الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
«بابوشكاس» روسيا...حُماةُ الموروث الديني
18 يونيو 2011 22:25

أحياناً ورغم أهمية بعض القصص الإخبارية إلا أنها تمر دون ملاحظة، ومع ذلك تبقى أهميتها قائمة لمن يريد فتح عينيه، فاليوم وبعد مرور عشرين عاماً على انهيار عقيدة الإلحاد الرسمية عقب تداعي الاتحاد السوفييتي عادت روسيا لتصبح أكبر بلد مؤمن بالله في أوروبا، بل أكثر إيماناً حتى من إيطاليا الكاثوليكية وبريطانيا البروتستانتية. فحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "فاند" المستقلة خلال فصل الربيع عبر 82 في المئة من الروس عن إيمانهم بالدين، لذا وبالنظر إلى القمع الشرس والقاسي الذي تعامل به ستالين مع الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا وباقي الديانات، يمثل هذا الانتعاش في التدين لحظة أساسية في حياة الروس، وهي الأهم من ذلك شهادة تقدير وإجلال للجدات الروسيات المعروفات في روسيا باسم "بابوشكاس" نسبة إلى الثوب الذي يغطين به رؤوسهن ويعقدنه تحت ذقونهن، إذ رغم احتقار الشيوعية لهن وتندرها عليهن استطعن مقاومة كل مظاهر التهميش والحفاظ على الموروث الديني الروسي، فهؤلاء النسوة المتقدمات في السن اللواتي يضعن الوشاح فوق رؤوسهن تعرضن خلال الفترة السوفييتية لكل مظاهر التحقير والازدراء، لا لشيء إلا لأنهن لإيمانهن وارتباطهن برموزهن الدينية والأيقونات، التي ورثنها عن أجدادهن، لكن ذلك لم يمنعهن من تمثل الروح الروسية التي سعى النظام الشيوعي عبثاً إلى القضاء عليها ومحوها بسياسته المناهضة للدين والكنيسة. وفي الوقت الذي كان فيه رموز البيروقراطية السوفييتية وأعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي يركبون سيارتهم الفاخرة كانت الجدات الروسيات يحرصن على المظاهر الدينية، لأنها تمثل الأمل الوحيد في حياة أفضل بعدما عزت عليهم في أرض الواقع. وفي مقاومتهن لمحاولات محو الذاكرة كانت الجدات الروسيات يقفن على أبوات الكنائس المتهالكة، ويشعلن الشموع وسط الخراب والإهمال الذي لحق عمداً بكنائسهن، ولم يكن في مقدور هؤلاء النساء العاجزات عن مواجهة نظرة النظام التحقيرية إنقاذ الكنائس من الدمار الذي لحقها، لكنهن في نفس الوقت أبقين شعلة الإيمان متقدة في قلوبهن وفي قلوب الروس. فخلال بعض الأوقات العصيبة لم يتردد النظام الشيوعي في إرسال رجال الدين إلى مراكز الاعتقال والتمييز ضد المؤمنين في الحصول على الوظائف والتعليم، هذا بالإضافة إلى عمليات السرقة التي مارستها الشيوعية ضد رموز الكنيسة، وكنوزها لبيعها في الغرب مقابل العملة الصعبة. وفي غضون ذلك استطاعت الجدات الروسيات الحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة الواجبة للأماكن الدينية من خلال توجيه زوار الكنائس بضرورة احترامها، هذا ولم ينحصر دور الجدات الروسيات داخل الكنائس، بل امتد إلى الحياة الاجتماعية، وتحديداً الأسرة الروسية، إذ قمن بدور الأم بعدما خرجت هذه الأخيرة للعمل في المصانع وتولين مهمة تربية الناشئة وتكريس ما تبقى من القيم الدينية والأخلاقية في نفوس الأطفال ضد المدارس الشيوعية التي تدرس الإلحاد وتطعن في القيم التقليدية المتوارثة، وكم كنت أعجب كمراسل في روسيا قضيت بضعة سنوات خلال الفترة الشيوعية من مشهد الطفل الصغير، الذي يبكي جدته المتوفاة بحرقة كبيرة، ومنظر ذلك الطفل وهو يقف أمام نعش جدته قبل أن تُوارى الثرى والدموع تنهمر من عينه لأنه بفقده جدته خسر الأم الحقيقية التي كانت ترعاه. لذا فإن المجتمع الروسي مدين للجدات اللواتي رفضن التخلي عن تدينهن وقاومن احتقار النظام الشيوعي ونظرته المتعالية لهن، وإلى جانب حماية الدين وإبقاء شعلته متقدة في نفوس الروس، لعبن أيضاً دوراً محورياً في صيانة الموروث الثقافي الروسي الغني والمتنوع طيلة 74 عاماً عاشتها روسيا تحت الحكم السوفييتي، فمن خلال حياتهن اليومية في الأكواخ البسيطة التي كن يسكن فيها والقصص الفلكلورية التي نقولها إلى الأحفاد ضمنوا حياة جديدة للثقافة الشعبية الروسية رغم هرطقات الشيوعية في المدارس وغيرها، والحقيقة أن الروح الروسية كانت أقوى من أن تطفئها الأيديولوجية الماركسية، فلم يتخلَ الروس أبداً عن ميراثهم الديني، إذ في الوقت الذي كان فيه الجنود الروس يتجهون إلى حتفهم في الحرب العالمية الثانية كانت النساء الروسيات يهمسن في أذانهم بالصلاة. ورغم محاولات النظام الشيوعي في أيامه الأخيرة إعادة بناء الكنائس لخلق الانطباع بأنه يحترم الحرية الدينية، كان الجميع يعرفون مدى اختراق جهاز الـ"كي. جي. بي" للكنائس وطبقة رجال الدين لوأد الإيمان في النفوس، وهو ما يفسر أن التزام الروس بشعائر الكنسية وطقوسها مختلف كثيراً مقارنة بالإيمان بالله، لذا وتكريماً للدور الكبير الذي لعبته الجدات الروسيات في الحفاظ على الثقافة الروسية، وتمريرها للأجيال اللاحقة يتعين على الرئيس الروسي التفكير الجدي في إقامة تماثيل للجدة الروسية في جميع المدن والبلدات واستبدال تماثيل لينين وستالين بالجدات الشجاعات اللواتي قاومن القمع والتهميش واحتفظن بالروح الروسية الأصيلة في وقت استعاض الجميع عنها بأيديولوجيات أثبت الزمن أن حياتها قصيرة مهما كان تأثيرها قوياً في لحظة تاريخية معينة. والتر روجرز إعلامي أميركي عمل مراسلاً في روسيا من 1984 إلى 1989 ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©