صحيفة الاتحاد

ألوان

أم الدرداء الصغرى.. الفقيهة العالمة

أحمد مراد (القاهرة)
تعد التابعية الجليلة أم الدرداء الصغرى واحدة من النساء اللائي كان لهن دور كبير في تراث الفقه الإسلامي، حيث كانت صاحبة منزلة رفيعة في جيل التابعين، الناس يقصدونها لتلقي العلم الشرعي على يديها، وبعد حياة حافلة بالعطاء امتدت لأكثر من 60 عاماً رحلت وتركت وراءها إرثاً فقهياً استفادت منه الأجيال المتعاقبة.
هي السيدة هُجيمة بنت حيي الأوصابية المولودة في منطقة الأوصاب باليمن،.
وقد لقبت بـ»أم الدرداء الصغرى» تمييزاً لها عن الصحابية الجليلة أم الدرداء الكبرى خيرة بنت أبي حدرد، التي لازمت النبي صلى الله عليه وسلم، وروت عنه العديد من الأحاديث النبوية.
حرصت أم الدرداء الصغرى على طلب العلم منذ صغرها، فكانت تجلس في حلقات القراء تتعلم القرآن، وعرضته وهي صغيرة على أبي الدرداء، ونالت كثيراً من العلم، حتى وصفها الإمام الذهبي بأنها من كبار العلماء، وقد روت 23 حديثاً نبويا عن زوجها، وسلمان الفارسي، وفضالة بن عبيد، وأبي هريرة، وكعب بن مالك، وروى عنها إبراهيم بن عبلة، والأزهر بن الوليد الحمصي، وجبير بن نفير، والحارث بن عبدالله الأنصاري، وأخرج لها البخاري، ومسلم، وأبوداود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
وعرفت أم الدرداء الصغرى بخصال نبيلة وسمات جليلة، فكانت كثيرة الصوم والصلاة، قال عنها ميمون بن مهران: «ما دخلت على أم الدرداء في ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية»، وكانت تقوم الليل مع النساء حتى تنتفخ أقدامهن.
كثيرة التفكر والتدبر
كما كانت كثيرة التفكر والتدبر في معاني آيات القرآن الكريم، ويروى أنها أثناء رحلتها من بيت المقدس إلى دمشق قالت لقائد الدابة: يا سليمان أسمع الجبال ما وعدها الله قال: فأرفعت صوتي بقول الله تعالى: «ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا»، وفي مرة حلت أم الدرداء ومعها إسماعيل بن عبيد الله بأحد الوديان، فقالت: يا إسماعيل اقرأ فقرأ قول الله تعالى «أفحسبتم إنما خلقناكم عبثاً، وأنكم إلينا لا ترجعون»، فخرت هي وإسماعيل على وجهيهما فما رفعا رؤوسهما حتى ابتل ما تحت وجوههما من دموعهما، تأثرا بكلام الله تعالى.
وذكر عنها المؤرخون أيضاً أنها كانت كثيرة الدعاء والابتهال والتضرع إلى الله، تقول: قد طلبت العبادة في كل شيء فما وجدت شيئاً أشفى لصدري، ولا أحرى أن أصيب به الذي أريد من مجالس الذكر، نقل عنها العلماء والأئمة بعض الكلمات المأثورة مثل قولها: تعلموا الحكمة صغاراً، تعملوا بها كباراً، وإن كل زارع حاصد ما زرع من خير.
وكذلك قولها إن أحدهم يقول اللهم ارزقني، وقد علم أن الله لا يمطر عليه ذهبا ولا دراهم، وإنما يرزق بعضهم من بعض، فمن أُعطي شيئا فليقبل، فإن كان غنياً فليضعه في ذي الحاجة، وإن كان فقيراً فليستعن به.
مع نساء المساكين
كانت أم الدرداء تجلس مع نساء المساكين في بيت المقدس، فجاء رجل فقسم بينهن نقوداً، وأعطى أم الدرداء فلساً، فقالت لجارتها: اشتري لنا بهذا جزوراً، فقالت: أو ليس صدقة؟ قالت إنما جاءنا من غير مسألة، وعندما شكت أم الدرداء إلى زوجها أبي الدرداء الحاجة قال لها تصبّري، فإن أمامنا عقبة كئوداً لا يجاوزها إلا أخف الناس حملا، وأوصاها ألا تسأل الناس شيئاً، فقالت: إن احتجت؟.
قال: تتبعي الحصادين، فانظري ما يسقط منهم ولا تسألي أحداً شيئاً.
علا شأن أم الدرداء حتى غدت نجماً مضيئاً في العلم، ولها كلام في التفسير والزهد، وكانت تسأل من هو أكثر منها علماً، ومن ذلك سألت كعب الأحبار عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، وكان يجتمع حولها النساء بجامع دمشق تعظهن وتعلمهن أمور الدين وهي التي علمت الصبيان القراءة والكتابة بدمشق.
ذكرها ابن حبان في الثقات، والدارقطني في التابعيات، وقال عنها ابن كثير: تابعية عالمة فقيهة، وقال مكحول: كانت أم الدرداء فقيهة، وعن عون بن عبدالله، قال: كنا نأتي أم الدرداء فنذكر الله عندها.
وفي سنة 81 هجرية أدت أم الدرداء فريضة الحج وفي العام التالي توفيت.