الاتحاد

عربي ودولي

العراق ·· مشكلة وطن أم اشكالية مواطنة ؟

بغداد - مزةمصطفى : للمرة الثانية خلال أسبوعين تخفق الجمعية الوطنية العراقية في اعلان التشكيلة الجديدة للحكومة العراقية للمرحلة الانتقالية التي تستمر حتى نهاية العام الحالي · ومع أن الصيغة التي اتبعتها القوى السياسية الرئيسية في العراق والتي فازت بأكثر المقاعد في البرلمان الانتقالي وهي صيغة التوافق قد حسمت أمر المناصب السيادية العليا في البلاد على النحو التالي : منصب رئيس الجمهورية يشغله كردي هو جلال الطالباني رئيس قائمة التحالف الكردستاني يساعده نائبان سني وشيعي ، ومنصب رئيس الوزراء يشغله الدكتور ابراهيم الجعفري شيعي مرشح قائمة الائتلاف العراقي الموحد ، و منصب رئيس الجمعية الوطنية يشغله عربي سني ، إلا أن المشكلة التي ما زالت هي في من يشغل من العرب السنة هذا المنصب السيادي بعد الاعتذار الرسمي الصريح الذي قدمه الرئيس الحالي للجمهورية المنتهية ولايته الشيخ غازي الياور عن تولي هذا المنصب · ان السؤال الذي ربما يستحق الطرح هو ·· هل الاشكالية السائدة الآن في العراق هي أشكالية أسماء أم أشكالية أتفاق على رأي وتوجهات ؟ وهل تبدو المشكلة الآن سنية - سنية بحتة بعد أن حسم الشيعة والاكراد الفائزون بأكبر نسبة من المقاعد في الجمعية الوطنية أمرهم لصالح الاتفاق على برنامج سياسي معين حرصوا من خلاله على اشراك الجميع في العملية السياسية على أساس برنامج وطني يمكن أن يساعد الجميع على العبور بأتجاه المرحلة النهائية بعد اقرار الدستور والاستفتاء عليه من قبل الشعب في مدة أقصاها نهاية نوفمبر من العام الحالي ؟ من الواضح أن هذه الاسئلة وغيرها أخذت تتفجر الآن في وقت راح فيه القلق يساور الشارع العراقي على تأخر اعلان الحكومة بعد مضي أكثر من شهرين على اجراء أول انتخابات ديمقراطية في العراق · ومع أن هناك الكثير مما يقال في هذا الشأن إلا أن المسألة الاساس التي يجب مناقشتها هي أن القضية في العراق الآن هي ليست مجرد مناصب سيادية يتم الاتفاق بشأنها ، أو حقائب وزارية يجري توزيعها سواء وفق نتيجة الانتخابات ونسبة الكتل البرلمانية أو وفق مبدأ التوافق ، بل إن القضية الاساس هي كيفية الشروع ببناء الدولة الجديدة في العراق ·
سؤال المستقبل
انطلاقاً من هذه الحقيقة المهمة فإن جميع القوى السياسية فضلاً عن مكونات الشعب العراقي تسعى للاجابة عن سؤال المستقبل وهو ·· كيفية اعادة بناء الدولة الحديثة في العراق ؟ ان من الحقائق التي لا يمكن تجاهلها هي أن الشعب العراقي يتألف من مكونات عرقية - قومية - دينية - مذهبية - طائفية ، لذلك فإننا في الواقع إزاء اشكالية تتصل بصلب هذه المكونات وما يمكن أن ينتج عنها من حراك سياسي واجتماعي وفكري · وفي ضوء هذه الحقيقة فإن فكرة المواطنة العراقية مرت بأكثر من دور أو مرحلة بحيث بدت في مرحلة وكأنها مشكلة ، فيما بدت في مرحلة أخرى وكأنها اشكالية يصعب تجاوزها · واليوم بدأت القوى السياسية العراقية التي شكلت العمود الفقري للمعارضة السابقة ضد نظام صدام حسين تدفع ثمن ذلك ، فمن جهة أخرى فإنها كانت متفقة على برنامج سياسي عريض يتلخص في اسقاط النظام ، ولما لم تكن قادرة بإمكانياتها الذاتية على اسقاطه فانها استعانت بالولايات المتحدة الاميركية لكي تحقق لها هذا الهدف · غير أن هدف الولايات المتحدة وإن كان يتفق بالاطار العام مع المعارضة العراقية إلا أنه لم يكن معبراً عن طموحات المعارضة وطروحاتها · فالولايات المتحدة هي في النهاية دولة عظمى بل الدولة الاعظم في العالم والتي لها أجندة كاملة سياسية وأقتصادية وثقافية ليس في العراق فقط بل في عموم المنطقة والاقليم · لقد دقت المعارضة العراقية طبول الفرح حين سقط النظام في التاسع من أبريل عام 2003 دون أن تتمكن بعد من الاجابة على سؤال المستقبل · وعندما بدأت واشنطن تطبيق برنامجها الذي اتضح أنه برنامج مختلف إلى حد كبير فإنه لم يكن أمام قوى المعارضة التي بدأت تتسيد المشهد السياسي العراقي سوى العمل على إيجاد مساحة مشتركة من العمل مع واشنطن على أساس أنها صاحبة فضل لا ينسى في إسقاط النظام مع هامش من المناورة حيناً والمرونة في انتقادها حيناً آخر على بعض الممارسات مثل حل الجيش بالدرجة الاساس أو وزارة الاعلام ، أو اصدار قانون اجتثاث البعث وسواها من الاجراءات التي أدت فيما بعد إلى تفجير أعمال العنف المسلح وبروز ظاهرة المقاومة العراقية التي اختلطت فيها عمليات الارهاب · ومع مضي نحو سنتين على اسقاط النظام السابق فإن القوى السياسية التي احتلت واجهة المشهد أيضاً بعد التغيير استطاعت بالكاد أن تتوصل إلى أتفاق يتيح المجال أمام اجراء أول انتخابات ديمقراطية في العراق وسط معارضة شديدة من أطراف وجهات داخل المجتمع العراقي كان أبرزها السنة العرب الذين طالبوا بتأجيل الانتخابات فترة أطول · وبالفعل أجريت الانتخابات ، وقد حققت نجاحاً مدوياً لا سيما وان الرهان كان قائماً على فشلها ، ولم يعد امام العالم سوى الاعتراف بالواقع الجديد الذي أفرزته الانتخابات والذي يفترض أن يكون واقعاً ديمقراطياً ، تهيأ للسياسيين والمفكرين والمحللين أن الاجابة على سؤال المستقبل قد تحققت يوم الثلاثين من شهر يناير الماضي وأن عجلة الديمقراطية بدأت تسير دون أن يدور بخلد الجميع الذين أفرحتهم نشوة النصر بالانتخابات أن هذه العجلة ما زالت بحاجة إلى عربة لكي تدور ·
عربة أسمها ·· الديمقراطية
إن هذه العربة بلا شك هي عربة الديمقراطية إلا أنه ما أن ركب الجميع عربة الديمقراطية حتى أدركوا جميعاً أن هذه العربة ما زالت بحاجة إلى الحصان الذي يجرها لكي تسير إلا أن المسألة الاخطر حتى الآن هي في الاتفاق على موقع الحصان الذي يتوجب عليه أن يجر عربة الديمقراطية في العراق ·· هل يمكن أن يكون خلف العربة أم أمامها ؟ إن الاجابة عن هذا السؤال من شأنها أن تعيدنا إلى المربع الاول وتنسف نتائج الانتخابات · فالشيعة مثلاً الذين فازوا بأكبر نسبة من المقاعد في الجمعية غير أن هذه النسبة لا تؤهلهم لتشكيل حكومة ولم يعد أمامهم سوى الاتفاق مع احدى القائمتين اللتين جاء ترتيبهما الثاني والثالث وهما القائمة الكردستانية والقائمة العراقية · وفيما أصطدمت القائمة الشيعية بمطالب الاكراد القومية خصوصاً مطلبهم الاكبر المتمثل بضم كركوك إلى أقليم كردستان فإنها اصطدمت بإشكالية العلاقة بين الدين والدولة مع القائمة العراقية التي يتزعمها رئيس الوزراء الحالي الدكتور إياد علاوي ، وحتى في حال الاتفاق مع إحدى القائمتين لإحراز النسبة الكافية لتشكيل الحكومة وهو ما حصل مع القائمة الكردستانية إلا أن المسألة في العراق لا تتصل بحكومة أو برنامج حكومي ، بل هي مسالة أعمق من ذلك بكثير وهي إعادة بناء الدولة من جديد ، ولذلك فإنه يصعب تجاهل العرب السنة الذين كانوا طوال أكثر من 80 عاماً يهيمنون على الحياة السياسية في العراق فيما يشعر الشيعة والاكراد أنهم ظلوا طوال هذه الفترة يعانون التهميش والاقصاء والتغييب · ولذلك فإن منحهم منصب رئاسة الجمعية الوطنية يبدو حتى الآن أمراً صعباً وغير قادر للهضم في ضوء التصور الجديد الذي أفرزته نتائج الانتخابات الاخيرة · وعلى هذا الاساس فإن نشوة النصر بالانتخابات راحت تتضاءل في ضوء تأخر إعلان الحكومة الذي بات مصدر قلق كبير في الشارع العراقي · وإذا عدنا إلى حكاية العربة والحصان ثانية فإن الاشكالية الاكبر في العراق حتى الآن هي في الكيفية التي يتم من خلالها تخطي المعطيات الخاريجة لمفاهيم الديمقراطية والاستحقاقات الانتخابية ، والنسب السكانية لصالح الاتفاق على اجندة وطنية تضم مشتركات الشعب العراقي أكثر مما تضم اختلافاته القومية ، والعرقية ، والمذهبية ويبدو حتى الآن أن الوصول إلى مثل هذه الصيغة أمر بمنتهى الصعوبة طالما أن الحديث لا يزال يجري عن صيغة توافق عرقي - طائفي وليس وطني بحت بصرف النظر عن أي انتماء آخر · ومن هنا فإن الاشكالية ما زالت هي اشكالية مواطنة أكثر مما هي مشكلة وطن · إن العراق بوصفه وطناً لا يعاني أية أشكالية في هذا المجال · بيد أن المشكلة القائمة حتى الآن هي أشكالية المواطنة التي ينبغي أن تغلب ما هو وطني عام على ما هو مذهبي ، أو عرقي ، أو ديني ·

اقرأ أيضا

بعد 3 أيام من الرعب.. لبنان يسيطر جزئياً على حرائق الغابات