صحيفة الاتحاد

تقارير

العملات المشفرة.. ومعضلة التهرب الضريبي

أفضى الصعود الصاروخي في قيمة الـ«بتكوين» والعملات الرقمية الأخرى إلى شعور كثيرين بالقلق من أن هذه السوق تُشكّل فقاعة عملاقة. وقد حذّر كثيرون، ومن بينهم رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) «جانيت يلين» ورجل الأعمال الملياردير «وارين بافيت» من «انهيار بتكوين» بصورة يمكن أن تنافس «انهيار دوت كوم» في عام 2000، وتقضي على أموال المضاربين.
غير أن مبعث القلق الأكبر بشأن العملات المشفرة قد يكون الضرر الذي يمكن أن تتسبب فيه، على المدى الطويل، للأموال الحكومية من خلال خسارة الإيرادات الضريبية.
والتكنولوجيا الأساسية التي تكمن وراء العملات المشفرة، التي تعرف بـ«سلسلة الكتل» أو «بلوكتشين»، تعتمد على «إخفاء الهوية»، فرغم أن المعاملات معلنة، فإنها ليست مربوطة سوى بعنوان إلكتروني. ولعل ذلك يفسر جزءاً كبيراً من جاذبية «سلسلة الكتل».
بيد أن «إخفاء الهوية» هو أيضاً الوقود الرئيس للاقتصاد السرّي الذي تسيطر عليه الجريمة والسوق السوداء، ويُدار في الوقت الراهن باستخدام الركود. ويعتبر الاقتصاد السرّي مصدراً كبيراً لخسارة الإيرادات الضريبية. وتقدر «دائرة الإيرادات الداخلية» خسائرها بسبب الأجور غير المفصح عنها وحدها بنحو 500 مليار دولار سنوياً، بينما يعتبر الاقتصاد السري في الولايات المتحدة، الذي يقدر بـ8.4 في المئة من الإنتاج، صغيراً نسبياً مقارنة بما هو عليه في دول أخرى.
وإذا حلت العملات الرقمية محل النقد «كوسيلة مفضلة بلا هوية» للمعاملات، فمن الممكن أن تؤدي إلى توسع كبير في الاقتصاد السري لأنها ستكون ملائمة بدرجة أكبر بكثير من النقود، فلا حاجة لزيارة ماكينة الصراف الآلي، ومن الممكن أن تدفع إلى من تريد بأمان بغض النظر عن أماكنهم. ولا عجب في أن وزير الخزانة الأميركي «ستيف مانشين»، أعرب عن مخاوفه مؤخراً من أن «بتكوين» من الممكن أن تصبح بديلاً «للحسابات المصرفية الآمنة في سويسرا».
وتدرك «دائرة الإيرادات الداخلية» ذلك، وهو ما يجعلها تدفع من أجل «كشف الهوية» الخاص بالعملات الرقمية. وفي نوفمبر الماضي، أقنعت الدائرة قاضياً فيدرالياً بأن يصدر أمراً لـ«كوينبيز»، وهي بورصة معروفة تتداول الـ«بتكوين»، بالكشف عن هوية عملاء لأكثر من 14000 حساب، (تمثل نحو 9 ملايين معاملة).
وعلاوة على ذلك، يمكن أن تجعل تكنولوجيا «سلسلة الكتل» من الصعب على «دائرة الإيرادات الداخلية» فرض ضرائب على أرباح تداول العملات المشفرة، إذ تجعل التهرب الضريبي سهلاً، فمن الممكن أن يمتلك الشخص الواحد أكثر من حساب للعملات المشفّرة ولا يكشف للسلطات سوى عن حساب واحد، ويتداول العملات فيما بينها، فلا تستطيع الدائرة فرض ضرائب سوى على الحساب المعلن. وفي حين يمكن لدائرة الإيرادات الداخلية مراقبة الصفقات كافة بين الحسابات، فإنها لا تستطيع إثبات أنها تؤول للشخص ذاته. ولا تفي القواعد المطبقة في الولايات المتحدة التي تطلب من المؤسسات المالية التحقق من هوية أصحاب الحسابات بحل المشكلة، لأنه إذا كانت الحسابات الأخرى أسستها مؤسسة أجنبية، فإن تلك القواعد لا تنطبق عليها.
ومن غير المقنع أن الحكومة ستقبل ببساطة خسائر إيرادات ضريبية هائلة من اقتصاد سري أكبر ومن أنشطة تهرب من دفع ضرائب على أرباح التداول. والسؤال الوحيد كيف سيكون ردها القوي؟
ومن بين طرق الرد أن تتقبل الحكومة صعوبة فرض ضرائب مباشرة على المعاملات بالعملات المشفرة، وأن تعوّض خسائر الإيرادات برفع المعدلات الضريبية، لكن من المرجح أن تتخذ الولايات المتحدة منحى أكثر شدة وتحاول منع العملات المشفرة. وذلك الحل سيضيع فرصاً كبيرة، فرغم أن العملات المشفّرة تفتح الباب أمام التهرب الضريبي والمعاملات غير القانونية، فإنها تتيح في الوقت ذاته تخفيضات هائلة في تكلفة المعاملات المالية، وخصوصاً للقراء، وتقلص الاعتماد على البنوك، وهو ما يمكن أن يزيد قدرة البنك المركزي على التحكم في المعروض من الأموال، ويقلص مخاطر إدارة البنوك.
وسيكون الرد الأكثر حنكة هو أن تتحول من فرض ضريبة على الدخل بالعملات المشفرة عند استلامه إلى فرض ضريبة على العملات المشفرة عند إنفاقها، لكن ذلك سيتطلب تعديلات كبيرة في قوانين الضرائب.
واحتمال تكبد خسائر كبيرة في الإيرادات الحكومية لا يشكل مشكلة للحكومة الأميركية فحسب، ولكنه يمثل مشكلة للعملات المشفرة ذاتها، فلكي تصبح تلك العملات وسيلة فعالة للمعاملات اليومية لا بد لمجتمع العملات المشفرة من إيجاد وسيلة لمنع التهرب الضريبي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على «إخفاء الهوية»!

*أستاذ الاقتصاد في جامعة «ساوث ويلز»
**أستاذ القانون في جامعة «شيكاغو»
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»