الاتحاد

ثقافة

استعارة القطار في الفن التشكيلي.. مطرٌ وبخارٌ وسرعة!

فان غوخ ولوحة منظر أوفير بعد سقوط المطر

فان غوخ ولوحة منظر أوفير بعد سقوط المطر

عزالدين بوركة

لعب القطار دوراً حاسماً وفعالاً في تقريب المسافات وربط الجغرافيات فيما بينها، بما في ذلك مدن وقرى وحتى بلدان، مخترقاً الحدود، ومعلناً عن ميلاد عصر جديد، عصر الصناعة المتسم بالسرعة في النقل والتنقل والصُنعِ، ما سيساهم في تغيير جذري لأسس التواصل والاتصال ونقل البضائع والمسافرين. فقد طوى القطار المسافات، وقلّص الزمن من أيام إلى ساعات، ومن ساعات إلى دقائق.
شكل القطار منذ ابتكاره رمزية واستعارة هامة بالنسبة للمبدعين والفنانين والكتاب، بل حتى الفلاسفة، إذ إن فكرة تأليف كتاب «موسى الإنسان» راودت فرويد من خلال الصور والانطباعات التي راكمها خلال رحلة له قام بها على متن قطار، فهذه المكينة المتوحشة وسككها الحديدية، التي قلبت العالم، ستغيّر حتى مجرى التفكير. يقول عنها هنريك هاين: «لقد قتلت السكك الحديدية الفضاء، ولم يتبق لنا سوى الزمن».
وفي عصر المكننة والسينما، يعد أول عمل سينماتوغرافي في التاريخ، قد ارتبط بالقطار، وذلك من خلال المتتالية المشهدية التي صوّرها الإخوة لوميير: «وصول القطار إلى المحطة»، عُرض في 25 ديسمبر 1895، في «غراند كافيه» في باريس- فرنسا، ويُحْكى بأنّ الجمهور قد أصيب بالدهشة والذهول، وقفز البعض من مقاعدهم خوفاً من أن يخترق القطار الجدار. من هذه الدهشة سيؤثر موضوع القطار على الفنون الأخرى، ولم يكن فن الرسم والفن التشكيلي بمختلف مراحله من رومانسية وحداثة ومعاصرة بمعزل عن هذه «الإصابة بالدهشة»، بل سبّاقاً إليها.

البداية الرومانسية
ترجع أولى اللوحات التي اهتمت برسم القاطرات المتحركة، إلى الرسام البريطاني ويليام تورنر، الذي رسم لوحته الزيتية «مطر وبخار وسرعة» سنة 1844. وتظهر هذه اللوحة قاطرةً تمرّ فوق جسر للسكك الحديدية يمتد على نهر التايمز في مايدنهيد. وقد كان يُعتبر هذا الجسر آنذاك إنجازاً معمارياً مهماً، تمّ بناؤه بين عامي 1837 و1839. وسمح هذا الخط بربط مدينة بريستول بلندن العاصمة.
تصوّرُ لنا هذه اللوحة منظراً طبيعياً ضبابياً وحقولاً مزروعة ومدينة بعيدة، وقطاراً يقترب... بل قاطرة سوداء، يبرز شكلها المتوهج المتمثل في مدخنتها المدفوعة إلى أقصى طاقتها، ما يوحي بالحركة المتسارعة للقطار القادم من بعيد، طاقة تتدفق مع ستار المطر.
عموماً جعل تورنر عمله يصوّر المشهد وفقاً لمنظور مركزي، حيث إن الحدث كله يتمركز على القطار، ومن ثم تنتظم الخلفية من حوله. ويصوّرُ التركيب المتباين للوحة تحوّر العالم والمناظر الطبيعية مع نهاية حياة مسالمة التي اتسم بها العصر الزراعي (المناظر الريفية، تمثيل الأرنب الذي يرمز إلى الحياة البرية، مزارعون، فتيات ترقصن على الضفة، وجسر قديم...) وبداية العصر الصناعي المتمثل في القاطرة الضخمة والجسر الحديث. ما يجعل بعض النقاد في ذلك الوقت، وهم يضعون مقارنة بين سرعة القطار (الصناعة) وسرعة الأرنب (الطبيعة)، يتساءلون هل سيسحق القطار الأرنب؟ وبالتالي هل سيكون للحداثة التي ولجتها آنذاك أوروبا مع الصناعة اليد العليا على الزراعة والماضي؟... وإن أشاد النقاد بهذا العمل الفني، غير أنه لم يسلم من الانتقاد، إذ إن كلود مونيه انتقد -لاحقاً- تيرنر بسبب نهجه الرومانسي الذي اتبعه في رسم السكك الحديدية. بينما اختار الفنان الفرنسي أن يمثل قاطرةً كوحش هدير في محطة سان-لازار عام 1877.

حداثة تصوير القطار
لم يستقر الاهتمام بموضوع القطار بما أحدثه من قفزة جذرية في التاريخ البشري على رسومات تيرنر الرومانسية، إذ سيُعرف مونيه، من بين كل الانطباعيين، بسلسلة لوحاته «محطة سان-لازار»، حيث تظهر القطارات ككتل مظلمة تغطيها الأدخنة تحت الممشى أو على جسر للسكك الحديدية فوق نهر السين. يتعلق الأمر هنا باثنتي عشرة لوحة خصصها مونيه لتصوير المحطة الباريسية من مختلف الزوايا، مركزاً على «وحشية» القطار وقوة أبخرته، وذلك بعدما تحوّل من الاهتمام برسم المناظر الطبيعية الريفية إلى تصوير الحياة الحديثة في عصره. فسعي مونيه إلى تحديث أسلوبه ومواضيعه سيدفع حال استقراره في مدينة باريس، قاده ليهتم برسم هذه الآلة المتحركة والمتوحشة، المخترقة بحديدها الهواء الذي تمزقه طاوية الزمن والمسافات، لا تتوقف إلا في قلب المحطات، وهذا هو الذي شدّ هذا الفنان إلى الاهتمام برسم محطة سان-لازار وكل تلك الأبخرة الضبابية، التي أعطت لوحاته بعداً ضبابياً انطباعياً. إذ وعلى رغم من الشكل الهندسي الذي اتبع لرسم الهندسة المعدنية للمحطة، وإيضاح القطارات في قلبها، إلا أن التأثيرات الزاهية والملونة هي التي تسود في اللوحات، بدلاً من رسم التفاصيل لكل من المكينات أو المسافرين. لم يعد إذن من الممكن فصل السكك الحديدية وآلاتها الحديدة عن الثقافة الحديثة التي تولدت عن زمن الصناعة والأبخرة، بل إن التطور الصناعي وما شكله من قفزات كبرى في تطوير الآلات كان له دور كبير في تطوير آليات ومواضيع اشتغال الفنان.
وإن كان مونيه أب الفن الحديث قد أثر في كل الفنانين الذين سيجيئون من بعده، فموضوع القطار الذي خصص له 12 قماشة، قد ألهم العديد من الفنانين المتأثرين بالانطباعية والعالم الصناعي الذي لا يتوقف على تطوير آلاته المتوحشة. إذ سيستلهم فان غوخ ثيمة القطار ليوظفها موضوعاً في إحدى قماشاته المعروفة بـ«منظر طبيعي لأوفيرز بعد المطر»، التي رسمها قبيل وفاته بقليل. تنقسم اللوحة إلى خطين أفقيين: الطريق الأبيض وفي العمق القطار المنطلق بسرعته القصوى، والذي يملأ الفضاء بسحابته البخارية، وهو يتجه عكس العربة الصغيرة في الطريق الأبيض، كأن الفنان يحيلنا إلى صراع العربة والقطار، هذا الأخير الذي يتجه مسرعا نحو المستقبل بينما العربة تسير ببطء نحو «الماضي». يعبّر فان غوخ عن حركة الحياة التي بدأت تغدو أكثر سرعة، بينما ما زالت الحقول زاهية بألوانها الربيعية، الخضراء والزرقاء.
ستتعدد بالتالي الأعمال التصويرية التي اهتمت بالقطار على مرّ السنوات، متأثرة في تصويرها له بما عرفه من تطور متسارع. إذ سيرسم الفنان الفرنسي هونوري دوميه لوحته «ركاب الدرجة الثالثة» سنة 1862، حيث يبرز بؤس الركاب وهم في حالة من التعب واليأس. وهي اللوحة التي ألهمت الشاعر لويس أرغون بكتابة إحدى قصائده، حيث يقول: «الشعب هم ركاب الدرجة الثالثة»، فقد حاول الرسام أن يعبّر عن يأس وشقاء الطبقة الفقيرة التي انتمى إليها، وهم يمتطون القطار، كأنهم ينساقون في يأسهم عبر الزمن الذي لا يتوقف، إلا في محطات معينة لينزل البعض ويركب البعض الآخر، فيغدو القطار استعارة زمن ورمزية تقلب الحياة.
ولم يقتصر موضوع القطار على هؤلاء الانطباعيين المجددين، بل ستهتم تيارات أخرى بهذه الثيمة الملهمة، إذ نجد الفنان السريالي رنيه ماغريت، قد اعتمد على واقعية فائقة وتباينات لونية، ليصوّر مشهداً سريالياً من مدخنة رخامية بيضاء في غرفة منزل، تنبعث منها قاطرة يرتفع بخارها إلى داخلها. وعلى منضدة المدخنة شمعدانان بلا شمعات وساعة، تعكسها المرآة المعلقة على الحائط فوق المدخنة. وقد ألهمت هذه اللوحة العديد من نقاد الفن، الذين وضعوا تفسيرات معقدة لمعناها، قبل أن يوضح ماغريت، بعد عشرين عامًا من رسمها، أنها مجرد استكشاف لمفهوم الغموض في الفن.

فوتوغرافيا القطار
من هذا الغموض الفني والدهشة والبُعد الزمني والعاطفي والرومانسي والانطباعي والسريالي... ستتعدد اللوحات التي اهتمت بالقطار فضاء ورمزاً، داخل تيارات أخرى، كالتكعيبية وحتى التجريدية، كما هو الحال في اللوحة التجريدية الهندسية للفنان Sandor Bortnyik، «الآلية الحمراء»، التي رسمها سنة 1918. وستتلاحق الأعمال وستتعدد، وصولاً إلى يومنا هذا، ولم تكن الفوتوغرافيا بمعزل عما يحدث، إذ ستلهم سرعة القطار الفائقة الفنانين الفوتوغرافيين لمحاولة القبض على الحركة، وبالتالي اهتم الفوتوغرافيون، بتصوير القطار متحركاً، أو جعله وسيلة متحركة، مثبتين داخله كاميراتهم، لالتقاط المناظر وهي في حركة وهمية بفعل حركة القاطرات، كما هو الحال في أعمال الفوتوغرافي الشهير بول نَظَارْ، التي عنونها بـ«الاختبارات الفورية تمّ الحصول عليها خلال الرحلة السريعة للقطار»، سنة 1884، أما الفنان الفوتوغرافي المعاصر Bernard Plossu، فيصور غالباً صوراً من وسيلة نقل متحركة بسرعة، حيث يلتقط كلًا من المناظر الطبيعية التي تتجوّل في الخارج والعناصر التي تكشف وجوده في السيارة أو القطار، حيث تغدو آلة التصوير منخرطة في مغامرة السفر تلك، التي يقوم بها الفنان متجوّلا لالتقاط متتالياته الحركية، فلم تعد وسيلة النقل (القطار في هذه الحالة) وسيلة نقل عادية، بل داعمة للكاميرا المثبتة لامساك اللحظة المتسارعة.. ها إذن صار القطار لا فقط موضوعاً بل غرضاً توظيفياً لالتقاط الصور، ومع بداية العصر الفني الجديد سيتحول الاشتغال إلى جعله سنداً لرسومات غرافيتية ومعاصرة.

الفن المعاصر: عربيا
بالتالي، ليس الفن المعاصر بمعزل عما حدث ويحدث في عالم الفن المهتم بالقطار كموضوع وثيمة وسند، بل سيجعل منه البعض معرضاً متنقلاً للأعمال، فيغدو بالتالي عملاً فنياً في حد ذاته، عملاً متحركاً أو ثابتاً، إنه «فن حي» كما يسميه البعض، فن يصل إلى المتلقي أينما كان، يسافر إليه، ويخترق مفهوم العرض الكلاسيكي، فلم يعد المشاهد مرغماً بزيارة المعارض ليرى الأعمال، التي تكاد تطرق بابه ليراها اليوم، إنها بالمقربة منه أينما ارتحل. وفي هذا الإطار سيعمد فنانون -غربيون وعرب- إلى الاشتغال على قاطرات القطار أو حتى على السكك الحديدية نفسها، لما تُتيحُ من عمق وبعد بصري.
تعددت الأعمال التي اهتمت بجعل القطار سنداً وعملاً فنياً، سواء ثابتاً أو متحركاً، في كل العالم. لكن ظل هذا الأمر قليل التعاطي معه عربياً، بل حتى مواضيع اللوحات العربية لم تشمل إلا القليل منها ثيمة القطار، إلا أنه في الإمارات، وبالتحديد في إمارة دبي، سيتم -في اشتغال مغاير ومعاصر- تحويل «مترو دبي» إلى متاحف وصور فنية متنقلة، وذلك سنة 2015، وهو الحدث الذي نظمته هيئة دبي للثقافة والفنون، إذ تم الاعتماد على أعمال تجريدية وتصويرية وحروفية وغيرها، ما منح القاطرات حيوية وحياة فنية، حيث حملت القاطرات صوراً لأعمال فنية تعود إلى كل من الإماراتي عبد القادر الريس، والجزائري رشيد قريشي، والسوري صفوان داحول. قدّم كل منهم عمله بأسلوبه التشكيلي. وهو مشروع فنيّ يرسخ الفن البصري في المشهد الثقافي، ويقرب بشكل معاصر الفن إلى جلّ العموم.
وهناك تجربة جمالية غرافيتية قام بها الفنان التشكيلي المغربي رشيد باخوز سنة 2009، ضمن بادرة خيرية تحت رعاية إحدى الجمعيات الخيرية المعنية بالأطفال، ومكتب السكك الحديدية في المغرب، حيث سيعمد إلى إعادة إحياء قاطرة منسية، عبر جعلها عملاً فنياً غرافيتياً، تم وضعه في الشارع العام، قرب مقر الجمعية، حتى يتسنى للعامة التفاعل مع العمل الذي اقترب منهم وأيضا تحسيسهم بأهمية الفعل الخيري والجمعوي لتنمية البلاد.
بالتالي، شكل كل من هذين العملين المنجزين عربياً، دوراً فعالاً للخروج بالفن عربياً عبر القطار، بحركته ورمزيته واستعاراته، إلى الشارع وملاقاة والاحتكاك بالجمهور.

اقرأ أيضا

«زايد للكتاب» تعرف بالثقافة الإماراتية والعربية في ألمانيا