الاتحاد

دنيا

تمبكتو مدينة ممنوعة تفيض حضارة وثقافة

 تمبكتو  ملكة السودان وأهم المدن التاريخية في جمهورية مالي غرب أفريقيا

تمبكتو ملكة السودان وأهم المدن التاريخية في جمهورية مالي غرب أفريقيا

''تمبكتو'' أو ''ملكة السودان'' كما كانت تدعى في الماضي أهم المدن التاريخية في جمهورية مالي بغرب إفريقيا وتكاد تكون نسياً منسياً بعد أن كانت ملء السمع والبصر خلال العصور الوسطى· وعرفها الرحالة من أوروبا إبان ازدهارها بالمدينة الغامضة حينا وبالمدينة الممنوعة أحيانا فقد كانت مركزا إسلاميا لا نظير له في مدن جنوب الصحراء·
استقبلت تمبكتو قديما قوافل التجارة بين قلب افريقيا وشمالها العربي ومنها انطلقت أيضا جموع الدعاة والعلماء لنشر الإسلام بين القبائل الإفريقية الوثنية· ويستطيع زائر تمبكتو الواقعة على ضفاف نهر جوهيبا أو كما يسمى اليوم نهر النيجر أن يلمح في شوارع المدينة ومبانيها بقايا الازدهار الحضاري التي كانت عليه عاصمة مملكة السنغاي الإسلامية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر للميلاد·
وفيما بين القرنين الخامس والثامن الهجريين تحولت تمبكتو من مخيم متواضع إلى قرية مزدهرة بفضل موقعها المتوسط عند بوابة الصحراء الكبرى وعلى حدود الأراضي الخصبة وهيأ لها هذا الموقع ان تكون ملتقى للطرق القادمة من بلاد المغرب العربي والمتجهة إلى ممالك غرب إفريقيا مثل غانا ومالي·
وساعد على ذلك النمو انتقال تجار مدينة ''جني'' المشهورة بتجارة تبر الذهب للإقامة بها ولحقهم أيضا تجار مدينة ولاتة او غانا كما يسميها العرب القدامى تحت ضغط الهجمات التي شنتها مملكة مالي ضدهم·
وإلى الوافدين من ولاته يرجع الفضل في تحول تمبكتو من قرية إلى مدينة زاهرة ومنارة للحضارة والثقافة الإسلامية إذ كانت ولاته مهبطا للعديد من العلماء والفقهاء الذين وفدوا إليها من مصر وفزان وغدامس وفاس وغيرها من مدن الشمال الإفريقي·
ومع تحول طرق التجارة الإفريقية إلى تمبكتو وفدت إليها بعض بطون قبيلة صنهاجة المغربية وفرضت مملكة المانديغ الإسلامية هيمنتها على المدينة·
أشجار الذهب أينعت منارات علم
لمع اسم تمبكتو في الشرق الإسلامي عندما انطلق منها كانكا موسى ملك المنديغ في طريقه لأداء فريضة الحج بمكة مارا بمصر إذ نسب علماء مصر وتجارها وأهل الحجاز الهدايا الذهبية التي أغدقها الحاج موسى عليهم إلى تمبكتو حتى رسخ لديهم ان بالمدينة وما جاورها ببلاد السودان أشجار تثمر ذهبا وكان من الطبيعي أن يصحب كانكا موسى معه في رحلة العودة عددا من علماء وتجار الشرق العربي·
وترتبط رحلة الحاج موسى أيضا بواقعة إنشاء أول المساجد الجامعة الكبيرة في تمبكتو بأمر من الملك في عام 1325م وهو مسجد دجين جاريبير اي الجامع الكبير وقد كلف موسى الشاعر الغرناطي الملقب بالسهيلي والذي قابله بمكة بتصميمه والإشراف على بنائه وحول هذا الجامع تكونت النواة الأولى للعلماء والمفكرين المسلمين في تمبكتو·
وبعد ذلك بحوالي قرن تبرعت امرأة ثرية من أهل تمبكتو ببناء مسجد آخر عرف باسم جامع سنكوري وتحول بعد وقت قصير إلى جامعة إسلامية تناظر الأزهر والقرويين تدرس بها العلوم الدينية والمعارف العامة·
كما قام الشيخ محمد النهدي وهو من أصل مغربي بإنشاء مسجد ثالث حمل اسم سيدي يحيى أول شيوخ هذا المسجد وكان من الأولياء الصالحين وتعتبر هذه الجوامع الثلاثة المصادر الرئيسة للإشعاع الفكري في تمبكتو ومراكز يلتقي فيها وينطلق منها الكثير من العلماء واللغويين والمؤرخين والفلاسفة ووصلت شهرة البعض منهم الى بلاد المغرب·
وحول هذه الجوامع نشأت في القرنين 15 و 16 للميلاد المدارس القرآنية التي وصل عددها لنحو180 مدرسة تضم 25 ألفا من طلاب العلم الذين وفدوا اليها من انحاء غرب افريقيا ليتلقوا دروسهم على نفقة الاوقاف التي رصدها اهل الخير من التجار والمحسنين·
وشهدت تمبكتو أزهى فتراتها خلال حكم أسرة اسكيا محمد والذي امتد من عام 1493م الى 1591م فتضاعفت مساحتها واعتنى الملوك ببناء المنازل الجيدة واعادة تجديد المدارس القرآنية حتى ذاع صيت جامعة سنكوري وتسابق العلماء من مدن المغرب ومصر للتدريس في هذه المدارس·
تقهقر المدينة
بدأت تمبكتو تتقهقر تدريجيا منذ وقوعها في أيدي القادة العسكريين المغاربة اذ أدت صراعاتهم للسيطرة على البلاد إلى انتشار الفوضى وعمليات السلب والنهب ولم يفلح أهل تمبكتو والطوارق رغم بسالتهم في الذود عن المدينة فوقعت بايدي الفرنسيين عام 1893م·
ومنذ استقلال مالي عن فرنسا عام 1960 وعناية الأهالي تبذل من أجل إعادة الحياة الى تمبكتو التي يفخر سكانها بأنها مدينة الـ 333 من الأولياء الصالحين حتى أنهم سجلوا هذه العبارة على لوحة كبيرة بارزة في أكبر ساحات وسط المدينة·
تبعد تمبكتو عن نهر النيجر 15 كم وهي مدينة قارية تماما وموسم الأمطار بها لا يتجاوز الأشهر الثلاثة وأدت موجات الجفاف خلال ثمانينيات القرن الماضي إلى تدهور أوضاعها العمرانية ولجوء العديد من سكان المناطق الصحراوية المحيطة الى الاقامة على مقربة من ضفاف نهر النيجر ورغم ذلك فان مجمل أعداد السكان بمن فيهم اللاجئون لا يتجاوز الخمسين ألف نسمة وهو تقريبا نصف عدد سكانها في القرن16م·
وينقسم السكان إلى قسمين رئيسيين أولهما سكان الشمال الذين يقومون برعي قطعانهم على مقربة من النهر وهم خليط من العرب والبربر والطوارق وتحتفظ كل مجموعة بلغتها الخاصة·
والقسم الثاني هم أهل الحضر وأغلبهم من قبائل سنغاي ويعمل هؤلاء بالزراعة والتجارة والصناعات اليدوية· ورغم تراجع حركة التجارة التقليدية عبر الصحراء فان تمبكتو مازالت تستقبل عددا لا بأس به من قوافل الجمال المحملة بسلع هذه الانحاء، لاسيما الملح الذي يستخرج من باطن الأرض·
ولتمبكتو ميناء شهير على نهر النيجر وعبر هذا الميناء تصل الى المدينة معظم احتياجتها من الوقود والسلع الغذائية ولا يتم اللجوء الى الطرق البرية المحدودة لنقل هذه الاحتياجات الا فى فترات جفاف النهر حيث تتوقف الحركة كليا فى هذا الميناء الذى يعرف باسم كيرا·
عمائر تعكس الصلات الحضارية
تعكس عمائر تمبكتو طبيعة الصلات الحضارية التى ربطت المدينة منذ القدم بمدن المغرب العربى· وتتجلى فيها ملامح هندسة معمارية أصيلة مطبوعة بالعادات والتقاليد الإسلامية ولا تخلو أيضا من سمات إفريقية خاصة تمليها الاعتبارات المناخية والبشرية فى هذه المنطقة القارية·
ويرى المعماريون أن طراز تمبكتو استمد بالأساس من التقاليد المعمارية لمدينة ''جني'' القديمة حيث تحتل المساكن مساحات كبيرة وتتميز جدرانها بسمكها الكبير للتغلب على الحرارة المنبعثة من الشمس الحارقة وأيضا للاحتفاظ ببعض رطوبة الليل لتثبت فى أرجاء المنزل أثناء قيظ النهار· وتتعدد النقوش والزخارف داخل المنازل وعلى واجهاتها·
وأبواب المنازل من الخشب الذى يقوم الحرفيون بتزيينه بقطع من المعدن، أما النوافذ فهي مرتفعة بشكل ملحوظ عن مستوى الأرض بغرض حجب سكان الدار عن أنظار المارة وايضا لضمان تهوية جيدة للمنزل·
ويتميز تخطيط المنازل التقليدية باقترابه من المنزل الإسلامى المعروف فى الشرق ولاسيما بوجود قاعات الاستقبال على مقربة من المدخل مباشرة، وقد شيدت بكل منزل قاعة منفصلة خلف المدخل الرئيسى مباشرة وتلعب دور قاعة الاستقبال للرجال والضيوف الطارئين·
وتبدو منازل تمبكتو من الخارج شديدة الشبه بالمدن المغربية الصحراوية ولكنها بحاجة الى اعمال كبيرة للصيانة والترميم وبخاصة المساجد الثلاثة القديمة التى طالما كانت عنوانا على مجد تمبكتو الغابر وسمعتها التى تجاوزت الافاق باعتبارها اغنى مدن العالم بالذهب والألماس

اقرأ أيضا