الاتحاد

ألوان

«قصر الحصن» يدخل «اليونيسكو» من باب التراث الإنساني

يحتفي مهرجان قصر الحصن في دورته الرابعة باشتماله على العناصر السبع المدرجة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» ضمن قائمتها للتراث الثقافي الإنساني غير المادي، وإلى العيالة والصقارة والتغريدة والسدو بكل مفرداتها الشعبية، أضيفت هذه السنة المفاهيم التقليدية للمجلس والقهوة والرزفة في دلالة على قيمة الموروث الثقافي لمجتمع الإمارات، والذي فرض نفسه بوضوح على الخريطة الدولية. ولأن العادات والتقاليد حاضرة هنا بامتياز وسط بيئة تفخر بأصالتها على قدر اعتزازها بالملامح العصرية، يتلخص المشهد العام في كتاب بلون رمال الصحراء مفتوحة صفحاته على التاريخ والسرد وقصص الأجداد.

نسرين درزي (أبوظبي)

سجلت «الاتحاد» انطباعاتها خلال جولة إعلامية نظمتها أمس الأول هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، الجهة القائمة على مهرجان قصر الحصن، في إطلالة على أدوات الماضي من باب الصرح العمراني الأقدم في إمارة أبوظبي. عند نقطة البداية وعلى خطى الأقدمين سرنا متأملين حقائق عاشوا معها ولأجلها فأنبتت في أرض خصبة بذوراً صالحة لا تزال على رونقها. هي أكثر من حرف وأعظم من فنون أو طقوس اجتماعية توارثتها الأجيال، لأنها راسخة في وجدان كل أسرة إماراتية تعيشها عرفاً يومياً وتشتاق إليها في معادلة يطول وصفها. ومن ساحة المهرجان التي ضمت بانسياب لافت الفئات السبع المدرجة على قائمة «اليونيسكو»، كانت المحطة التالية مبنى المجلس الاستشاري الذي تم ترميمه ليعود إلى هيئته الأولى منذ إنشائه عام 1970 على يد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ومسك الختام هو المعرض الضوئي الذي يجسد على سور قصر الحصن الحقبات المشعة في تاريخ الإمارات منذ عهد الأولين وملاحم تعود إلى أكثر من 250 عاماً.

مواصلة الترميم
وتحدث سعود الحارثي، المدير الإعلامي في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، خلال الجولة الميدانية عن حرص الجهات المعنية على تقديم أوجه التراث الإماراتي بأفضل صوره احتراماً لزمن الأجداد وحفاظاً على ذاكرة يراد لها أن تظل حية. وقال: إن الاهتمام في مهرجان قصر الحصن يزداد سنوياً مع الحرص على توفير الشرح اللازم للوفود الزائرة من داخل إمارات الدولة ومن السياح العرب والأجانب. وأكد الحارثي المضي قدماً في أعمال ترميم الحصن والمباني المحيطة به بالتعاون مع أفضل المهندسين والاستشاريين العالميين الذين يواصلون مهامهم بدقة على مدار السنة تناسباً مع ما تتطلبه ضرورات الحفاظ على الهيكل الخارجي للحصن بهيئته الأصلية. وينتشر على سعة موقع المهرجان أكثر من 3500 سفير من طلبة الجامعات لتوفير الاستفسارات اللازمة لعناصر التراث الإماراتي على مر العصور.

إرث الأجداد
وذكرت ريم المنصوري من قسم البرامج المجتمعية في الهيئة، أن مهرجان قصر الحصن يعكس الجهود المبذولة للحفاظ على التراث الأصيل والثقافة العريقة لمجتمع الإمارات. وقالت: إن المبادرات مستمرة لترميم الحصن ومبنى المجمع الثقافي، إضافة إلى برامج إحياء عناصر التراث الثقافي غير المادي. مع الإضاءة على هذه الممارسات والفنون الحية، ونقل تقاليدها الشعبية إلى الأجيال التي ستحمل بدورها إرث الأجداد وتنقله إلى المستقبل.

تقاليد في الوجدان
الصفحة الأولى من كتاب الاعتزاز بتقاليد الماضي تطل على زوار مهرجان قصر الحصن بعنوان «المجلس» الذي أبهر منظمة اليونيسكو بنسخته الإماراتية. يتوزع هنا في أكثر من موقع وعلى أكثر من تصميم ممثلاً الأسلوب المتبع قديماً في تجمع السكان حيث يوفر مساحة مفتوحة للقاءات وتبادل الآراء والخبرات في المناسبات. وأوضحت السفيرة الطالبة خولة ياسين الحوسني أن المجلس نموذجاً للحوار الثقافي والتواصل والروابط الاجتماعية القوية، وهو من أكثر المواقع استقطاباً في المهرجان للدور الحيوي الذي يمثله في نقل التراث الشفهي.
ومن التصاميم الشعبية للمجلس إلى رفاهية التجارب العريقة، تطل مبادرة «قهوة» في مبنى المجمع الثقافي. ويشرح السفير ناصر الحميري تقاليد إعداد القهوة العربية وتقديمها بما لا يحتمل الخطأ إكراماً للضيف، ومن ضمن هذه التعاليم ألا يملأ الفنجان بأكثر من النصف وأن يبدأ التوزيع بدءاً بكبير القوم إن حضر وإلا فمن يمين المجلس.
وأجمل ما في هذه الجلسات الوجدانية أنها توثق من خلال خبراء تراثيين محتوى المشاركات التي يراد لها أن تحفظ في ذاكرة الوطن كإرث للأجيال. وأكثرها عمقاً تلك الأسئلة العفوية التي يطرحها الأطفال من مختلف الجنسيات في اهتمام واضح بالتعرف إلى شكل الحياة قديماً وكيف كانت البدايات التي شكلت فيما بعد حضارة ووطن.

ممارسات الأولين
ويتفاءل مجتمع الإمارات بفنونه الشعبية التي تدخل باقة منها ضمن عناصر اليونيسكو وعلى رأسها «الرزفة» التي تجمع بين الموسيقى والشعر بحركات إيقاعية تؤديها فرق محترفة، وتقدمها على شكل لوحات في الاحتفالات الخاصة والعامة إحياءً لمعاني الشجاعة والشهامة في أوساط الشباب.
وبالنهج نفسه تصدح نغمات «العيالة» التي تستهوي جمهوراً عريضاً من مختلف الجنسيات لا يخفي إعجابه بها من ضمن فنون الأداء الشعبية. تؤديها فرقة محترفة تنقسم إلى صفين متقابلين من الرجال يحملون العصي وينشدون الشعر في حركات إيقاعية مشتركة على أنغام الطبول، وترمز «العيالة» إلى قيم الولاء للدولة والقوة والفروسية وتقدم في الاحتفالات الوطنية والأعراس.
ومن ركن «الصقارة» تحدث الصقار محمد الحمادي عن هذا الإرث المتجدد الذي يعكس عمق الروابط مع الطيور بعد تدريبها. وقال: إنه كلما ازداد التواصل مع الصقور ازداد التعلق بها إلى حد الصداقة. ويشرح لزوار المهرجان كيفية التعامل معها والطريقة المثلى للإمساك بها بتلقائية وبلا تردد. وذكر أن تراث الصقارة يتناقل بفخر بين الأجيال كنموذج حي لممارسات الأولين، ونصح بزيارة معرض مستشفى أبوظبي للصقور ضمن فعاليات «قصر الحصن» للتعرف أكثر إلى هذا العالم المتنوع.

فنون التغرودة والسدو
ووسط إنشاده الشعبي العريق على وقع نيران الصحراء، قطع محمد المنهالي نغمات «التغرودة» مشيراً إلى أنها من الشعر الغنائي المحبب لدى الأجداد، إذ كانوا يؤدون «التغرودة» من على ظهور الجمال خلال أسفارهم الطويلة وينطقون عبرها بالحكم السديدة. وقال: إن الحريصين على إرث الأجداد ما زالوا حتى اليوم يطلبون هذا الفن في الأعراس والاحتفالات الكبرى التي تنظمها القبائل.
وبالوصول إلى ركن «السدو» ذكرت الجدة مريم عبيد علي المنصوري التي كانت تتفنن بالحياكة بحركة انسيابية، أنها تعشق هذه الحرفة التي تمارسها منذ أكثر من 30 عاماً. وأوضحت أنها من فنون النسيج التي لازمت المرأة البدوية على مر العصور والتي لطالما سعت إلى تزيين بيتها وأثاثها بهذه الحياكات الملونة. وقالت السفيرة سارة محمد ذياب العبدولي: إن جمهور المهرجان من مختلف المجتمعات يهتم بالتعرف إلى فنون «السدو» التي تتألف من خطوط وأنماط هندسية بألوان لافتة.

معرض ضوئي
ومع كل زيارة للمهرجان لابد وأن تختتم برواق المعرض الضوئي في حرم الباحة الخارجية للقصر نفسه. ويروي المعرض بالضوء واللون قصة أبوظبي وشعب الإمارات منذ أكثر من 250 عاماً. ويسرد التغييرات الجزرية التي لحقت بالعاصمة الإماراتية والنمو الذي طال المجتمع الصغير القائم على أنشطة الصيد ليصبح اليوم نموذجاً عصرياً للمدينة العالمية. ويتلمس الزوار هنا الروابط التي تركت آثارها على الأجيال المتعاقبة منذ بدايات قصة قصر الحصن كأول مبنى حجري مستمر في جزيرة أبوظبي.

حقائق عمرانية
تجري أعمال الترميم على قصر الحصن وفق أعلى مستويات الجودة، وهي تلعب دوراً رئيساً في الحفاظ على المبنى التاريخي التي تتواصل الدراسات الهندسية حوله على مدار العام، ويظهر جزء من جدار القصر حالياً باللون الرمادي بعد إزالة اللون الأبيض عنه لضرورات الأبحاث الجارية في هذا الشأن. والقصر كان على هذه الهيئة المرجانية في أربعينيات القرن الفائت، وهي قيمة تراثية يؤكد عليها فريق أعمال الترميم الذي يكتشف باستمرار حقائق عمرانية جديدة للبناء التاريخي. ويوضح المعرض الدائم في المبنى المجاور مجموعة من القصص يرويها أشخاص عاصروا الحصن، إضافة إلى تسجيلات ومجلدات تضع أمام الجميع باقة من المعلومات الوثائقية التي تم تجميعها من الجهات المعنية بحفظ الإرث الوطني.
ومن الحقائق التي تسرد خلال الجولات التعريفية ضمن «قصر الحصن» أن للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كان له الدور الأبرز في أعمال التطوير التي شملت قصر الحصن بصورته التي نعرفها اليوم. وخلال فترة حكمه تم تجديد عدة مبانٍ من القصر، بينها المنزل الذي تم تحويله عام 1966 ليصبح مكتبه الخاص. ومنزل آخر استعمل عام 1968 لحفظ المعلومات، وهو المركز الوطني للوثائق والبحوث الذي شغل بدءاً من عام 1980 كل أقسام القصر. وهكذا تحول الحصن من مقر إقامة للحكام إلى متحف للمجموعات الأثرية المرتبطة بأبوظبي ومنطقة الخليج العربي.

حتى 13 فبراير
تتواصل فعاليات مهرجان قصر الحصن حتى 13 فبراير الجاري، ويستقبل الزوار من الساعة 4:00 عصراً حتى الساعة 11:00 ليلاً. ثمن تذكرة الدخول 10 دراهم تشمل الحصول على بطاقات مجانية للمشاركة في عدد من ورش العمل التفاعلية والاطلاع على المعارض التراثية والثقافية المتنوعة، مع ضرورة الحجز مسبقاً. وتشكل فقرات المهرجان فرصة للجميع لتذوق الأطباق الشعبية وتعلم مهارات الطهي بالطريقة التقليدية.

قائمة «اليونيسكو»
تسجل قائمة «اليونسكو» التمثيلية للتراث الثقافي الإنساني غير المادي ممارسات وعناصر ثقافية مثل الموسيقى والشعر وفنون الأداء، والتي تحظى بأهمية معنوية كبيرة وتحتاج إلى الحماية. وتتضمن القائمة مجموعة التقاليد والممارسات الثقافية وفنون الأداء الشعبي التي تناقلتها الأجيال عبر التاريخ. وهي تسهم في تعزيز الوعي العالمي بأهمية هذه العناصر وضرورة صون تقاليدها.

مفردات العيش قديماً
تؤكد فقرات «قصر الحصن» أن الإرث الثقافي لا يقتصر على ترميم المعالم التراثية وحسب، وإنما يمتد ليشمل بناء القدرات ونقل المعرفة بين الأجيال. وتتيح الأنشطة وورش العمل التفاعلية تدريب الشباب على مفردات العيش قديماً وأسلوب التعامل مع أدواته، إضافة إلى جولات تعريفية داخل قاعة المجلس الوطني الاستشاري سابقاً ومبنى المجمع الثقافي والمناطق التي تحتضنها ساحات المهرجان.

إرث وذكريات
يطلع زوار «قصر الحصن» على آخر أعمال الترميم، التي يخضع لها الحصن بما فيها وقفة مطولة داخل مقر المجلس الاستشاري الوطني. وهو الموقع الذي أمر بتشييده زايد الخير أواخر الستينيات من القرن الفائت، وشهد انعقاد الاجتماعات التي ناقشت اتحاد الدولة عام 1971. المكان مبهر بتفاصيله التي تعيد الجمهور إلى أيام خلت، وتركت إرثاً غنياً وذكريات قيمة.

تغييرات بالجدران
يلمس زوار مهرجان قصر الحصن لهذه الدورة تغييرات كبيرة في القصر بعد إزالة المزيد من الطبقات التي أضيفت إلى جدرانه الخارجية منذ حقبة الثمانينيات من القرن العشرين. وتظهر هنا المواد التي تم استخدامها لبنائه في الماضي بالتزامن مع استعادة الحالة الأصلية لواجهته الخارجية. مع السعي لتحقيق التوازن بين اعتماد المواد التقليدية والتقنيات الحديثة لإعادة القصر إلى صورته في الفترة بين 1939 و1945.




اقرأ أيضا