صحيفة الاتحاد

دنيا

فضل الأتراك


الأتراك ·· منحوا الخط العربي روحاً جديدة
اسطنبول - سيد عبد المجيد:
منذ أن عرف الأتراك الإسلام قبل قرون انقلبت حياتهم 180 درجة، فبعد إغراق في وثنية عقيمة بدا عليهم أنهم وجدوا أخيرا الهداية في الدين القادم عليهم من الجزيرة العربية· وهكذا راحوا ينهلون منه في كل صغيرة وكبيرة · ولأن أبصارهم اهتدت بنور القرآن الكريم، كان طبيعيا أن ينكب فنانو الأناضول، الذين شرعوا في بناء وتشييد عشرات المساجد، والتي مازال العديد منها قائما يقف شاهدا على عبقرية الأتراك في فنون العمارة الإسلامية، على تجويد الخط العربي· ورغم أنهم كانوا يتحدثون لغة غير عربية، إلا أنهم استخدموا الحرف العربي في كتاباتهم· وقد فطنوا سريعا إلى أن معمارهم وحتى يكتب له البقاء لا بد وان تزين جدرانه وقببه بآيات بينات وعبارات دينية مأثورة· وهكذا احتل الخط العربي مكانة مهمة بل وجعلوا من كتابة الخط فنا من فنونهم· فالخطاطون مثلهم في ذلك مثل المعماريين بيد أنهم أثبتوا مهاراتهم فيما سجلوه من كتابات على مدى قرون زينت جدران العمائر الضخمة فإذا ابتدأنا بالقرن العاشر وما تلاه يمكننا القول أن الآثار المعمارية التركية في كل عصر قد تميزت بمذاق وأبهة خاصين بسبب الاستخدام الواسع للخط الجميل·
أماسيا·· البداية الحقيقية
تكشف لنا الوثائق عن أسماء عديدة كان لها إسهامات في عالم الخط إلا أن الطفرة في هذا العالم جاءت على يد 'ياقوت الاماسي' نسبة إلى نشأته في مدينة 'أماسية' المدينة العتيدة المطلة على البحر الأسود شمال هضبة الأناضول· وكان ياقوت قد عمل لفترة طويلة نسبيا لدى المستعصم (1242-1258م) آخر خلفاء العصر العباسي خطاطا ومبدعا، وبالطبع لم تأتِ إنجازاته من فراغ فقد نهل ياقوت من تراث سابقيه إلا أن أدواته القلمية تميزت بميل واضح في كتابة النسخ والثلث والجلي متخطيا بذلك خطوة مهمة ونوعية بيد أن هذا الفنان التركي أعطى لخط النسخ روحاً جديدة جعلته نمطا كلاسيكيا يحاكى في ما بعد· والشيء نفسه سوف يحدث مع إبداعات الفنان مع 'خط الثلث' الذي ظل يكتب لسنوات طويلة بإمضاء ياقوت·
المهم أن الثلث تحول إلى نوع من التحليل التشريحي على يد هذا الاماسي والدليل على ذلك أن ياقوت أعطاه من خلال تفاصيله الدقيقة أنسب الأشكال وأكثرها ظفرا· ويعتبر ياقوت هو الذي أرسى القواعد الصلبة لفن الخط عند الأتراك بترسيخه كل الأصول والصفات المميزة لستة من أنماط الخط العربي المختلفة وهي التي عرفت فيما بعد باسم الأقلام الستة، ومرت سنوات طويلة ظل فيها فن ياقوت التركي هو السائد وحتى عندما تسيد ورثة عثمان ارطغرول هضبة الأناضول·
قبلة الخطاطين
ومع مجيء مبدع آخر في القرن الخامس عشر وهو الشيخ 'حمد الله' من أماسيا أيضا دخل عالم الخط مرحلة جديدة · كانت بدايتها كتابة الأنماط الستة التقليدية من خلال عدد من القواعد وضعت على أسس محددة تتصل بنسب جسم الإنسان وقواعد تشريحه وبعد فترة لن تطول سيصبح حمد الله أستاذا لكل الخطاطين في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وأطلق عليه لقب قبلة الخطاطين· وعلى الرغم من أن الخطاط 'علي بن يحيى الصوفي' الذي ترعرع في كنف السلطان الفاتح (الذي فتح مدينة اسطنبول عام 1453) يعتبر أقدم من الشيخ حمد الله إلا انه لا يمكن أن يقارن به· يذكر أن الصوفي كان قد أنجز الكتابات التي كتبت على واجهات ومداخل مسجد الفاتح باسطنبول كذلك تلك المكتوبة على باب 'همايون' بقصر توب كابيه الموجود بساحة السلطان أحمد بمدينة اسطنبول·
لا نقط ولا تشكيل
وكان حمد الله نفسه معلما لبايزيد قبل أن يصبح الأخير سلطانا· وعندما بات يحمل لقب بايزيد الثاني طلب من أستاذه أن يأتي له بأنماط مغايرة عما هو سائد لدى العرب والفرس· هنا اعتكف الشيخ حمد الله أربعين يوما كاملة، لم يكلم فيها أحدا، متفرغا لتحقيق رغبة السلطان، إلى أن توصل إلى مبتغاه مستحدثا أشكالا متمايزة عرفت بالأقلام الستة الجديدة: النسخ والثلث والريحاني والمحقق والتوقيعي والرقعة· واستمر الشيخ يستخدم في الأعمال المستقاة من الدين الحنيف تنويعات كثيرة وجميلة وكان أفضل أنواعه من وجهة نظر المتخصصين نوعين الأول الخردة الذي لم يعرف النقط أو التشكيل أما النوع الآخر فكان باسم الغباري وهو نمط دقيق من الخط وقد كتبت به رؤوس السور القرآنية·
بلغ خط النسخ على يد الشيخ حمد الله أعلى درجات نضجه وبينما كان منحصرا في نطاق ضيق أيام ياقوت 'المستعصمي' نسبة إلى الخليفة العباسي نراه في عهد الشيخ حمد الله ينطلق انطلاقه واسعة ويتحرك في وحدة عضوية تجمع بين سطوره· أما الثلث فقد تم تتريكه (بحروف عربية) على يد الشيخ حمد الله نفسه وقد اكتسب قيما جمالية رفيعة· وبالنسبة لخط الجلي الذي ظهر أول ما ظهر على يد ياقوت فقد انتقل هو الآخر إلى مرحلة كماله وكلاسيكيته على يد الشيخ حمد· ومن آثار هذا الفنان ما نشاهده من الكتابة التي تعلو المدخل الرئيسي لجامع بايزيد في اسطنبول والكتابة التي بخط الجلي التي فوق باب 'الشادروان' الموجود بصحن المسجد والكتابة الموجودة بمسجد السلطان بايزيد في مدينة اماسيه· وكتب الشيخ حمد الله عددا من المصاحف ومئات من المخطوطات وأعطى فن الخط العثماني عموما شكله الكلاسيكي وقدرته على التأثير واحتفاظه بالحيوية تلك الصفات التي لازمته عدة قرون وحتى يومنا هذا·
وبعد وفاة الشيخ حمد الله عام 1519 يواصل تلميذه 'احمد قره حصاري' المسيرة فضلا عن أنه سيقوم بتطوير خط الجلي وتطويره على المعايير والأصول التي وضعها كل من ياقوت وحمد الله· ولذا لم يكن هناك تغيير سوى في نسب التكوين مثل تغليظ حروف المد· ويعتبر القره حصاري هو صاحب الكتابة في جامع السليمانية باسطنبول كما أنه عكف على كتابة اثنين من الأنماط المعروفة وهما الريحاني والمحقق ويكون بذلك قد وضع أسلوبا خاصا به· ومع أن جانبا من أسلوب القره حصاري مشتق أساسا من ياقوت الاماسي أو ياقوت المستعصمي إلا أنه يمكن القول فيه أن خطه كان أجمل من خط ياقوت·
ويمكن تلمس السمات الخاصة في أسلوب قره الحصاري وتتلخص في قوة الجملة عنده سواء كانت الكتابة بطريقة النسخ أو الثلث· ويحتفظ متحف توب كابيه بنسخة رائعة ومذهبة له من القرآن الكريم وهي مما عمله للسلطان سليمان القانوني وتعد هذه النسخة من تحف القرن السادس عشر وهناك أنماط مختلفة من البسملة تعتبر في حد ذاتها لوحات مستقلة· وفي عام 1556 توفى القرة حصاري وكان قد بلغ التسعين من عمره والمصادفة أن وفاته تزامنت مع اكتمال جامع السليمانية الشهير والمعروف باسم الجامع الأزرق، ومن بين تلاميذه الستة الذين دربهم حصاري جاء أهمهم حسن جلبي ومن أعماله اللوحة التأسيسية الموجودة بجامع السليمانية وخط الجلي الموجود بمسجد بياله باشا· وعلى أية حال فان الأسلوب غير العادي الذي ابتدعه القره حصاري ظل قائما في ذاته وكأنه حلقة مستقلة داخل تطور فن الخط عند الأتراك وإذا صرفنا النظر عن قليل من تلاميذه أمكننا القول بأنه لم يكن له خلفاء·
في القرن السابع عشر بلغ الخط آفاقا جديدة في مجال إضافاته الفنية من خلال أعمال حافظ عثمان المولود في اسطنبول عام 1642 فهذا الفنان سيقوم بتطوير النسخ وبسطه وتحسين تنسيقه ليكسبه وضوحا أكثر في القراءة·ويصف المؤرخون أسلوب حافظ عثمان بالتدفق والنضج حتى وصف بالأخاذ من فرط خطفه للأبصار· ورغم تأثر الفنان بتراث من سبقوه إلا أن عثمان سيدخل نوعا من الحرية على فن الخط لم يكن معروفا من قبل بخروجه على الحليات الكلاسيكية بحيث أصبح الأستاذ الأعظم بعد الشيخ حمد الله· ورغم أنه توفي عن 56 سنة، إلا أنه ترك تراثا غزيرا، فله 25 نسخة من القرآن الكريم، وعدد كبير من رؤوس السور بيد أن أعماله حازت شهرة كبيرة ووصلت إلى إندونيسيا وبلاد الهند ولم يشتهر من بين تلاميذه سوى سيد عبد الله المتوفى عام 1731 ومحمد التكريتي المتوفى عام 1751 ويوسف المهدي المتوفى عام ·1721
إن تجويد الخط والاشتغال بتحسينه لم يجعل منه فنا عاديا وإنما اتاح له أن يقوم بدور عظيم الأهمية في الزخرفة المعمارية وفي ثراء الفنون الزخرفية عموما ولو أننا تصورنا - هكذا يقول اوقطاي آصلان آبا المولود في مدينة كوتاهية عام 1914 أستاذ الفن التركي في جامعة اسطنبول - كل هذه العمائر والأعمال الفنية الأخرى خالية تماما من كل ما عليها من كتابات لكان هذا التصور جافا مفتقرا إلى الجمال·