الاتحاد

دنيا

حياة البرعي سفر حافل بالأحداث المثيرة


متوكل مبارك:
الحديث عن الطرق الصوفية في السودان حديث ذو شجون، حيث ينتمي غالبية اهل السودان الى هذه الطرق للنهل مما تقدمه من سمو روحي ايماني نشأت عليه الشخصية السودانية بالفطرة منذ امد بعيد·
وتدعو كل طرق الصوفية في السودان الى البعد عن التعصب والتطرف والتشدد الاعمى، ومن هذه الطرق القادرية والسمانية والادريسية والتيجانية والانصارية والختمية والبرهانية والرفاعية·
وما دمنا نتحدث عن الطرق الصوفية بالسودان فلا بد من التعرض لأحد النماذج المشرقة وأحد رموز الصوفية في عهدنا الحديث لما جسده من قيم سمحة واخلاق فاضلة وإرث عظيم عبر نهجه المقتفي لآثار أئمة الاسلام المهتدين ألا هو الشيخ الجليل المرحوم عبدالرحيم الشيخ محمد وقيع الله البرعي الشهير ببرعي الزريبة، والذي انتقل الى جــــــــوار ربه فجر الاحد العشرين من فبراير 2005 ·
سيرة عطرة
كان الشيخ البرعي إنموذجا طيباً لمريديه واحبابه، وتعدى تأثيره نطاق الموقع الروحي الذي عاش فيه واجتذب نحوه اتباع طريقته ليصل دائرة واسعة عمت ارجاء السودان·
أما عن رحلاته وعلاقاته وصلاته بشيوخ الطرق الصوفية في كل مكان فقد اضحت علماً بارزاً لاتخطئه العين، وامتدت بينه وبين جميع فئات المجتمع اقوى وامتن الصلات، فتجسدت من ذلك خلال سنوات حياته الطيبة والعامرة بالخيرات علاقة مميزة لها رونقها قوامها احترام الناس الشديد·
ونجح الشيخ عبدالرحيم البرعي بمسلكه الفريد باجتذاب الناس الى رحاب المعرفة الصوفية باشراقاتها وتوهجها، ذلك لأنه استمد عمق تجربته من نهج التسامح والتصافي والمحبة الخالصة، وفوق ذلك كله عرفه اهل السودان عالماً متواضعاً كتواضع العلماء الافذاذ لم يجنح يوماً الى الغلو أو التشنج ، فنجح في جمع الصف وتوحيد الكلمة·· وعمد دائماً الى بساطة الشرح لتعاليم الدين مهتدياً بالقدوة الحسنة المصطفى عليه افضل الصلاة والسلام·
ولد الشيخ عبدالرحيم البرعي بقرية الزريبة فى العام 1923 من اب ينتمي لقبيلة الكواهلة القاطنة في ضواحي المناقل بقرية الشيخ عبود النصيح، وامه من قبيلة الجعليين تنحدر من سلالة الشيخ سلمان العوضي بضواحي شندي، تعلم القرآن على يد الشيخ ميرغني عبدالله من ابناء الجعليين ، جلس بعدها لدراسة العلم على يد والده الشيخ محمد وقيع الله الذي كان عالماً بارعاً حفظ القران وقرأ على يده كبار علماء عصره، وكانت ترسل اليه امهات الكتب من كبرى دور النشر بالقاهرة وبيروت ودمشق·
بعد وفاة والده في العام 1944 تولى الشيخ البرعي خلافة الطريقة (السمانية) وعمره لايتعدى 21 عاما ، وفي الستينات من القرن الماضي انشأ المعهد العلمي بالاضافة الى خلوة تدريس القرآن الكريم ، وفي العام 1970 افتتح المعهد العلمي بمنطقة الزريبة رسمياً وبدأ في تدريس الطلبة ·
الطريقة السمانية
أسس البرعي الطريقة (السمانية) - التي حمل لواءها مؤخرا الشيخ البرعي - السيد محمد بن الكرين السماني المدني في اوئل القرن الثاني عشر الهجري، وظهرت بالمدينة المنورة وحمل لواءها الى السودان الشيخ أحمد الطيب بن البشير والذى تفرعت منه هذه الطريقة في اقطابها الكبار كالشيخ محمد توم ود بانقا والشيخ القرشي، والاستاذ محمد شريف نور الدين بام مرحي، والشيخ قريب الله بأمدرمان، والشيخ عبد المحمود بطابت، وبالنيل الأزرق اشتهر الشيخ طلحة الفلاتي والشيخ محمد الصابونابي والشيخ حمدان والشيخ هجو، وبالنيل الأبيض اشتهر الشيخ محمد برير والشيخ محمد ودمضوي والشيخ عمر بالكريدة، وفي كردفان الشيخ محمد وقيع الله - والد الشيخ البرعي - وبمنطقة جبل اولياء الشيخ الإمام ود قيدولي ومن أحفاده الشيخ الياقوت الشيخ محمد· وللشيخ البرعي اكثر من 700 قصيدة في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) تم نشر عدد منها في دواوين، ويردد قصائد البرعي فرقة شهيرة باسم اولاد البرعي يقوم الشيخ البرعي نفسه بتلحين القصائد لها، وفى السنوات الاخيرة قامت اكثر من 6 فرق في الخرطوم تردد قصائد البرعي وتلقى قبولا كبيرا من السودانيين، كما ألف الشيخ البرعي العديد من دواوين الشعر منها (ديوان رياض الجنة ونور الدجنة) وديوان (فتح ذي المعارج في الشعر السوداني الدارج) وغير ذلك من المدائح الدينية والقصائد التهذيبية، وللشيخ البرعي العديد من المؤلفات في مدح نبينا (صلى الله عليه وسلم) ومن اشهر قصائده (مصرالمؤمنة) والتي جادت بها قريحته وهو في زيارة لأم الدنيا وقصيدة (اوريك طبك)، ويعرض الشيخ عبدالرحيم البرعي الشعر في شتى ابوابه وفنونه، وجاءت اغلب قصائده في مدح الرسول (ص) والوعظ والارشاد ومحاربة نزوح الشباب الى المدن وشتى نواحي الحياة، واول دواوينه كان (بهجة الليالي والايام في مدح خير الانام) ، ثم ديوانه الثاني (رياض الجنة نور الدجنة) الذى صدرت منه الطبعة الاولى عام 1967 وصدر الجزء الثاني ،1991 وللشيخ الجليل كتاب آخر منظوم بعنوان (هداية المجيد فى علوم الفقه والتوحيد) ·
الزريبة
تقع قرية الزريبة على بعد (مائة كيلو متر) في الجزء الشمالي الشرقي لمدينة الأبيض شمال مدينة أم روابة حاضرة المحافظة التي تتبع لها الزريبة، واغلب سكان هذه المنطقة من قبيلة (الجوامعة)، ورغم أن أهل الزريبة من (آل وقيع الله) ليسوا من هذه القبيلة إلا أنهم تملكوا الأراضي الزراعية والسكنية الشاسعة في رقعة كبيرة جدا، وتحيط بها قبيلة (الجوامعة) و بعض القبائل الأخرى، وتاريخهم القريب يعود إلى أيام السلطنة الزرقاء (1504 (1820 -، ومن المرجح ان استيطانهم بهذا المكان يعود إلى الهجرات العربية الأولى التي وفدت إلى شمال كردفان واستقرت بها باعتبار أن هنالك كثيراً من القبائل العربية أتت إلى كردفان ثم غادرتها إلى بعض مناطق وسط السودان·
تنقلت قرية الزريبة مكان إلى مكان أكثر من مرة خلال هذا التاريخ حيث كان أهلها يسكنون بداية الأمر في قرية تسمى (أم حجر) على اسم البئر التي كانت لهم، وتقع هذه بجوار قرية (الضباب) الواقعة على بعد نحو من خمسة كيلو مترات جنوبي (الزريبة) حالياً، وفي هذا المكان تم دفن عدد من موتى الأسرة من بينهم الجد (وقيع الله)، ولم يزل أثر هذا المكان ظاهراً إلى الآن·، وأثناء تواجدهم في ذلك المكان حدث شجار بينهم وبين قبيلة (الضباب) كان ضحاياه أحد أبناء (الضباب) حيث تسود في ذلك الزمان قاعدة تقول (إما الدار وإما الثأر) إذا ما حدثت جريمة قتل بين قبيلتين بمعنى إما أن تخلي القبيلة المعتدية الأرض أو تقوم المعتدى عليها بالثأر منها، وقد تدخل الشيخ (محمد ود دوليب) في حل المشكلة وأفضى الحل إلى إخلاء المنطقة ودفع الدية والمغادرة إلى مكان يقع غرب الموضع الحالي لقرية الزريبة ثم غادروه أخيراً في عهد الشيخ محمد وقيع الله عام 1935 إلى الموضع الحالي الذي يمثل قرية الزريبة التي عرفت مؤخراً واشتهرت في عهد ابنها وشيخها عبدالرحيم البرعي·
وشيد الشيخ عبدالرحيم البرعي في الزريبة معهداً لحفظة القرآن أسماه المعهد العلمي،العام 1970 ولا زال يؤمه العديد من طلاب العلم من السودان والدول المجاورة، وتحتشد الزريبة بمريدي وزوار الشيخ على مدى العام لاحياء ليالي الذكر اليومية التي تعتبر من النشاطات العادية لسكان الزريبة ومريدي الشيخ الجليل، وذلك لما للزريبة من مكانة رفيعة فى قلوب السودانيين وغير السودانيين ، وزار الزريبة معظم رؤساء السودان ، ومنهم الرئيس السابق جعفر نميري لمرتين فى العام 1978 وفى العام ،1983 وتحتضن الزريبة اكثر من (3000) دارس قرآن الى جانب حلقات اخرى في الخرطوم ومدن السودان الاخرى تضم نحو (200) دارس·
بريطاني في زريبة البرعي
وكانت زيارة الشيخ البرعي إلى (نيفاشا) البلدة الكينية التي شهدت مفاوضات الحكومة السودانية وجيش تحرير السودان من الشواهد العظيمة التي عززت ما يضطلع به الشيخ في خدمة الوطن، وكانت قضية الجنوب ومنذ الاستقلال تمثل لديه هماً ذاتيا، لا باعتبارها قضية سياسية أثارت حرباً أهلية بين أبناء البلد ولكنها قضية تشغل المخلصين من أهل الدعوة الذين من أوجب واجباتهم دعوة الناس إلى الخير وإصلاح ذات البين، وكان الشيخ البرعي، وظل الشيخ يدعو في صلاته وقيامه لوقف نزيف الحرب·· وهناك حكاية ياسرعلي وهو شاب بريطاني من اصول باكستانية يبلغ من العمر 18 عاما قدم من بريطانيا التي ولد وتقيم اسرته فيها، تلقى ياسر تعليمه في بريطانيا حتى المرحلة الثانوية، ولان حفظ القرآن الكريم ليس سهلا هناك بسبب عدم تداول اللغة العربية بصورة واسعة اختار ان يدرس في احد بلاد الاسلام التي تتحدث العربية·· وجاء ياسر الى (الزريبة) بعد سماعة نصيحة احد الاخوة المصريين بالذهاب الى السودان والى الشيخ البرعي تحديدا مع انه لم يعرفه ولكن سمع به ، وانتظم ياسر مع قرنائه بالدراسة وحفظ من القرآن حتى سورة الدهر·· وعانى ياسر في البداية الامر من مشكلات كثيرة اهمها ارتفاع درجة الحرارة ولكن الشيخ عبدالرحيم البرعي كان يقوم بتلبية كل احتياجاته وساعده على حل كل المشكلات حتى لا تقف حائلا امام حفظه للقرآن الكريم، وبعد شهر من مكوثه بالزريبة زاره اخوه الكبير الذي لاحظ ان صحته ليست على مايرام بعد ان اعتراه النحول وطلب منه العودة ولكن ياسر اقنع اخاه بعظمة الواجب الذى يؤديه وان ليس لديه الآن رغبة في العودة الي بريطانيا، وبالرغم من ان ياسر عندما يكون وحيدا يحس بالغربة ويشتاق لأسرته لكن حفظ القرآن كان له هو الاهم ، كما استطاع ان يكسب الكثير من الاصدقاء في الزريبة لدرجة انهم اصبحوا يؤثرون في مستوى دراسته وحياته في السودان خصوصا ان الحياة التي يعيشها الآن تختلف عن مثيلتها في بلاده حيث ان الناس بسطاء وطيبون·
الرحيل
لقد استشعر المجتمع السوداني في مدنه وحواضره وفي بواديه وقراه مرارة الفقد للشيخ العارف بالله عبدالرحيم البرعي الذي ارسى طيلة حياته معالم الاستقامة والطهر والكرم والابوة الصادقة، فكان اخاً شفوقاً للكبير وأباً حنوناً للصغير، وقدم في حياته الطاهرة المثال الصادق على اخلاص النية وصدق التوجه وقوة العزيمة·
هكذا رحل الشيخ الذي عرفته مجالس العلم وساحات التصوف لعقود طويلة كرمز لروح التدين العميق والاصيل في المجتمع السوداني، بما تركه من ارث عظيم عبر نهجه المقتفي لآثار أئمة الاسلام المهتدين الداعين لقيم التدين والتسامح والتصافي بين القبائل والاجناس كافة·

اقرأ أيضا