الاتحاد

عربي ودولي

العــــالم امـرأة جويس موجورو ··

تركة الأشبـاح
السعد عمر المنهالي:
في إفريقيا تطارد أشباح الفقر والجوع والمرض الشعوب المغلوبة على أمرها، أما في زيمبابوي، فبجانب هذه الأشباح، تركض أشباح أخرى لتقترع في الانتخابات، وفي كل الحالات، تأتي هذه الأشباح كمخلفات استعمارية من بقايا زمن آخر مازالت توابعه تطارد أحلام الصغار وتفتك ماتبقى من حكمة الكبار· وبين هذا وذاك، تبحث النسوة بين خراب المكان على بقايا شعلة تنير بها ظلمة المكان لعل الأشباح تقرر الرحيل· ومن بين الركام خرجت جويس موجورو ليست كامرأة تجسد النسوة فقط، وإنما كأم تجسد أحلام الرجال!!
تبدو فكرة قدرة المرأة التي تلتف النسوة حولها في زيمبابوي كأمل لتخليص البلاد من حال يسوء يوما بعد الآخر غريبة وبعيدة عن منطق الواقع بمعطياته المؤلمة، في بلد يسحقه الفقر والعقوبات الدولية والتمزق الداخلي، ورغم ذلك فقد دعت جويس موجورو في الثلاثين من مارس الماضي 2005 من مقر الحزب الوطني الديموقراطي -زانو- داعية أكثر من ثلاثمائة امرأة مديرة تنفيذية وسيدة أعمال للمشاركة في الانتخابات ونصرة الحزب في الانتخابات واعدة إياهم بمساحة أفضل للمرأة ومقاعد أكثر تصل إلى 30 بالمائة من مقاعد البرلمان، ومناصب تنفيذية أكثر في الحكومة، ولكن هل هذا ممكنا في سلطة خلفتها الأشباح؟!
تيوري روبا
ولدت جويس موجورو تشيمرينجا بقرية قرب جبل داروين -تبعد 200 كيلومتر من هراري عاصمة زيمبابوي- في الخامس عشر من إبريل عام ،1955 وتأتي في ترتيبها الخامسة من بين أسرة بها عشرة أطفال· ورغم تمييز جويس الذهني المبكر إلا أنها لم تكمل تعليمها كباقي أقرانها لأنها التحقت بالمقاومة المسلحة لاستقلال بلادها منذ عام 1973 وهي لا تزال في الثامنة عشرة من عمرها، فتركت منزل اسرتها واجتازت الحدود إلى زامبيا ثم إلى موزنبيق التي كانت معقل لرجال المقاومة في معسكر زانلا ·
غيرت تجربة المقاومة من مسار حياة جويس تماما، فقد عرفت بقوتها ورابطة جأشها في محيط الرجال حتى لقبت بـ تيوري روبا -أي الدم المنسكب- في دلالة على شجاعتها، ورغم طولها الذي لا يزيد عن خمسة أقدام تخصصت في إطلاق صواريخ الهاون والأسلحة الثقيلة أثناء معركة التحرير، ولعل القصة الأكثر شهرة بين مآثرها في معركة المقاومة ضد الأقلية البيضاء بروديسيا، نجاحها في إسقاط مروحية لقوات الأقلية البيضاء عام ·1974
تميزت جويس بسرعة في فنون القتال وبجدارة أصبحت قائدة لمعسكر المقاتلين في تشيمويو عام ،1977 وبذلك كانت من النساء القلائل اللاتي وصلن لمراكز قيادية في حركة المقاومة والتحرير، كما انتخبت سكرتيرة لحزب الاتحاد الوطني الأفريقي زانو -الذي قاد حركة تحرير روديسيا- لشؤونِ النِساءِ في معقل المقاومة بموزنبيق، وهناك التقت زوجها سليمان موجورو -الذي أصبح فيما بعد القائد الأول لجيش التحرير الوطني- وأنجبت منه طفلين قبل استقلال زيمبابوي عام 1980 لم تنس جويس دراستها، فالتحقت بعد استقلال البلاد بالثانوية لتكمل عامين في الدراسة المسائية ثم التحقت بالجامعة لتدرس الإدارة العامة·
بعد استقلال زيمبابوي عن بريطانيا عام 1980 أصبحت جويس موجورو أصغر وزيرة في أول حكومة تشكل في البلاد بعدما عينت على رأس وزارة لشؤون المرأة وهي لا تزال في الخامسة والعشرين من عمرها، واستمرت لخمس سنوات على رأس العمل النسوي في البلاد المستقلة حديثا، وفي عام 1985 تقلدت وزارة تنميةِ المجتمع والتعاونيات وشؤونِ النِساءِ حتى عام ،1992 وفي عام 1996 أصبحت وزيرة للمعلومات والبريد والاتصال لمدة عام واحد، ثم وزيرة للمصادر الريفية وتطوير المياه منذ عام 1997 وحتى عام ،2004 وخلال تلك الفترة ترأست بالوكالة وزارة الدفاع بعد أن قتل وزير الدفاع موفين ماهاتشي في تحطم سيارته عام 2001 ·
خدمت جويس موجورو في حزب زانو في شدته وعزه، وخلال الخمسة وعشرين عاما الماضية من عمره كانت على رأس الحكم في زيمبابوي وفي الصفوف الصفوف الأولي دائما، فتقلدت مهام حكومية رئيسية تجعلها من المحسوبين الرئيسيين، والآن تعد جويس من أربعة أشخاص فقط لازالوا يشغلون مناصب في السلطة تحت حكم الرئيس روبرت موجابي ، وإن هذا الأمر ان دل على شيء إنما يدل على درجة الولاء التي بلغتها تجاهه ولم يبلغها الكثيرين من رجالات الحزب الآخرين ولعل زوجها أحدهم·
في معقل الرجال
عندما عقد سبعة من كبار قادة حزب زانو اجتماعا سريا لترشيح رئيس البرلمان أميرسون منانجاجو لمنصب نائب الرئيس موجابي بعد وفاة النائب سيمون موزيندا ، لم يرض هذا موجابي ، فأصدر قرارا بوقفهم ورشح جويس موجورو ، وبالفعل حصل على تأييد أغلبية أمناء الأقاليم بالحزب عليها، كما صدق على الاختيار أكثر من تسعة آلاف مندوب بمؤتمر الحزب الذي يعقد مرة كل خمس سنوات، لتصبح جويس نائبة الرئيس موجابي بجانب نائبه الآخر جوزيف ميسكا ·
وبذلك أصبحت جويس أول امرأة أفريقية تصل لمنصب نائبة للرئيس في القارة السوداء في الرابع من ديسمبر عام ،2004 وقد اعتبر وصولها لهذا المنصب دلالة على تغيير جذري في دور النساء في المجتمع الزيمبابوي، خاصة وأنها مرشحة وبقوة لخلافة موجابي الذي أعلن أنه سيترك السلطة بعد نهاية ولايته في ·2008
عرف عن روبرت موجابي رئيس زيمبابوي منذ خمسة وعشرين عاما آنه أحد أكثر الشخصيات في العالم المثيرة للجدل، ولعل ما قام به من سحب أراضي 3000 مزارع من السكان البيض في زيمبابوي منذ عام ،2002 وما جراه ذلك من معادة المجتمع الدولي سيما بريطانيا -الدولة المستعمرة سابقا- ومن ثم فرض عقوبات دولية عليه، الامر الذي دعم من قوة المعارضة في الداخل سيما حزب الحركة من أجل التغيير الديمقراطي ، والذي يصر الرئيس موجابي على اعتبارهم خونة، ولذا اختار لحزبه زانو شعار انتخابات 2005 انتخابات ضد بلير !·
بالتأكيد جاء دس اسم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير كاتهام لمناصري الحزب المعارض بالخيانة، وهو ما لم يتوان موجابي عن اتهام أنصار المعارضة علنا به، وذلك ما أعاد إلى الذاكرة أحداث انتخابات مارس 2002 التي خرج فيها موجابي -بعد فوز حزبه- الآن خذوا عصيكم وأضربوا هذه الأفاعي المنتشرة بينكم ، وهو ما دفع البلاد إلى ساحة عنف· ودفع المجتمع الدولي إلى فرض عقوبات دولية على زيمبابوي تضمنت حظر بيع الأسلحة إليها، والتوقف عن منح تأشيرات السفر لكبار المسؤولين فيها·
ومنذ ذلك الحين قرر الاتحاد الاوروبي تمديد سلسلة من العقوبات على زيمبابوي، غير أن هناك إمكانية لمراجعة العقوبات في حالة إجراء انتخابات نزيهة، وهو ما شُكك به حتى قبل إجراء الانتخابات في الحادي واالثلاثين من مارس الجاري ،2005 وعلي هذا ستستمر العقوبات حتى فبراير ·2006 ورغم هذا استبق الرئيس 'موجابي' ورفض أي مراقبة أجنبية غربية، ولذا فقد تولت 32 دولة معضمها افريقية، بالاضافة إلى 13 منظمة دولية تشرف على عملية الانتخابات، ولكن بموافقة وتحت اشراف الحكومة· وحسب مصادر رسمية فقد أشرف على الانتخابات 6 آلاف مراقب في ثمانية آلاف مركز انتخابي موزعة علر أقاليم البلاد·
الأمل القريب
عندما أعلنت الحكومة الزيمبابوية في الأول من فبراير 2005 أنها ستجري الانتخابات التشريعية في الحادي والثلاثين من مارس ،2005 لم تعلن حركة التغيير الديموقراطي إن كانت ستشارك في الانتخابات أم لا، خاصة وان زعيم الحركة مورجان تسفانجيراي يرى أن حزبه سيخسر في الانتخابات سواء شارك أم لم يشارك، غير أنه وقبل أسبوعين فقط من موعد إجرائها أعلن مشاركته -في الانتخابات التي تنظم كل عامين لاختيار أعضاء المجلس التشريعي الذي يبلغ 120 عضوا-، وعلى غير ما توقع تسفانجيراي فقد حقق حزبه حسب النتائج الأولية للانتخابات تقدما بـ31 مقعدا من أصل 59 دائرة انتخابية من دوائر المناطق الحضرية في العاصمة هراري و بولاوايو ، غير أن الأمر لم يلبث إلا أن انقلب لصالح حزب زانو ليعلن المسؤولون في الأول من ابريل عام 2005 عن قوة جديدة لـ روبرت موجابي ، فقد حصل على 46 مقعدا إلى جانب ثلاثين مقعدا آخرين يعينهم موجابي، وبالتالي يصل العدد إلى 76 مقعدا من أصل 150 أي أغلبية·
وبطبيعة الحال شككت المعارضة وجماعات حقوق الإنسان بنزاهة الانتخابات بالرغم من هدوء ساحة الاقتراع وخلو الأمر من حالات عنف أو اعتداء· غير أن أكثر ما أثير في هذه الانتخابات هو إصرار المعارضة على قيام الحزب الحاكم بالتآمر واللعب في القوائم الانتخابية وتسجيل أسماء موتى لضمان أكبر عدد من الأصوات لصالحه· ولعل الطريقة التي اعتمدتها نائبة الرئيس جويس موجورو بتحفيزها النساء للمشاركة في الانتخابات واعدة إياهم بمستقبل مختلف للمرأة في البلاد أفضل بكثير من الاتكال على الموتى في الوصول إلى سدة الحكم·
Als_almenhaly@emi.ae

اقرأ أيضا

تعيين خليفة ميركل "المحتملة" وزيرة للدفاع في ألمانيا