الاتحاد

تقارير

أميركا والشرق الأوسط.. نحو تغيير مأمول في السياسة الخارجية

ديفيد روثكوف
رئيس تحرير المجموعة الناشرة لمجلة
«فورين بوليسي»
إذا كانت هناك نقطة تحول أساسية ميزت رئاسة جورج بوش فقد جاءت عندما أدرك هو وفريقه أن استراتيجيته في العراق ما عادت تعمل كما يجب، فقبِل بفكرة الزيادة في عديد القوات الأميركية، واعترف بالخطأ، ثم سعى للتأقلم السريع مع مجريات الوضع العراقي.
والحقيقة أن الاستراتيجية نفسها التي تبين خطؤها وإقرار بوش بالفشل ورهانه على تغيير المسار، رغم المناخ السياسي القاسي بواشنطن، كان نوعاً من التأقلم والشجاعة النادرين اللذين لا نلمسهما كثيراً لدى الرؤساء.
واليوم وبعد مرور كل هذه السنوات على استراتيجية الزيادة في عدد القوات التي اعتمدها بوش نجد أنفسنا مرة أخرى أمام فرصة مواتية للوصول إلى الإدراك نفسه - بأن السياسة الأميركية لم تنجح في العراق - وأن يبدي أوباما المرونة ذاتها التي أظهرها سلفه من قبله، لا سيما وأنه عندما أجرى بوش تغييراته الكبرى في سياسته العراقية بعد لحظة إدراك الخطأ والحاجة للتأقلم السريع، كانت المدة المتبقية له في ولايته الرئاسية هي نفسها المتبقية اليوم لدى أوباما.
أما ما يعيشه العراق اليوم في عهد أوباما فهو كان كما الأمس ناجماً عن أحداث وتطورات شبيهة بالمشاكل التي طاردت بوش وفريقه وأرغمتهم في النهاية على تبني نهج مغاير لإصلاح الأعطاب وتصويب المسار.
بوش وعدم الاستقرار
وبالطبع تتلاقى الأحداث وتتقاطع بين فترة بوش ومرحلة أوباما، إذ تشير جميع التحليلات الرصينة والقراءات المتأنية للوضع المتأزم إلى أن أساس عدم الاستقرار الحالي في العراق، يرجع بجذوره الأولى إلى فترة غزو بوش للبلد، لكن وأيضاً إلى المكاسب المؤقتة الناتجة عن استراتيجية الزيادة في عدد القوات التي ظلت مرحلية ولم يتم متابعتها على النحو المطلوب، هذا فضلا على فشل الرئيسين معاً في معالجة الاختلالات السياسية المتجذرة في النظام العراقي عندما كان الوقت مناسباً.
لكن وفي جميع الأحوال ومهما نبشنا في أسباب ما يجري وجذوره العميقة يقول الواقع اليوم إن ما يشهده العراق هو أخطر بكثير من التمرد الذي واجهه بوش واعترف لاحقاً، وإن على مضض، بأنه أصبح أكثر زخماً بين 2005 و2006، وذلك لأن المسلحين المتطرفين الذين سيطروا على مدن عراقية عدة يعكسون تمدداً لصراعين كانا لوقت قريب منفصلين هما العراق وسوريا، هذا ناهيك عن انعكاسات الوضع العراقي على عموم المنطقة.
ولتوضيح ما يجري في العراق ومدى تعقيده نظمت «فورين بوليسي» بالتعاون مع المعهد الأميركي للسلام في أبوظبي خلال الأسبوع الماضي سيناريو يحاكي الأزمة العراقية يُعرف باسم «برنامج لعبة السلام»، وهو جزء من «مناورات الحرب» التي تحاكي الأزمات وتسعى إلى إيجاد حلول لها.
وعلى غرار النسخة السابقة من البرنامج التي جرت في شهر ديسمبر الماضي ركزت الدورة الحالية على سوريا، وقد شارك في سيناريو المحاكاة مسؤولون حكوميون رفيعو المستوى ودبلوماسيون، بالإضافة إلى خبراء من العالم أجمع ومن المنطقة، لكن وخلافاً لنسخة ديسمبر الماضي اكتشفنا أنه ما عاد ممكناً الانصراف إلى الموضوع السوري لوحده، وأن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، «داعش»، فرض نفسه كموضوع للاهتمام وحل مكان بشار الأسد و«جبهة النصرة» باعتباره مصدر القلق الأكثر لفتاً للانتباه.
وفيما ظهرت في البرنامج استراتيجيات قيمة حول كيفية إحراز التقدم في القضايا الإنسانية، إلا أنه وعندما تعلق الأمر بالقضايا السياسية وصلت المجموعة المشاركة، التي تقمص أفرادها أدوار اللاعبين الدوليين والإقليمين، إلى طريق مسدود، حيث تلاشت احتمالات إحراز تقدم في سوريا ما دامت الأطراف جميعاً سواء الأسد، أو المعارضة المنقسمة على نفسها، أحسوا بأنهم مستفيدون من الفوضى الجارية في العراق، مع العلم بأن الموضوع الوحيد الذي بدا أنه قد يحشد التعاون الدولي كان احتواء التطرف والإرهاب.
«داعش» وحزمة المخاوف
ففي غضون أسابيع قليلة وبناء على المكاسب التي بدأت تتعاظم بعد انتصاراته في الفلوجة خلال يناير من السنة الجارية، تمكن تنظيم «داعش» من إثارة مخاوف جميع الأطراف المعنية بالمنطقة، ذلك أنه التنظيم الذي، على الأقل في الظاهر، يوحد مصالح الأمن القومي لعدد من اللاعبين المختلفين، سواء كانت إيران، أو الأسد، أو المالكي، أو الولايات المتحدة، أو روسيا، أو الأردن، أو إسرائيل، وحتى الاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربي، فالجميع مهدد بطريقة أو بأخرى بـ«داعش»، وبتمددها وتحولها إلى منظمة على درجة كبيرة من التعقيد، لا سيما قدرتها- عبر نهب البنوك وتهريب النفط والابتزاز والخطف وفرض الضرائب- وقدرتها على التحول إلى إحدى أفضل الجماعات الإرهابية تمويلاً في العالم.
كما أن النجاحات التي حققتها «داعش» مؤخراً وسيطرتها على صواريخ ودبابات تصلح للجيوش الحديثة يضاعف المخاوف ويفاقم التوتر، لنصل إلى نتيجة أن ما نحن بصدده يقزم خطر «القاعدة» الأم ويتعداه، فبعدد أفراد يصل إلى عشرة آلاف مسلح وبتحول التنظيم إلى جاذب للمتشددين أينما كانوا في العالم، فإنه يجدر بالإدارة الأميركية أن تتعامل مع التهديد باعتباره الأكبر والأخطر حتى من «القاعدة» نفسها.
خطوات متأخرة
والحقيقة أن الإدارة الأميركية لم تقصر في إرسال مؤشرات قوية تشي بإدراكها لحجم الخطر واعترافها بلحظة التحول الأساسية التي نحن بصددها في العراق على غرار ما واجهه بوش أثناء رئاسته، فحتى الآن تصرفت إدارة أوباما بالطريقة المطلوبة.
ورغم البداية المتعثرة والمحاولات غير المقنعة للادعاء بأن ما يجري في العراق ما عاد مشكلتنا، سارع أوباما، عندما اتضح الخطر وأبعاده الإقليمية، إلى إرسال سفن حربية إلى الخليج، ومعها 300 من عناصر القوات الخاصة إلى العراق، كما أوفد وزير خارجيته، جون كيري، إلى المنطقة للمساعدة في إرساء التغييرات السياسية المتأخرة التي من شأنها فتح المجال واسعاً أمام السُنة للمشاركة الفاعلة في الحكومة، وهو الأمر الذي فشل المالكي في توفيره.
ولا شك أن الخطوات تلك التي اتخذتها الإدارة الأميركية تبقى جيـدة، وإن كان التصميم والعزيمــة اللـذان يتعين أن يبديهمــا المسؤولون ما زالت محط اختبار، إلا أنه ومع توالي التطورات المتلاحقة، لا سيما التقارير التي تحدثت عن محاولة «داعش» إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بسيطرتها على المعابر الحدودية بين العراق وسوريا والأردن، فإنه يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها الوعي أولا بأن الأمر هنا لا يتعلق بالفلوجة، أو الموصل، وما إذا كانت «داعش» ستزحف على بغداد، بل يتجاوز ذلك إلى احتمال إقامة التنظيم المتطرف لدولة تضم أجزاء من سوريا والعراق، وربما تهديدها لأحد أوثق حلفاء أميركا في المنطقة ممثلا في الأردن.
واحتمال أن تقود المعارك المتواصلة التي ستخوضها «داعش» في العراق وسوريا ومساعي خصومها صد هجماتها إلى تشكل منطقة خارج القانون تنتهي بصوملة العراق وتحوله إلى دولة فاشلة ومرتع خصب لكل العلل والأعطاب التي قد تدخل المنطقة بأسرها في نفق مظلم.
لذا وبالنظر إلى حجم المخاطر وأبعادها الإقليمية الجسيمة لابد من أن تتعاون الولايات المتحدة مع أي كان لاحتواء «داعش» ودحرها، فالأمر هنا لا يشغل فقط الولايات المتحدة، أو القيادات في المنطقة، بل يهم المجتمع الدولي بأسره الذي يتعين حشد تأييده.
حشد التعاون الدولي
ورغم صعوبة تأمين دعم دولي شامل، إلا أن الوضع الحالي ألقى بظلاله القاتمة، ويمثل إحدى اللحظات النادرة التي يمكن فيها تعبئة التعاون الدولي، شريطة أن تكون هناك مرونة في توزيع الأدوار والقيام بالمهمات، وكما أشار إلى ذلك أوباما وكيري يتطلب هذا الجهد تعاوناً على جميع الصعد السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية. بيد أن هذا التعاون المطلوب على الساحة العراقية لمواجهة الإرهاب ليس سهلاً، بل دونه العديد من العقبات، فمجرد الضغط مثلا على «داعش» يمكن أن يؤدي إلى ما يعرف بـ «الضغط على البالون» فكلما تم الضغط على جانب برز الآخر، فلو ضُيق الخناق على «داعش» في العراق انسحبت لتظهر مجدداً في سوريا، وفي الوقت نفسه ربما تدفع الأحداث الجارية في العراق بالمالكي إلى الاعتماد بشكل متزايد على إيران، متجاهلا الضغوط الأميركية لإشراك السنة في الحكومة وتسوية المشاكل السياسية العالقة، وهو ما سيصب في مصلحة العناصر المتطرفة مثل «داعش» لاستغلال شعور السنة بالظلم والإقصاء واستقطاب المزيد من الأتباع، ومن جانب آخر كان للسياسة الأميركية في سوريا دور في تأجيج الأزمة العراقية، فقد قاومت الولايات المتحدة أي ضغوط للتدخل في سوريا، وهو بلا شك أحد العوامل المساهمة في رفع أسهم «داعش» وتطورها خلال السنوات الثلاث الأخيرة من مجرد جماعة أقرب إلى العصابة، إلى ما يشبه الجيش.
عواقب التقاعس عن سوريا
وبتأخرنا في دعم الخيارات السورية الأفضل كما يمثلها الجيش السوري الحر، والتعهد بتقديم المساعدات من دون الوفاء بها، وبرفض أوباما الإنصات إلى نصحية هيلاري كلينتون وآخرين في الإدارة بتبني موقف حاسم تجاه الأسد، نكون قد ساعدنا في تعزيز مواقع كل من «داعش» و«جبهة النصرة» من جهة، ونظام الأسد من جهة أخرى.
والمفارقة العجيبة هنا أنه في الوقت الذي يبدو في ظاهرياً أنه من مصلحة الجميع وقف تقدم «داعش»، بمن فيهم خصمها في التطرف «جبهة النصرة»، يظل صعود التنظيم الإرهابي في الحقيقة مفيداً لأكثر من فاعل إقليمي، فقد كان نظام الأسد نفسه من أطلق سراح عناصر «داعش» وأخرجهم من السجون. لأنه رأى بأن الأمر مفيد إذا اصطنع لنفسه عدواً في الميدان، حيث استغل وجود التطرف لشن حملة دعاية دولية تكرس لمقولة «الشيطان الذي تعرفه خير ممن لا تعرفه».
وبالمثل استفادت إيران من صعود «داعش» لأنها دفعت المالكي إلى الرجوع إليها طلباً للمساعدة ولحماية المراقد الشيعية، بل حتى أميركا التقطت اللحظة لبعث رسائل خفية إلى إيران وتومئ لها بإمكانية التعاون ومد الجسور.
والأكثر من ذلك أن تنامي قوة «داعش» لا تكتفي بإعطاء الإيرانيين غطاء لمتابعة مساعيها الحثيثة للسيطرة على المالكي ومن ورائه شيعة العراق، بل أيضاً تخدم استراتيجيتها في تلمس طريقها بحذر وتدرج نحو تفاهم أميركي محتمل. وفي ظل ما تمور به منطقة الشرق الأوسط من اضطرابات تعد الأخطر في تاريخها المعاصر، وإدراكاً منها لشعبية أوباما المتهاوية، يعرف الإيرانيون جيداً أن أوباما يحتاج إلى صفقة نووية مع إيران أكثر من أي وقت مضى.
وبما أنه يحتاج طهران لمساعدته في العراق وفي التعامل مع الأسد، لا مفر من الاعتراف بأن إيران تملك ورقة ضغط على الولايات المتحدة في هذه اللحظة الحرجة، كل هذا العرض لرهانات المنطقة ولاعبيها الأساسيين يجعلنا نؤكد على الوضع المعقد والمشحون في الشرق الأوسط.
فلو تقاعسنا عن التحرك الفعال ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام خط أحمر لا يمكن تجاوزه وهو الأردن، إذ لا نستطيع الوقوف والتفرج فيما الأردن، أو جزء منه يسقط في أيدي المتطرفين، لأن الأمر ببساطة ينطوي على خطر بالغ على استقرار حلفائنا العرب وإسرائيل.
حسابات قبل الخطوات
لكن في المقابل إذا تشددنا في مطالبنا بإحراز التقدم السياسي الذي نريده في العراق، فقد نسقط في شراك مناورة المالكي ومن ورائه إيران لينتهي الأمر بنتائج تصب فقط في مصلحتهم مثل تقسيم العراق الذي بدوره سيؤول إلى وضع تقيم فيه «داعش» شبه دولتها، أو ينقلب الوضع إلى صومال جديد في قلب الشرق الأوسط.
هذه المحاذير والإشكالات تفرض على أميركا حساب الخطوات قبل الإقدام عليها، ذلك أنه ليس كل من سيتعاون مع واشنطن لاحتواء، أو هزيمة «داعش» هو في الحقيقة صديق لأميركا، لكن في جميع الأحوال هذه هي اللحظة التي نجمع فيها الخبراء والمسؤولين في غرفة واحدة للتفكير في استراتيجية وسيناريوهات بديلة في منطقة تشهد تغيرات سريعة ومتوالية، مع الأخذ في عين الاعتبار التداعيات المحتملة لأي تحرك تقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها، فكما أن الوضع الراهن هو نتاج بعض خطواتنا السابقة مثل غزو العراق، وعدم الضغط جدياً لإبقاء قوة عسكرية بعد الانسحاب، وتقاعسنا عن دعم العناصر المعتدلة في المعارضة السورية، مضافاً إليها عوامل واتجاهات أخرى خارجة عن نطاق سيطرتنا، فإن المستقبل أيضاً سيتحدد على أساس ما سنقوم به اليوم، وكيف سينتهي، ناهيك عن الخطوات الأخرى التي سيقدم عليها باقي الفاعلين في المنطقة بأهدافهم وأجنداتهم المتباينة.
وإذا كان هناك من درس يمكن استخلاصه من صعود «داعش» الأخير هو أن كلفة ترك المشكلة المتفاقمة وعدم التعامل معها ترتفع يوماً بعد يوم، لكن أيضاً كلفة عدم التقدير الجيد للأمور والفشل في حساب المآلات والتفكير في النتائج والانعكاسات تكون عالية، وما علينا سوى النظر إلى ليبيا لنستوعب الدرس القاسي.
تكرار الخطأ
والمفارقة أن إدارة أوباما التي ما فتئت تنتقد زلات بوش وكبوات فريقه وقعت هي نفسها في الخطأ ذاته عندما اعتقدت، كما اعتقد من قبلها بوش، أنه يمكن ببساطة إعلان النصر ثم الإسراع في العودة إلى الوطن، غير أن بوش عندما أدرك ورطته بعدما تقدم المتمردون في العراق وقف وقفة شجاعة مع نفسه، معترفاً بضرورة تغيير المسار الذي انعكس في مجموعة من التغييرات طالت الاستراتيجية والتكتيك، وأيضاً الفريق، فهو نقل كوندوليزا رايس التي كانت مستشارة الأمن القومي إلى وزارة الخارجية، وكلف نائبها، ستيف هادلي، بمهمة مستشار الأمن القومي، كما طور فريق عمليهما، بل قام لاحقاً باستبدال وزير دفاعه القوي، دونالد رامسفيلد، وحجم من دور نائبه، ديك تشيني.
مسلسل الإخفاقات
أما أوباما فقط أثبت أنه أقل استعداد للاعتراف بالخطأ والتأقلم مع المعطيات الجديدة، فرغم التغييرات التي أدخلها الرئيس على فريقه، ظل الأداء ضعيفاً، بل استمر في التردي.
ولعـل السنـة الأخيرة التي شهـدت عدداً من التطورات السلبية مثل تردده في التفاعل مع الملف المصري، ثم الفشل السوري الصارخ، إلى التعاطي السيئ مع فضيحة التنصت التي تورطت فيها وكالة الأمن القومي، وتسارع الانهيار في سوريا والعراق وليبيا، كانت أسطع برهان على سجل باهت في تدبير ملف الأمن القومي، وربما لا يفوقها الإدارة الحالية في السوء سوى قرار غزو العراق الذي اتخذه بوش.
ولتوضيح هذا الإخفاق أكثر نلجأ إلى الكاريكاتير علَّه يسعفنا في رسم الصورة وتقريبها من الأذهان، ففيما أثبت بوش، وهو المعروف بنفوره من الدراسة والتفكير، قدرته في تعلم الدرس من خلال الأخطاء والتجربة، ما زلنا ننتظر من أوباما، وهو الأستاذ الجامعي اللامع، أن يثبت قدرته على التعلم من زميله الأقل ذكاء، وهذا يتطلب ليس فقط شجاعة الاعتراف بالخطأ والإقرار بضرورة التغيير، بل أيضاً جرأة التعامل مع الوضع المعقد الحالي في الشرق الأوسط الذي لا توجد طريقة سهلة لدخوله، أو الخروج منه.
مهام عاجلة
كما أن الوقت المناسب اليوم لإيصال الدعم للجيش السوري الحر وتقديم المساعدات الإنسانية الضرورية للشعب السوري التي ستمكننا من كسب عقول السوريين وقلوبهم، وأيضاً لأنه الأمر الصائب أخلاقياً تجاه محنة الشعب السوري وللتخفيف عن دول الاستقبال المجاورة، فيما يتعين أيضاً العمل مع قادة السنة الجدد في سوريا والعراق، وهي المهمة التي يمكن التعاون فيها مع الحلفاء الإقليميين.
هذا مـع التأكيد علـى أننا لـن نسمح بانتهاك السيادة الأردنية بأي حال من الأحوال، وبالتزامن مع ذلك تجفيـف كل منابع تمويل «داعش» بضرب عمليات تهريب النفط، أو بالتضييق على مصادر التمويل المتدفق من بعض بلدان المنطقـة، ولابد أيضاً من العمل مع الحلفـاء في المنطقة لتطوير رؤية بعيدة المدى لحفظ الاستقرار تنأى عن أوهام الديمقراطية الجيفرسونية وتركز على احتواء الكوارث التي تطارد الشرق الأوسط. وبالطبع ليست هذه سوى جزء من قائمة التحركات الأميركية التي يجب على الإدارة الحالية أن تعجل بها، وسواء اتُفق مع بعضها، أو اعترض عليها، علينا الاعتراف بأن الوقت ليس للتقاعس والانتظار، بل لبذل الجهد ورسم الاستراتيجيات، والتعاون مع الأطراف الإقليمية بطريقة أعمق وأبعد تأثيراً مما تم حتى هذه اللحظة.
ولعل الأساسي في كل هذا أن نعترف بأن ما قمنا به حتى الآن، وما لم نقم به، من خطوات وتحركات لم يعد يفي بالغرض في منطقة تغلي بالاضطراب وتترنح على شفير الانفجار.

خطر تنظيم «داعش» يُقزم خطر «القاعدة» الأم ويتعداه، فبتحويل التنظيم إلى جاذب للمتشددين أينما كانوا في العالم، يجعل الإدارة الأميركية تتعامل مع التهديد باعتباره الأكبر والأخطر حتى من «القاعدة» نفسها

«داعش» وحدّ مصالح الأمن القومي لعدد من اللاعبين المختلفين، سواء كانت إيران، أو الأسد، أو المالكي،
أو الولايات المتحدة،
أو روسيا، أو الأردن،
أو إسرائيل، وحتى الاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربي

لضغط على «داعش» يمكن أن يؤدي
إلى ما يعرف
بـ«الضغط على البالون» فكلما تم الضغط على جانب برز الآخر، فلو ضُيق الخناق على «داعش» في العراق انسحبت لتظهر مجدداً في سوريا

لو تقاعسنا عن
التحرك الفعال ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام خط أحمر لا يمكن تجاوزه وهو الأردن، إذ لا نستطيع الوقوف والتفرج فيما الأردن، أو جزء منه يسقط في أيدي المتطرفين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا