الاتحاد

عربي ودولي

قيرغيستان نقطــة التحول لدى روسيــــــا


ترجمة ـ يوسف صوالحة:
إن فترة الحكم السوفييتي الغاشم والبغيض قد زالت، غير أن صداها لم يزل موجودا في بعض البلاد المنفصلة عن الاتحاد السوفييتي، مثل جورجيا، أوكرانيا والآن في قيرغيستان·
وتقع قيرغيستان على مقربة من أفغانستان وهي من البلاد التي انفصلت عن الاتحاد السوفييتي بعد انهياره، وأغلبية سكانها من المسلمين·
وكانت الفوضى وأعمال الشغب التي أطلت برأسها واستحكمت في قيرغيستان- أقوى حليف لروسيا الأم في وسط آسيا- دليلا واضحا على ما قاله المحللون الغربيون من أن تلكم الفوضى في الحكم والسياسية والدبلوماسية هي التي كانت ومازالت تقف وراء هذه الجموع من المعارضة للحكومة·وعكست تلك الأحداث الدامية والفوضى العارمة في قيرغيستان بعد الانتخابات الأخيرة صورة واضحة تقول' إن الاتحاد السوفييتي -الإمبراطورية التي كانت لا تقهر - جاء اليوم الذي تقهر فيه وتتجزأ بلدانها وتتمزق·
انتقائية معهودة
وكانت المعارضة انتقدت الانتخابات الأخيرة وشككت بنزاهتها خصوصا بعدما استبعدت الانتخابات العديد من مرشحي المعارضة حتى أضحت نتيجة الانتخابات حصول المعارضة على 6 مقاعد من أصل 75 مقعدا للبرلمان·
وبعدما جاء في أعقاب الثورات غير الدامية التي أسفرت عن استقلال جورجيا وأوكرانيا خلال العام ونصف العام المنصرم، انهار فجأة حكم عسكر أكاييف على قيرغيستان بعدما انهار حكمه على الاتحاد السوفييتي بالأمس القريب· وكان هذا الانهيار مؤشرا إلى أن الاتحاد السوفييتي الغابر كان ولا يزال يلقى بغضا واشمئزازا من قلوب الناس لاستكباره وعنجهيته حينما كان مغوارا، وما أن استمر الحاكم السوفييتي نفسه على قيرغستان قام الناس بخلعه·وأما بالنسبة لموسكو فقد قال ستانسليي بلكوفوسكي-المحلل السياسي المقرب من الكرملن'أما الآن فإن كل العالم لا يأبه لروسيا لأنه كشف مدى الضعف الذي تعانيه وتلازمه، ومن الآن فصاعدا فلن يقوم أحد بالتعامل مع روسيا ولا حتى يطلب مناصرتها فضلا عن مناصرته لها؛ لأن عوامل الجذب لديها زالت واستحالت عوامل طرد'· وقال' إن روسيا جمدت نفسها داخل حقبة الحكم القيصري في القرن الثامن عشر حتى أصبحت غير قادرة على ممارسة العلاقة التناظرية مع دول العالم المتقدمة، ولا حتى الاقتصاد العالمي، فضلا عن السياسات الخارجية الناجحة مع الدول الصناعية الكبرى، كما تفعل تلك الدول مع بعضها البعض'· وأضاف: إن المشكلة الكبرى لدى روسيا لا تكمن في أن روسيا تضعف أكثر في كل يوم، وإنما تكمن في أن روسيا لا تدرك أنها لم تعد قوية مثل ذي قبل ولا تدرك أنها انتهت أو على وشك، وكل تلك الأمور تجعل من روسيا تلبس ثوبا ليس بثوبها، وتتكلم بما ليس لديها'·
الحل: إما·· وإما
هناك إقرار عام على أن هناك حلين يجعلان روسيا قادرة على حل أزمة حكومة أكاييف، والمتمثلة في الاتهام بالخيانة والدكتاتورية·
وهما إما أن تسقط الحكومة تماما وتقيم غيرها بدلا منها كما هو الحال الآن في حكومة باكاييف المؤقتة، أو تدعمها دعما كاملا بكل ما أوتيت من قوة مما يجعلها تتغلب على المعارضة الداخلية وتقف بوجه المعارضة الخارجية ·وقال ألكسي مالاشينكو - المحلل السياسي لمركز كرنيجي في موسكو'إن التحليل الوحيد للأحداث الواقعة في قيرغيستان والذي يكون المبتلى الأول والأخير فيه هو روسيا -الفوضى السياسية وسوء التخطيط وفقدان السيطرة على الوضع، أما أن نخطئ ونقول إن كل شيء يحصل معنا هو مؤامرة من الخارج وتذهب بنا ذهنية المؤامرة إلى مكان بعيد فإن هذا غير مقبول'·
وأوضح ' إن الأوضاع في قيرغيستان الآن تعكس مدى الخطأ الذي كنا نعيشه، وتعكس مدى وحشية ودكتاتورية الحكم الذي كان يجثو على صدورنا· وما حدث في بشكيك عاصمة قيرغيستان يظهر بوضوح أن كل الأنظمة السوفييتية السابقة كانت فاسدة وهشة؛ بحيث تسقط وتتفتت بمجرد أن تظهر على السطح الكوارث السياسية والفساد الاجتماعي المستشري في الجوف الروسي'·
وفجأة وبعد فترة من الأزمات السياسية في العديد من البلدان المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي، ظهر الضعف والخورجليا في كل من الحكومات الأوزبكية والطاجيكية في وسط آسيا حتى تشجع الناس على توجيه الانتقادات اللاذعة للحكومات ويطالبونها بإعادة الانتخابات لمجرد الشك في نزاهتها فكيف إذا تيقنوا الخيانة كما حدث في قيرغيستان·
بوتين في خطر
ولم تقتصر الفتنة على قيرغيستان فلقد انتقلت العدوى إلى روسيا وصارت الانتقادات تظهر فيها وتتوجه مباشرة إلى حكومة فلاديمير بوتين حتى أمسى استمرار بوتن في الحكم أمرا مشكوكا فيه·
وقالت إيرينا خاكامادا - المرشحة المنافسة لبوتين عام 2004 والتي باءت بالفشل' إن هذه التفاعلات الخطيرة في روسيا ستجعل مسألة القوة المركزية فيها أمرا سريع الزوال وقريبا'·وأضافت كذلك ' إن الشعب الروسي في الآونة الأخيرة يرى أن فساد الحكومة هو السبب في تردي الأوضاع في البلاد ولذا فإن الشعب يشعر أنه مستعد للانقلاب على الحكومة ويرى أنه سينجح في الإطاحة بها؛ لأن الملاحظ لديهم ومن تجارب أمثالهم في أوكرانيا و جورجيا أن الحكومة لم تصمد إلا للحظات في وجه المظاهرات والاحتجاجات الشعبية، وخصوصا عندما طالبت الشعوب بحقوقها الموعودة بها إبان انهيار الحكم السوفييتي الغاشم : ومنها حق اختيار ممثليهم البرلمانيين وحكامهم، الحرية في التعبير عن أنفسهم والحلم في حياة أفضل يوما بعد يوم، ولكن ما وجدوه كان على العكس من ذلك تماما·

اقرأ أيضا

الاتحاد الأوروبي يوافق على تأجيل "بريكست" دون تحديد مدة