس دقيقة لا تراها العين المجردة بسهولة، أما إضاءة محطة نفسها فهو عمل فني بديع.
يقف وراء بناء هذه المحطة المهندس المصري هاني عازر، الذي تخرج من جامعة القاهرة العام 1975، وتوجه بعدها إلى المانيا لمباشرة دراسته، وقد كان يعمل لـ12 ساعة يومياً، ويشرف على 450 موظفا وعاملا، وكثيراً ما يعبر عازر عن نشوته بهذا الإنجاز فيقول: «أنظروا جيداً أيها السيدات والسادة، وأشبعوا أعينكم بكل شيء في المكان، فما ترونه هنا لن تروه في مكان آخر في المانيا».
بدأ التخطيط لتشييد المحطة عام 1991، أي بعد فترة قصيرة من إعادة توحيد المانيا، وتبلغ مساحتها 1.9 مليون متر مربع، وصممت لتقديم الخدمات لحوالي 300 ألف مسافر يومياً وتتألف من خمس طبقات، وبحسب البيانات الأولية التي أعلن عنها حينها فإن تكلفتها بلغت 890 مليون دولار. والمحطة مشيّدة من الصلب والزجاج، وبها 54 سلماً كهربائياً، و34 مصعداً زجاجياً مستديراً والعديد من الفتحات للسماح بدخول أشعة الشمس بشكل رأسي من السطح الزجاجي إلى أرصفة القطارات الرئيسية على ثلاثة مستويات، وعلى عمق 500 متر تحت الأرض.

اقرأ أيضا

«زايد للكتاب» تعرف بالثقافة الإماراتية والعربية في ألمانيا