السبت 28 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
صراع المرجعيات في مصر
18 يونيو 2011 22:26
بعد أن نجح التحول بإسقاط النظام السابق في مصر بات هناك الآن ما يشبه الصراع على المجتمع، خاصة من أصحاب المرجعية الدينية، سواء في هذا الحراك الذي بدأته جماعة "الإخوان" بعقد الندوات وحملات التعبئة لأنصارها داخل المدن، وبتعمدها تخليق مؤسسات موازية، مروراً بالسلفيين وغيرهم ممن باتوا يظهرون في المشهد بشكل مستفز في تصرفاتهم وفي ما يتبنونه من شعارات وأفعال قد تؤدي إلى فتنة داخل المجتمع، فالكل بات يؤكد على المرجعية الدينية وكأن الدين لم يكن من قبل موجوداً في مصر، أو كأنه قد تتم إعادة اكتشافه على أيديهم مرة أخرى… فالقضية أصبحت هنا تأخذ بعداً فكريّاً عندما تتعلق بعقلية تعاطي أصحاب هذه المرجعيات مع الواقع برؤية قد تتعارض في كثير من الأحيان مع قيم الدين نفسه. والتشدق والاختفاء حول صراع المرجعيات، أو بالأحرى التأويلات الدينية قد لا يقدم حلولاً بقدر ما يغلق الباب أمام إبداعات عقول البشر، وهو ما يعكس قدراً من الضحالة وضيق الأفق لدى بعض من يرفعون هذه الشعارات لأغراض سياسية صرفة. ومفهومٌ أن عدم مراعاة التطور الذي حدث في الأفكار والقيم الإنسانية بإيجاد الآليات المؤسساتية التي تضمن تفعيلها على أرض الواقع قد يعود بنا إلى المربع الأول، في ظل متطلبات وظروف تستدعي مواكبة تطورات العصر. ومن هنا التساؤل.. إذا كانت ثورة الشباب استطاعت أن تزيح النظام السابق عن السلطة بعد ثلاثين سنة من حكم ديكتاتوري، فهل تكون لهذه القوة الخفية تأثيراتها الإيجابية على عقلية النخبة والقوى السياسية الأخرى التي تتباين فيما بينها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حيث بالتأكيد إن هناك قوى وطنية متعددة ما بين يسارية وإسلامية قد لا تتناسب أفكارها مع المرحلة المقبلة، التي تحتاج إعادة تفكير وتغيير من رؤيتها مع تعاطيها مع الواقع الجديد وفقاً للآتي: أولاً: الإسلاميون بتنويعاتهم المختلفة ما بين "إخوان" وجماعات إسلامية وسلفيين يحتاجون أن يغيروا بعض رؤاهم المغلقة، إلى إطار قبول الآخر ليس وجوديّاً فحسب وإنما فكريّاً أيضاً. فلا يمكن أن يكون واقع هذه القوى بعد نجاح التحول هو التعامل مع نظرة أحادية للوجود من خلال منظور تأويل ديني، وهو ما دحضته هذه الثورة التي لم تكن بملايينها ملكاً لأحد، فهي كانت ملكاً لكل من خرج فيها اليساري والشيوعي والإسلامي والليبرالي ومن ليس له توجه فكري أو سياسي وبالتالي فالجميع اشتركوا في مبادئ عامة إنسانية تطالب بالكرامة والعدالة والمساواة والحرية. ثانيّاً: أصحاب الفكر اليساري يحتاجون إلى إعادة تغيير رؤيتهم للواقع. فإذا كانوا يرون في الاشتراكية وتحقيق المساواة بين الجميع طريقاً لتحقيق هذا المبدأ فتجربة النظم الاشتراكية السياسية لم يكن سجلها مشرفاً فيما يتعلق بامتهان كرامة الإنسان في كثير من الدول، فليس عن طريق تحقيق المساواة بين الجميع بمعناها المبدئي تتحقق العدالة، بل قد يكون في ذلك تكريس للظلم، فمبدأ المساواة عند تقنينه يجب ربطه بقيمة العدالة فمن يجتهد ويعمل لا يمكن أن يتساوى مع من لا يعمل، ومن هنا يجب التمييز وفقاً للعمل والجهد المبذول، فالقيمة تتحقق هنا فقط عند إتاحة الفرصة وليس في توزيع العائد على الجميع بشكل متساوٍ.. وبالتالي فالدافع لتحقيق نمو قد ينعدم ويحدث العكس تماماً بحدوث ركود وتدهور وهو ما حدث في المجتمعات الاشتراكية في السابق. ثالثاً: على رغم أن ثورة الشباب فيما كانت تقوم به كانت تميل أكثر للفكرة الليبرالية وفكرة الحرية والقيم المرتبطة بها من احترام كرامة الإنسان وإنهاء العقد الاجتماعي الذي تخلى فيه النظام عن الواجبات التي كان يقوم بها انطلاقاً من كونه الحكم تجاه مجتمعه.. إلا أن هذا لا يعني أن الثورة انتصرت للفكر الليبرالي فالقضية لم تعد انتصار أصحاب تيار على آخر، وإنما باتت تكمن بالأساس في المقدرة على بناء الشكل المؤسسي والقانوني المناسب الذي عن طريقه يتم تحييد النخب أيّاً كانت دينية أو سياسية، وأن تكون هذه المؤسسات بقوانينها أدوات حقيقية لتحقيق قيم العدالة والمساواة بشكلها الحقيقي… فالكل قد يكون فاعلاً أيّاً كان فكره ليبراليّاً أو يساريّاً أو متديناً بمرجعية إسلامية أو مسيحية ما دام انطلق من رؤية غير محتكرة للعقول وللمعرفة وجاهزة بالحلول قبل أن تعرف المشكلة.. وهو الأمر الذي برهنت عليه ثورة الشباب بسقوط الفرضيات المطلقة سواء كانت سياسية أو دينية. وعندما أوجدت الإطار الذي استوعب حالة التنوع السياسي والديني للشباب تحت قيم ومبادئ الحرية والعدالة والمساواة بعيداً عن قيم الوصايا والمتمسحين بالمرجعية الدينية التي بدأ صوتها يظهر بعد سقوط النظام ونجاح التغيير.. ومن هنا تبدو أهمية مرجعية مدنية الدولة المصرية ممثلة في دولة القانون باعتبارها هي الحل لحالة صراع المرجعيات هذه الذي باتت ملامح سلبياته تظهر على السطح من زرع الفتنة بين المسلم والمسيحي في مجتمع ندر أن تتواجد فيه مثل هذه الثنائية المتوترة. عزمي عاشور - كاتب مصري ينشر بترتيب مع مشروع "منبر الحرية"
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©