الاتحاد

ثقافة

"ذكاء اصطناعي".. أشباح معدنية تختزن في أعماقها تعاطفاً إنسانياً

ملصق فيلم ذكاء اصطناعي (من المصدر)

ملصق فيلم ذكاء اصطناعي (من المصدر)

إبراهيم الملا (الشارقة)

عندما رحل المخرج البريطاني الفذّ، ستانلي كوبريك في عام 1999، ترك خلفه ثمانين ورقة من الملاحظات والهوامش والسيناريوهات المقترحة حول مشروعه الضخم لتحقيق فيلم: «ذكاء اصطناعي» أو A.I اختصاراً لـ: Artificial Intelligence.
بزغت الفكرة الحالمة للفيلم عام 1983 عندما قرأ كوبريك قصة قصيرة بعنوان: «الدمى الخارقة تبقى طوال الصيف» للمؤلف بريان ألديس، حيث ظلّت القصة تلحّ عليه كهاجس لا يمكن الفكاك من أسره، ولكن ما حال دون صياغتها سينمائياً هو عدم توافر التقنيات المتطورة القادرة على ترجمة التفاصيل الواردة في القصة وفي السيناريوهات المتخيلة لكوبريك إلى مشاهد بصرية مقنعة يمكن أن تصنع شريطاً سينمائياً مدهشاً يتجاوز ما قدمه في أفلامه السابقة مثل: «البرتقالة الآلية»، و«أوديسا الفضاء»، و«البريق»، والمعروف عن كوبريك التأنّي الكبير والجرأة العالية وعدم التنازل عند وضع الخطوط النهائية لأي مشروع سينمائي يقدمه، لذلك كانت مغامراته السينمائية وحلوله الاستثنائية ناجحة على الدوام، رغم أن المنتجين كانوا يصفونها أحياناً بالحلول المستحيلة.

مشروع معلّق
ظلّ مشروع فيلم «ذكاء اصطناعي»، معلقاً في الفراغ التقني المؤجل، حتى أنه كان مهدداً بالإلغاء التام، إلّا أن فيلماً باذخاً بالتقنيات وهو فيلم: «الحديقة الجوراسية» للمخرج ستيفن سبيلبيرغ أعاد الأمل مجدداً لتحقيق مشروع الفيلم، وكان يطلق على سبيلبيرغ وقتها بأنه أحد الديناصورات المدللة في هوليوود، وكان المنتجون يلهثون وراء أفكاره غير المسبوقة والباهرة وذات الإيرادات الضخمة في شباك التذاكر، تحوّل فيلم «الحديقة الجوراسية» لدى كوبريك إلى طوق نجاة حيث بعثت التقنيات المذهلة الحياة في جسد الديناصورات المنقرضة، كما فعلت تماماً مع مشروع كوبريك الذي كان على وشك أن يحنّط!
ولأن مشروع «ذكاء اصطناعي» قائم أساساً على فكرة المصير الإنساني بعد الكوارث المستقبلية، وحروب الإبادة الجماعية، والتي يضمحلّ فيها الوجود البشري، وتتحوّل الروبوتات إلى كائنات مهيمنة ومستقلة وقادرة على التحكم في تصرفاتها ذاتياً، فإن عنصر الإقناع كان هنا ضرورياً للوصول إلى هذه الفكرة الافتراضية المرعبة، ولأن الديناصورات في فيلم سبيلبيرغ كانت مقنعة لأقصى الحدود، فإن الروبوتات التي صنعها كوبريك في خياله سوف تتاح لها الفرصة كي تتنفس أخيراً على الشاشة!
أُعلن عن مشروع الفيلم رسمياً في عام 1994 وأنه سيكون الفيلم التالي لكوبريك بعد فيلم: «سترة معدنية كاملة» الذي أنتج عام 1987، ذلك أن القفزة الكبيرة في تقنية المؤثرات الخاصة والكمبيوتر غرافيك هي التي شجعته على إعلان المشروع.
وجاء الإعلان بعد لقاءات مطولة بين سبيلبيرغ وكوبريك، حيث أعطى الأخير صورة واضحة وجوهرية عن ماهية المشروع وتفاصيله، وذهب كوبريك أبعد من ذلك عندما صرّح لأصدقائه المقربين أن سبيلبيرغ هو المخرج المثالي القادر على التصدّي للمشروع، دون أن يخفي رغبته في أن يؤول الأمر إليه في النهاية.
وتعقيباً على هذا التلميح علّق سبيلبيرغ قائلا: «كنت أتساءل: كيف يضحي كوبريك بأفضل مشاريعه على الإطلاق، لابد أنه فقد عقله، ولكنني شعرت بعد ذلك أن اقتراحه كان أقرب إلى الوصية».
ويكمل سبيلبيرغ: «بعد رحيل كوبريك اجتمعت مع أرملته وكذلك مع منتج أعماله، وبعد الاجتماع شرعت في كتابة السيناريو، وطوال فترة عملي على هذا السيناريو كنت أشعر بكوبريك وكأنه ما زال حيّاً، كنت أراه بجانبي أثناء الكتابة والتصوير، وكان هذا الإحساس غريباً ومثيراً بالفعل».

عناد وتوازن
لكن السؤال المطروح هنا: ماذا لو كان كوبريك أخرج الفيلم فعلاً، ما الفروقات التي سوف تطرأ على الفيلم، وأيهما سيكون أنجح؟
بالنسبة لكوبريك المتّصف بالعناد والشراسة في خياراته البصرية، فإن الفيلم لن يخرج عن التصنيف (R)، أي أنه سيكون فيلماً مخصصاً للبالغين فقط، وهذا سيؤثر دون شك على مداخيل الفيلم وعلى الجهات المنتجة والراعية له، وسيؤثر على حظوظ الفيلم في التوزيع في أميركا ودول العالم، خصوصاً وأن بعض الشخصيات التي صاغها كوبريك في السيناريو الأصلي كانت شخصيات قاسية ومشوهة عاطفياً، تعيدنا إلى شخصيات فيلمه: «البرتقالة الآلية»، ذلك الفيلم المشاكس والمخترق لكل التابوهات الاجتماعية والأخلاقية، وهي على العموم جاءت في سياق نقدي واحتجاجي على جنون السياسة، لا في سياق اعتباطي أو عبثي، وبالرغم أن جيشاً من الفنيين والتقنيين سيكونون وراءه عند تنفيذ الفيلم، إلا أن خبرة كوبريك مع المؤثرات الخاصة لا يمكن مقارنتها بخبرة سبيلبيرغ التي تراكمت وتطورت بشكل مذهل، ابتداء من فيلم «إي تي» و«لقاء قريب مع النوع الثالث»، وصولاً لفيلم: «غزاة تابوت العهد القديم» وسلسلة أفلام «الحديقة الجوراسية»، كما أن سبيلبيرغ يتصف بالتوازن في خياراته البصرية وفي صياغة الشخصيات، حيث حوّل الشخصيات القلقة والضارية في سيناريو كوبريك الأصلي إلى شخصيات مهادنة يمكن للمشاهد أن يتعاطف معها بشكل وبآخر، خصوصاً تلك الشخصية الروبوتية أو الآلية التي بأداء دورها الممثل جود لو ومن هنا انتقل الفيلم من التصنيف (R) إلى التصنيف (PG 13) أي لمن هم فوق الثالثة عشرة من العمر، إضافة إلى أن سبيلبيرغ المحنّك لا يمكن أن يدع مصير فيلمه في يد المجهول كما كان يفعل كوبريك، خصوصاً إذا تعلق الأمر بالأرباح وحقوق التوزيع، حيث لا يمكن لكلمة «مجازفة» أن تكون هي الكلمة المطروحة أمام مشاريعه السينمائية ذات العقود الضخمة. لقد استطاع سبيلبيرغ أن يحوّل أشباح كوبريك المعدنية إلى كائنات آلية تختزن في أعماقها تعاطفاً إنسانياً، بحيث تكون أكثر تماهياً وتصدياً للكوارث المستقبلية على كوكب الأرض.

اقرأ أيضا

500 طالب وطالبة في مسابقة «القارئ المبدع»