الاتحاد

رمضان

تسونامي سياسي على الأبواب·· والجماهير آخر من يعلم!

فرق الإنقاذ لا تجـدي إذا وقعـت الواقعة
القاهرة - الاتحاد : 'اللعبة احلوت' كما يقول العامة·· لكن هذه اللعبة التي مازالت حتى الآن حلوة توشك ان تفقد قواعدها ومعاييرها لتصبح لعبة سخيفة ومرة·· وتتحول الى فوضى و'تسونامي' سياسي لا تجدي معه الاغاثة والمعونات وفرق الانقاذ·
والمشهد الآن منذ طلب الرئيس حسني مبارك تعديل المادة السادسة والسبعين من الدستور ليصبح اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب المباشر بين اكثر من مرشح يحمل ارهاصات تسونامي سياسي لأن كل فريق بدأ يلعب لحسابه لا لحساب الوطن·· وهناك بوادر خطيرة للاستقواء بالتدخل الاجنبي في الشؤون الداخلية وهناك من يريد ممارسة اللعبة بلا قواعد·· وهناك كيانات عشوائية وكائنات ليلية بدأت تخرج من الشقوق لتبحث عن موطئ قدم في مناخ يراد له أن يكون فوضويا وبلا ضوابط·
والمسألة تجاوزت التعبير السياسي عن الرأي والفكر الى محاولة البعض مثل جماعة الأخوان المسلمين 'المحظورة' إزالة آثار التراجع في الخريطة النقابية باستعراض القوة عبر مظاهرات تزعم أنها خرجت للمطالبة بالإصلاح·
وأي محلل حتى لو كان قصير النظر وقليل الحيلة لا يخطئ في الربط بين نتائج انتخابات المحامين وخروج الأخوان لأول مرة منذ سنوات طويلة في مظاهرات لاستعراض القوة شملت ميدان ضريح سعد زغلول وميدان رمسيس بالقاهرة يوم الأحد الماضي·· فالاخوان سجلوا تراجعا كبيرا في انتخابات المحامين التي اجريت يوم التاسع عشر من مارس·· حيث فقدوا منصب النقيب الذي خسره المحامي رجائي عطية بالضربة القاضية أمام سامح عاشور·· وقد كان رجائي هو رهان الاخوان·· كما كان سامح هو عدوهم اللدود الذي أرادوا اسقاطه·
وكان الاخوان قد رشحوا اثنين وعشرين لشغل مقاعد في مجلس النقابة العامة الذي يضم أربعة وعشرين مقعدا·· وفاز منهم خمسة عشر مرشحا بينهم ثلاثة على الاقل ليسوا محسوبين على الاخوان منهم المحاميان محمود السقا ومنتصر الزيات·· بينما حصدت قائمة سامح عاشور وانصاره اثنى عشر مقعدا·· وعندما ظهرت النتائج الصادمة للأخوان ملأوا الدنيا ضجيجا حول التزوير والتلاعب ووقعت معركة بالكراسي داخل النقابة·· وقالوا وقال نقيبهم الخاسر رجائي عطية انهم سيطعنون بالتزوير·· وهنا انبرى سامح عاشور النقيب الفائز ليقول انه سيطالب باعادة فرز اثنى عشر الف صوت ضاعت في الزحام وكانت كفيلة باخراج قائمة الاخوان كاملة من المجلس الجديد لنقابة المحامين·
الاستقواء بالأجنبي
وبعد أن قال سامح عاشور هذا الكلام خفت صوت الاخوان وتراجع تصميمهم على الطعن في الانتخابات ربما لعلمهم بأن اعادة الفرز ستطيح بمقاعد كثيرة فازوا بها في مجلس النقابة·· وهكذا شعر الاخوان بالخطر وبأن قبضتهم على النقابات المهنية توشك أن تتراخى وانهم سيفقدون سيطرتهم على تلك النقابات في الانتخابات القادمة للأطباء والتجاريين والمهندسين التي ستشهد قريبا رفع الحراسة عنها·
وفكر الاخوان في حل يخرجهم من هذا المأزق فلم يجدوا سوى الانخراط في اللعبة السياسية الفوضوية التي تدور على الساحة الآن·· وحشدوا ما استطاعوا من انصار أو متعاطفين أو حتى ساخطين من خارج الاخوان للخروج في مظاهرات تحت لوائهم لمجرد استعراض القوة والايحاء بأنهم مازالوا اقويا وأن نتائج انتخابات المحامين وعاصفتها العاتية لم تكسرهم·
وعرف الاخوان مسبقا رغم أنهم جماعة محظورة بالقانون أنهم سيكونون في مأمن خلال المظاهرات ولن يتعرض لهم أحد بسوء لأن القوى الأجنبية التي تحمل رسالة نشر الديموقراطية في العالم تراقب الموقف وتحرسهم وسوف تقيم الدنيا وتقعدها اذا حدث لهم مكروه كما فعلت مع الدكتور أيمن نور رئيس حزب الغد·
وحدث ما توقعه الأخوان بالفعل حيث تحدثت واشنطون عن مظاهراتهم وطالبت بمنحهم حرية التعبير رغم ما يشنه الغرب بغير حق كثيرا من هجمات على الجماعات الاسلامية في العالم كله·
وهكذا دخل الاخوان حلبة الاستقواء بالتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لتأتي مظاهراتهم بأثر عكسي مضاد لهم حين أدرك عامة الناس في الشارع رغبة الاخوان في الاستقواء بالاجانب·· وخسر الاخوان بهذه المظاهرات التي تغازل الخارج ما تبقى لهم من رصيد شعبي كان أصلا في طريقه الى التآكل·
ودخل الاخوان اكثر من لعبة الاستقواء الاجنبي حين تغيرت لهجة المهادنة للنظام الى لهجة التهديد والوعيد والهجوم المباشر على هذا النظام فقد سبق لمرشد الجماعة محمد مهدي عاكف ان عقد مؤتمرا صحفيا في قلب نقابة الصحفيين دعا فيه الى فتح صفحة جديدة مع النظام والدخول في حوار معه للاتفاق على الثوابت والوصول الى نقطة التلاقي·· لكن الحكومة لم تعبأ بهذه الدعوة واكتفت بالقول انها تتحاور فقط مع الاحزاب والكيانات الشرعية·
وعندما شعر الاخوان بأن البساط يسحب من تحت اقدامهم بالتدريج انتهزوا فرصة الفوضي السياسية الحالية ورياح التدخل الاجنبي القادمة من الغرب فأرادوا ان يكونوا موجة مد في تسونامي السياسي وخرجوا في مظاهراتهم الاستعراضية وقال محمد حبيب النائب الاول لمرشد الجماعة كلاما مناقضا تماما لما قاله المرشد عاكف من قبل حيث امتلأت تصريحاته بالهجوم والتهديد والوعيد واكد ان الجماعة لن تعطي صوتها للرئيس مبارك في الانتخابات الرئاسية القادمة بل ستختار مرشحا تدعمه في هذه الانتخابات·
وبالغ حبيب اكثر في استعراض القوة لمحاولة ازالة اثار انتخابات المحامين وقال ان الاخوان سيردون بطريقتهم على الاعتقالات والاجراءات التي اتخذتها الحكومة ضدهم ورأى ان الحكومة وقعت في خطأ كبير لانها على حد وصفه الاستعراضي تتجاهل اكبر القوى السياسية والدينية في مصر·ويتغير المشهد في الفيلم السخيف الذي يشبه افلام المقاولات·· لنجد الدكتور أيمن نور رئيس حزب 'الغد' والذي ينتظر المحاكمة الجنائية يوم 28 يونيو القادم بتهمة التزوير·· واقفا تحت قبة البرلمان يقدم استجوابا للحكومة يوم الاثنين الماضي حول مشكلة البطالة·
محاضرة نور
وقد ترك أيمن نور موضوع استجوابه الرئيسي ليلقي محاضرة استعراض قوة على الملأ خصص جانبا كبيرا منها للهجوم على الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية بحجة أنه المسؤول عن انتحار عبدالحميد شحاتة الذي لم يقع عليه الاختيار كملحق تجاري·· وقال نور ان الدكتور غالي وقع على أوراق عبدالحميد شحاته بأنه غير لائق لأنه ابن فلاح·· وبالطبع كانت الفرصة سانحة لأيمن نور ليصول ويجول في غباب الدكتور غالي عن الجلسة·· والمعروف ان بين الرجلين معركة قديمة انتهت بالمصالحة·· ويبدو أن أيمن نور يريد تجديدها في لعبته السياسية الحالية·
وأراد أيمن نور في مشهد استعراضي واضح ومخصص لاستشارة ابناء دائرته الانتخابية في باب الشعرية أن يبدو القوي النافذ أمام نواب البرلمان حين قال انه تقدم بعشرة آلاف طلب تعيين لخريجي دائرته لكنه لم يستطي حتى الآن أن يعين منهم سوى 1800 فقط·
وأثار الرقم ضجة في جلسة البرلمان·· وقال النواب: وماذا تريد اكثر من ذلك ···؟ هذا رقم كبير جدا·· وابتسم أيمن نور ابتسامة الرضا لأنه حقق المراد خاصة أن الدكتور زكريا عزمي نائب الزيتون ورئيس ديوان رئيس الجمهورية وقف غاضبا ليقول: ان هذا العدد الذي استطاع أيمن نور الحصول على تأشيرات تعينيه كبير جدا ولم يحققه أي نائب لذلك سوف اسائل الحكومة عن السبب في ذلك·
وأدرك الدكتور فتحي سرور رئيس البرلمان أهداف أيمن نور من وراء استجوابه الذي يشبه المحاضرة· وقال: عموما لقد نجح أيمن نور نجاحا باهرا في اثارة زوبعة في البرلمان·· وقد اشتقنا الى الاستجوابات القوية المدعمة بالوقائع والارقام والمستندات بدلا من هذه المحاضرات والمقالات الصحفية المليئة بالنكات والاتهامات العشوائية·
الكل إذن يزايد على معاناة الناس ومشاكلهم الحياتيه·· ويقتات على البطالة والأسعار المرتفعة والفساد الاداري لكن احدا من هؤلاء اللاعبين في السيرك السياسي الجديد لا يريد حل أي مشكلة ولا حسم أي قضية لكنه يلعب لحسابه ويقدم دراما تجلب التصفيق والهتاف حتى لو كانت سطحية على طريقة 'الجمهور عايز كده'·
الافتاء السياسي
والمشكلة في هذا المشهد السياسي أن كل اللاعبين فيه تحولوا فقط الى الافتاء بأن هذا حرام وهذا حلال·· على طريقة العرب في كل زمان ومكان·· حيث يخترع الغرب الراديو والتليفون والتليفزيون والاستنساخ والكمبيوتر ونكتفي نحن العرب بالاختلاف حول ما اذا كان الابتكار الجديد حلالا أم حراما·· وهكذا يفعل من يسمون أنفسهم المعارضة·· فالمبادرة تأتي من رئيس الجمهورية والحزب الوطني الحاكم·· وهم يجلسون على مقاعد الافتاء ليقولوا ما اذا كانت تلك المبادرة حراما أم حلالا·· وهل هي شرعية أم غير شرعية··؟ وهل ما حدث مجرد فرقعة أم هو توجه صادق؟
وهذا بالضبط ما فعله الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل الذي جلس مع الجالسين في دار الافتاء السياسي· وقال ان مبادرات الاصلاح في مصر مجرد دعاية وعلاقات عامة وان انتخابات الرئاسة القادمة مجرد استعراض للرجل الواحد وأن العرب خرجوا من التاريخ وان السياسيين العرب دخلوا منطقة النميمة·· ولابد أن يتغير النظام باكمله ويكون هناك دستور جديد·
وهذا حال من تسمي نفسها معارضة أنها تريد الكل أو لا شيء على الاطلاق في صفقة واحدة وبضربة واحدة·· والمشكلة أنها لا تملك خيارات ولا بدائل وأنها تمد يدها للحكومة لتأخذ ما تجود به·· وعندما تعطيها الحكومة شيئا بعد طول انتظار تراه قليل وتطلب المزيد·· بل وتطلب كل ما في خيمة الحكومة·· حتى تصبح هي الحكومة وتتحول الحكومة الى معارضة تمد يدها لتطلب·
المعارضة تنظر الى اعلى وترى ان الاصلاح هو أن تذهب السلطة وترحل وتصبح المعارضة سلطة·· يجب ان يعترفوا بأن هذا هو الاصلاح الذي يريدونه·· والا لأدركوا منذ قيام التعدديه عام 1976 ان الاصلاح الحقيقي يبدأ من اسفل·· وأنه يتطلب الحفر تحت أي سلطة غير متوائمة مع مطالب وطموحات الجماهير لسنوات طويلة حتى تسقط وحدها بلا مقاومة وبلا قطرة دم·· والذين يريدون تطبيق النموذج الأوكراني أو نموذج قرغيزستان في أي دولة عربية عليهم أن يدركوا ان المعارضة هناك تواجدت بقوة في الشارع وبين الجماهير وظلت تدعم هذا التواجد عشرات السنين حتى حملتها الجماهير على الاعناق الى مواقع السلطة·· والمعارضة في أي دولة عربية نبت شيطاني يريد ان يصل الى السلطة على الدبابات الأجنبية·
لذلك فإن المعارضة في مصر مشغولة بتشويه النظام بالحق وبالباطل ونقد برامج وأطروحات هذا النظام وليست مشغولة بتطبق برامجها هي وطرح بدائلها على الجماهير لأنها في الأساس بلا برامج ولا بدائل·· فهيهات أن تحلم هذه المعارضة بتكرار تجربة أوكرانيا أو قرغيرستان من قبل لأن الشعب لا يعرف شيئا عن الحكومة ولا عن المعارضة ولا أحد يعرف أن في مصر تسعة عشر حزبا سياسيا مجموع عضويتها لا يصل بأي حال الى مليون من بين سبعين مليون نسمة·
بل ان هذه الجماهير التي تتحدث باسمها المعارضة يتم تزوير ارادتها بتوكيلات حزبية وهمية كما فعل حزب الغد·· فكيف يمكن لحزب يضم في عضويته مئات الأموات والأحياء الذين لا يعملون ان يلقي الخطب العصماء مطالبا بالحرية والديمقراطية وفرص العمل ولقمة العيش والحياة الكريمة لهذا الشعب الذي اصبح كالزوج المخدوع آخر من يعلم··؟

اقرأ أيضا