الاتحاد

رأي الناس

في حضرة البوح وأنين الذاكرة

قليلون هم الذين يطلقون العنان لمخزون صدورهم من تراكمات السنين، وندوب الماضي الأليم، وجروح تأبى أن تندمل. نادرون هم الذين عاشوا تجارب أطول من أعمارهم، وعلى مائدتك يفرشون صفحات العمر، ويفتحون بوتقة على جراحهم، يتنفسون الصعداء، ثمّ يعودون لأحزانهم.
كيف تنجحُ سويعات قليلة باختزال أكثر من ستين عاماً، سويعاتٌ كشفت تفاصيل العيون الواهنة، ولغز التنهّد والرغبة الجامحة في العزلة والابتعاد. إن ما يبدعه الكاتب في ثنايا السطور، هو عصارة التجارب المؤلمة، وستار جميل يغطي بدناً لا يكاد يخلو موضع فيه من الندوب وآثار الزلازل والخطوب التي مرّت عليه عبر محطات السنين، واستقرّ بها المقام على طبقات من الحزن التراكمي المغلف برداء الصمت الوقور. جاءتني صورة صديق صدوق من شواهد الزمن الجميل ونبل المعدن الأصيل، بعد أن أجرى عملية جراحية صغيرة، فقلت لنفسي إن لم تكن زيارة الصديق الآن، فمتى تسمح بها طواحين الحياة. نصف يومٍ في معية صديقي، متنقلاً معه بين ذكريات، ستبقى شاهدة على «البوح» الأمين، سألته: لماذا هذا الحزن الدفين يهز سطورك بالأنين، رغم ما تخفيه في سويدائك عن عالمك؟ تنّهد بعمق: يا صديقي أرسلت السماء أمطارها ومضيت برحلتي يتيماً منذ الصّغر، حملتني الرياح دون أن أدري لأودية البشر، تجمّلت وتحمّلت وتألمت، وسلمني الأمل إلى الصمت، في بيتنا تعلمت رباعية الستر والصبر والوفاء والعطاء، لكن هيهات من الفكاك من مدارات بعض البشر المتضخمة ذواتهم. أحاول أن أخرجه من عوالم التأمل العميق في الماضي بآلامه ليحكي قصته المرتقبة مع المستقبل بآماله، ليأتي الرد: يا صديقي، سأمضي في رحلتي حتى منتهاها، متصالحاً مع الذات، متسلحاً براحة البال والنسيان والاعتزال، بعد أن أنهيت كل بنود الطموح، وأدركت أن تجاربنا تؤلمنا لكنها تعلمنا، وأن التسامح ليس انكساراً، وأن الصمت ليس هزيمة، بل غذاء للحكمة.
يا صديقي منذ بدأت رحلة العودة، وأنا أقرأ كثيراً، وأتأمل كثيراً، وأصنع طقوساً ومناسبات كي أفوز بالإياب بعد طول الغياب، ولهذا عدت، والعود ما أجمله..!


اقرأ أيضا