الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
عربي ودولي
السودان .. مخاطر خروج لعبة «شد الحبل» عن نطاق السيطرة
19 يونيو 2011 00:01

يخشى المحللون من تصاعد حدة الصراع المستعر على الحدود بين شمال السودان وجنوبه قبل أسابيع قليلة من استقلال الجنوب، ومع سعي الخرطوم للتأكيد على قوتها في الوقت الذي تبدو احتمالات الحرب الشاملة مستبعدة انياً. فقد تعهد الرئيس السوداني عمر البشير باستخدام كافة الوسائل المتاحة، بما في ذلك الضربات الجوية والقصف الكثيف، لسحق ما وصفه بالتمرد في ولاية جنوب كردفان من جانب ميليشيا شمالية ترتبط بالجيش الشعبي الجنوبي لتحرير السودان. ويعد هذا هو الصراع الثاني الرئيسي في المنطقة الحدودية بين شمال السودان وجنوبه منذ اقل من شهر، وذلك بعد احتلال الجيش الشمالي لمنطقة ابيي المتنازع عليها في 21 مايو، ما أجبر زهاء 113 الف نسمة على النزوح جنوبا بحسب تقديرات الأمم المتحدة. ويقول زاك فيرتين المحلل المعني بشؤون السودان في تقرير أصدرته مؤخراً مجموعة الأزمة الدولية “يهدف استيلاء الخرطوم على أبيي - واتخاذها خطا عدوانيا على جبهات أخرى - إلى إظهار القوة في الداخل، والتأثير على المفاوضات التي ستجري في المستقبل حول وضع ابيي نفسها، وكذلك دعم وضعها التفاوضي عموما”. كما تهدد الصراعات في ابيي وفي جنوب كردفان المتاخمة لها بإفشال اتفاق السلام الموقع عام 2005 بين الخرطوم والجيش الشعبي, وهو الاتفاق الذي أنهى 22 عاماً من الحرب الأهلية الطاحنة ممهداً السبيل لانفصال جنوب السودان عبر استفتاء لتقرير المصير. غير أن الحكومة السودانية تبدو أكثر قلقاً إزاء مستقبلها. فمع اقتراب تحقق الانفصال الفعلي للجنوب تأتي الحملات العسكرية للخرطوم كوسيلة مقصودة لإسكات منتقدي الحكومة من داخل النظام حسبما يقول المراقبون السياسيون، بينما تراهن الخرطوم على أن الجنوب لن يرغب في تهديد الاستقلال الذي كافح من اجله طويلاً بعد أن بات وشيكاً. ويقول الطيب زين العابدين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم “أعتقد أن قيادة حزب المؤتمر الوطني (الحاكم) في الخرطوم ترغب في استعراض القوة ما يمنحها مزيداً من المصداقية والمشروعية”. وتابع زين العابدين قائلاً “تشعر الحكومة السودانية بخيبة الأمل تجاه انفصال الجنوب، ومن ثم تعمد لاتخاذ إجراءات ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان.. وهي الحزب الأكبر بعد المؤتمر الوطني في الشمال”. يذكر أن الحركة الشعبية لتحرير السودان هي الجناح السياسي للجيش الجنوبي وهي الحزب الحاكم في الجنوب. وكادت الحركة الشعبية أن تفوز في الانتخابات التي جرت الشهر الماضي على منصب حاكم ولاية جنوب كردفان، وهي الولاية الوحيدة المنتجة للنفط في الشمال، غير أن الحركة انسحبت من الانتخابات معللة ذلك بالتزوير. وقال إبراهيم الغندور المتحدث بلسان حزب المؤتمر الوطني الخميس إنه لن يسمح للجناح الشمالي من الحركة الشعبية بالاستمرار بشكله الحالي “لأنه حزب ينتمي إلى بلد آخر”. ويقول أحد المحللين الغربيين إن رفض الخرطوم قبول الفوز المرجح لعبد العزيز الحلو مرشح الحركة الشعبية في انتخابات جنوب كردفان، إضافة إلى إصرارها على نزع سلاح القوات المتحالفة مع الجيش الشعبي في الشمال والتي يعتقد أنها تناهز 40 الف مقاتل، كانت السبب وراء اندلاع الصراع الأخير. ويشير أساقفة ونشطاء إلى أن الحملة الجديدة التي يباشرها الجيش السوداني تأتي في إطار سياسة حكومية للتطهير العرقي باستهداف السكان الأصليين من أبناء قبائل النوبة في الولاية والذين قاتلوا إلى جانب الجيش الشعبي خلال الحرب الأهلية مع الجنوب ما بين عامي 1983 و2005. وترفض الخرطوم بشدة تلك الاتهامات وتصر على أنها تعمد إلى حماية المدنيين. وعلى أية حال فقد زاد الصراع من الريبة بين الشمال والجنوب واللذين على مقربة من أن يصبحا بلدين متجاورين، وهي الريبة الكائنة بالفعل بسبب الافتقار إلى إحراز تقدم في المفاوضات التي تجري في اديس ابابا حول قضايا ما بعد استقلال الجنوب. ويقول صفوت فانوس، وهو أستاذ علوم سياسية آخر بجامعة الخرطوم “إذا استمر تدهور العلاقات فسيرافق استقلال الجنوب المزيد من العنف، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر”. ويتابع “العنف يحدث فعلاً، مع وجود مناوشات على الحدود واتهام الجيش الشعبي لتحرير السودان (التابع للجنوب) الشمال بقصف الجنوب وتسليح متمردين جنوبيين”. وقد أكدت الأمم المتحدة ما ذكره الجيش الشعبي الخميس من أن الجيش الشمالي توغل في أراضى الجنوب، وقالت إن الشمال قصف بلدة اجوق الجنوبية الحدودية والتي تقع إلى الجنوب من حدود ابيي. ويتفق آخرون على أن صراعات ابيي وجنوب كردفان ليست مجرد استعراض للقوة بل يمكن أن تمتد لتشمل ولاية النيل الأزرق، وهي الثالثة بين “ثلاث مناطق” منحت بمقتضى اتفاق السلام وضعا خاصا، والتي يرأس حاكمها مالك عقار الحركة الشعبية في الشمال. وقال المحلل الغربي المقيم في السودان من دون الكشف عن اسمه “من الطبيعي بالنسبة للجيش السوداني أن يعمد إلى القضاء على 40 الف مقاتل معاد على أراضيه”. وتابع قائلاً “وبينما جاء احتلال الخرطوم لابيي بهدف تعزيز موقف الحكومة السودانية في الداخل، فإن الموقف في جنوب كردفان بالتأكيد يشكل تحديا للنظام.. وإذا استمر أمد الصراع هناك فسيكون من الصعب تخيل أن تفلت منه ولاية النيل الأزرق”. غير أن المراقبين لا يتوقعون تجدد صراع شامل بين الشمال والجنوب، على الأقل في المستقبل القريب. ويقول الطيب زين العابدين من جامعة الخرطوم “لديهم الكثير من المشكلات الأخرى بخلاف ابيي وجنوب كردفان. ومع ذلك اعتقد أننا سنرى المزيد من سياسة حافة الهاوية، مع دفع كل جانب للجانب الآخر لأبعد مدى ممكن”.

المصدر: الخرطوم
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©