الاتحاد

ثقافة

عن قطارات الحلم وقطارات الفلسفة والانتقال إلى مدارج الاكتمال.. الزمن يساوي صفر

عن قطارات الحلم وقطارات الفلسفة والانتقال إلى مدارج الاكتمال

عن قطارات الحلم وقطارات الفلسفة والانتقال إلى مدارج الاكتمال

محمود قرني

في روايته «الذبابة» الصادرة عام 1957 يتناول الكاتب الفرنسي جورج لانجلان حياة واحد من علماء سلاح الجو الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال تلك الرواية القصيرة التي تبدو للوهلة الأولى من أدب الجريمة، غير أن فكرتها الرئيسية تدور حول انشغال بطلها بالكيفية التي يمكن أن ينتقل بها الإنسان من مكان إلى مكان، من خلال التحول إلى موجات أثيرية أو ذرات لا تُرى بالعين المجردة، مثلما ينتقل الصوت عبر الهاتف، ومثلما تنتقل موجات التلفزة إلى الشاشات داخل البيوت.
يواصل البطل تجاربه الغريبة زمناً طويلاً، حتى يتوصل إلى طريقة جديدة لنقل المادة، بما في ذلك المواد الصلبة، وذلك من خلال وضعها في جهاز نقل خاص، حيث تتحلل على الفور ويعاد تشكيلها في جهاز استقبال مهمته تجميع تلك الجزيئات مرة أخرى. كان «أندريه» يتعامل مع اكتشافه باعتباره أهم ما وصلت إليه البشرية بعد اختراع العجلة. فالاختراع سيعني نهاية لكل وسائل المواصلات، بما في ذلك القطارات التي يكرهها منذ زمن الحرب. لم يكن اختراع «أندريه» قاصراً على نقل البضائع والفاكهة وخلافه، لكنه كان قادراً أيضاً على نقل البشر. لقد استطاع باختراعه أن يتصور حداً فاصلاً لعصر الطائرات والمطارات وأدوات الحرب ونقل المادة واستقبال المسافرين على امتداد العالم، وسيكون بإمكان المسافرين أن يدخلوا غرفة واحدة، مع إعطاء إشارة خاصة سيختفون على إثرها، لكنهم سيظهرون بعد ثوانٍ معدودة في محطة استقبال منتقاة. وقد اختبر «أندريه» اختراعه أمام زوجته على منفضة وقطة وزجاجة، ثم وضع نفسه في جهاز الإرسال وأمر زوجته بالضغط على زر الإرسال، فنجحت المحاولة لأكثر من مرة. لكن ثمة خطأ حدث في المرة الأخيرة، فخرج «أندريه» من جهاز الاستقبال مشوهاً، وكان وجهه أقرب إلى شخصيات العماليق في أفلام الخيال العلمي، وسيفشل في النهاية في العودة إلى ما كان عليه، فيأمر زوجته بأن تهبط بمطرقة في المعمل على رقبته فيموت في الحال، لأنه لم يحتمل آلام التحول الذي حدث، كما لم يستطع أن يواجه العالم بسحنته الجديدة. ولعل جزءاً كبيراً مما استحدثته مخيلة جورج لانجلان في تلك الرواية، كان موضع بحث العلماء فيما بعد، ثم كان موضع احتفاء البشرية بعد اختراع الهواتف النقالة والكمبيوتر والأقمار الاصطناعية، وغيرها من أحدث أجهزة النقل والاتصال.

فكرة الزمن
لقد كانت فكرة الزمن هنا هي الشغل الشاغل لبطل الرواية، كما كانت الشغل الشاغل لمخترع المحرك، وقبلها كانت الفكرة تمثل أرقاً للفلاسفة، فمنذ أن افترض آينشتاين أن الزمن يمكنه أن يتناسب عكسياً مع الحركة، فهو إذن يمكنه في لحظة ما أن يساوي صفراً. فإذا كنا نقطع مئة كيلومتر في ساعة واحدة فماذا لو زدنا السرعة إلى ستمئة كيلومتر؟ سنقطع المسافة نفسها في عشر دقائق وهكذا حتى نصل إلى الزمن صفر.
ولا شك أن انشغال المؤلف بفكرة الزمن كانت تمثل الذاكرة الحيوية لانشغالات الحضارة الحديثة، حيث ارتبط الزمن بعدة مفاهيم جوهرية، منها ما هو ديني، ومنها ما هو فلسفي. فالزمن في الفلسفة هو التقدم للأمام بشكل دائم، حيث الزمن يبدو تصاعدياً وليس دائرياً، والزمن في الدين يعني تصاعد الروح نحو الاكتمال. وكان توماس إديسون يقول إن أبهج فكرة في الدين هي فكرة تقدم الروح في الزمن لبلوغ كمال طبيعتها، حتى لو كان هذا الكمال ينتهي بالموت. غير أن فكرة التقدم ظلت تتجوهر بعيداً عن فكرة الدين، حتى بات المفهوم لصيقاً أكثر مما ينبغي بتصورات أكثر تعييناً من تلك الأفكار الأقرب إلى الميتافيزيقا. وقد كانت لحظة اكتشاف الميكانيكا بين أكثر اللحظات حسماً في تأويلات فكرة التقدم في الزمن، إذ تم نقلها من حقلَي الفلسفة والدين لتعيش أسيرة لمعطيات العصر الصناعي. ومع ذلك ظلت الاختراعات الحديثة كلها قادمة من نبع واحد يرتبط بالأبنية العقلية، التي تملك من الصرامة ما يمكنها من إقصاء أفكار الجماعات المحافظة من رجال الإقطاع الذين رأوا في الاعتماد على الأقنان والأرقّاء نهاية لمتاعبهم.
وقد حولت الفيزياء التقليدية الأجسام الساكنة إلى أجسام ديناميكية في فضاء القوانين الإقليدية (نسبة إلى إقليدس) بحيث تبدو فكرة الحركة أكثر تعبيرات الحداثة عن المستقبل، وإن ظلت العلوم الحديثة في موضع الريبة لدى العامة ولدى المؤسسات الدينية، وهو ما حدث مع كبلر وجاليليو وإسحاق نيوتن، حتى أن ديكارت، أهم الفيزيائيين والرياضيين في زمنه، اضطر إلى حذف اسمه من مقاله الشهير «مقال في المنهج» خوفاً وتحسباً لموقف رجال الدين.

تداخل أفكار
لقد تداخلت أفكار تبدو في أقصى حدود التنافر وهي تتحدث عن صياغة فكرة المستقبل، ولم يكن اختراع القطار كرافعة من روافع المدنية الحديثة إلا صورة من صور التفلسف المشغول بالمستقبل، فالروح في الدين تتقدم إلى الاكتمال، وفي الفلسفة تتقدم تصاعدياً لأن الزمن لا يعيد نفسه؛ أي ليس دائرياً، وفي العلم تتقدم الأجسام إلى الأمام لأنها ترغب في التقدم في الزمن، والقطار بهذا المعنى ليس هو ناقل الأجسام والبضائع، بل هو ناقل لتصورات أبعد من كونه آلة من آلات الجر.
ومن المدهش أن يصف آرثر لفجوي حديث إديسون عن الزمن بأنه حديث الوجد الشعري، فهو الرجل الذي رفض المفهوم البروتستانتي للزمن باعتباره رديفاً للموت، لأنه كان من أكثر المعتقدين بخلود النفس. والفلسفة عموماً احتفت بما فيه الكفاية بفكرة خلق العالم باعتبارها نوعاً من الجود، وطالما هي حسنة على هذا النحو فهي حسنة منذ الأزل، ما يعني أن على الإنسان أن يتخطى كل العراقيل التي تنسب تاريخه إلى السكون أو الموت، ومن ثم هو يبحث عن التصاعد، عن الحركة داخل الزمن.
ولاشك أن التحولات العميقة لم تكن مقبولة دائماً من مجتمعاتها، إلا أن اللحظة عندما تحين تتولد الحاجة فيخترق التغيير كل نواميس العقل النمطي الذي يتشكل في ظل المجتمعات الخائفة. وقد اكتشف الفايكينج أميركا في البداية، ثم ما لبثوا أن تركوها وضاع أمر اكتشافها لأن أوروبا لم تكن في حاجة إليها آنذاك. وتعليقاً على ذلك يقول فرنان برودل في كتابه «الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية»: «المجتمع تاريخ بطيء أصم» أو هو على نحو أدق ذاكرة تتمسك في عناد بالحلول المكتسبة وتنحي الصعاب عن طريق الوعي شبه الفطري، فإذا ما جاء اختراع جديد وقرع الباب، لم تفتح له على التو، بل تتركه ينتظر سنوات، وربما قروناً، حتى يتمكن من الخروج إلى الحياة.
وكان الكاتب الراحل سليمان فياض قد قدم صورة واقعية لتلك الحالة في واحدة من أجمل قصص مجموعته الفريدة «أصوات» وكانت بعنوان «العربة الحمراء». وهي قصة جرت وقائعها في الريف المصري في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما اشترى الباشا سيارة حمراء ودخل بها القرية إذ بجميع السكان يعودون حفاة وهم ينكفؤون على وجوههم من الرعب، باعتبار أنه الشيطان قد حل على القرية. اختبأ المواطنون في بيوتهم وتركوا حقولهم ومواشيهم ولم يصدقوا أن ثمة اختراعاً بهذه الوحشية يمكن استئناسه. ورغم أن أول قطار في العالم سيّرته إنجلترا في القرن التاسع عشر، فإنه ظل يستخدم في نقل البضائع لسنوات طوال، وكان عامة الناس يخشونه كوسيلة انتقال، حتى تم تطويره ليكون صالحاً لنقل البشر، وفي الكونغو هرب السكان إلى الغابات عندما أدخل الاحتلال قطاراً لنقل الموز إلى الساحل من داخل مزارع الإقطاعيين، وعاش الأهالى شهوراً طويلةً خارج بيوتهم، حتى اقتنعوا بأن القطار لم يكن خلقاً شيطانياً، وعندما افتتح صادق باشا المؤيد خط سكة حديد الحجاز عام 1908 لم يستطع أن يقنع الناس باستخدامه في موسم الحج للانتقال إلى مكة المكرمة إلا بعد أن أطلق عليه «قطار الإسلام».
غير أن التحولات الزمنية كانت كفيلة بتحطيم تلك الأساطير الصغيرة التي لم يكن لها أن تدوم طويلاً حول منجزات العقل المتقدم، في طريق السيطرة على عنف الطبيعة وصلفها. ففي حين استفادت البشرية أعظم استفادة من اكتشاف الميكانيكا بكل تجلياتها، وتعاظمت حركة التجارة بين دول العالم، فإن ذلك ساهم أيضاً في القضاء على صور استغلال الأقنان والعبيد في بقاع عديدة من العالم، وقد كانت المعركة التي خاضها إبراهام لنكولن مع خصوم الاتحاد الفيدرالي، وكلهم من رجال الإقطاع، بسبب أنهم رفضوا موقفه الداعي لإنهاء الرق واستخدام الآلة. وقوة الإنسان إذا قيست مثلاً بقوة الحصان البخاري أو الكهربي الذي يرفع خمسة وسبعين كيلوجراماً في الثانية الواحدة، ستتبدى -قوة الإنسان- في غاية الضآلة. وهكذا فرض المستقبل شروطه على الكافة لأنه يمثل حاجة أساسية لدي البشر، وتحول القطار من رمز لقوة مسرفة في بطشها إلى قطار للحب، كما حدث مع د. هـ. لورانس الذي قابل معشوقته فريدة ويكلي في القطار المتجه إلى نوتنجهام، وكذلك سلفادور دالي الذي قضي أكثر أوقاته مع جالا حبيبته في القطار وكتب خلال ذلك أعذب رسائل الحب. وهكذا تحول القطار إلى قطار للحنين، كما تحول إلى قطار للانتظار وتحول رمزاً لقيمة إنسانية يمكنها أن تنقل جرحى الحرب فتنقذهم من الموت.

حفنة من الفحم
يمكن للقطارات أن تلقي حفنة من الفحم لعجوز تتجمد في صقيع ألمانيا، كما كتب برتولد بريخت في قصيدة من أعذب قصائده اسمها «فحم لميكي»، حيث يقول:
كان يحدث كل ليلة/‏‏ عندما ترعد القطارات السريعة/‏‏ لسكك حديد ويلنج رود/‏‏ أن يلقي سائق قطار كومة من الفحم/‏‏ عبر السور الذي يلف مزرعة البطاطس/‏‏ وفي صوت مبحوح ينادي على عجل: لأجل ميكي. «كانت السيدة تنهض قبل طلوع الفجر، وتخفي هديتها بعيداً عن أعين الناس حتى لا يقع مكروه لسائق القطار»، ثم يختتم قصيدته بالقول: «هذه القصيدة مهداة إلى رفاق ماكوي سائق القطار، الذي مات بذات الرئة على قطارات الفحم في مقاطعة أوهايوو/‏‏ هدية الصديق للصديق».

 

اقرأ أيضا

«زايد للكتاب» تعرف بالثقافة الإماراتية والعربية في ألمانيا