الاتحاد

ثقافة

المدن التي لا تتحقق بالكامل أبداً!

النعمي وتجودهري في نادي القوز (تصوير: أفضل شام)

النعمي وتجودهري في نادي القوز (تصوير: أفضل شام)

نوف الموسى (دبي)

تكمن أهمية مناقشة أعمال الفنانتين أروى النعمي ويميني تجودهري، في نادي القوز السركال أفنيو بمدينة دبي، من قبل «مركز مرايا للفنون»، في طبيعة الحوار المتجلي بين «لِف» و«غرف لامتناهية»، باعتبارها أعمالاً فنية، تقيس التفاعل الإنساني والمتغير الجغرافي للمكان في السعودية وباكستان، وذلك ضمن المنظومة الاجتماعية والعرف الثقافي لكل بلد.
واللافت أن السؤالين في كلا العملين، يوحي للمشاهد بمستوى من التحولات التي يمر بها الإنسان، دون انتباه واع لمستوى حجم التغير الذي يؤثر في تكوين المجتمعات.
وربما أبرز ما يمكن ملاحظته هو عملية «التدرج»، أياً كان مستوى السرعة، والتي تحدث بطريقة ما، تجعل من الفرد لا يدركها بصورة فعلية، وتجسدها الفنون، كالفوتوغرافيا والوسائط المتعددة والفيديو، بممارسة حس توثيقها المباشر، لتعيد مناقشتها بهدوء، ما يتيح للمتلقي تأمل المشهدية الكلية للتحول.
على سبيل المثال، غمرت الدهشة جمهور الجلسة النقاشية، بعد اكتشافهم مشروع «لِف» للفنانة السعودية أروى النعمي، التي أخفت كاميرا تحت عباءتها، وسجلت اللحظة الخفية للفتيات، وهن يكتمن أصواتهن، أثناء اللعب في حديقة «ملاهي» بمدينة أبها، وتحديداً بمنطقتها عسير، مؤمنة أن التحول الأخير في المملكة، ساهم في إظهار عملها للعلن، بعد أن كان ممنوعاً من المناقشة والتداول، بينما ذهبت الفنانة يميني تجودهري إلى منطقة درخشان مكان نشأتها في مدينة كراتشي، حيث اشتغلت على أشكال تحرر السكان من أي روابط مرجعية وتاريخية، للأرض المستصلحة من البحر.
عرضت الفنانة أروى النعمي، تاريخ منطقة عسير، المليء بالإرث الفني، المتمركز على حضور الرجل والمرأة، كأشكال تعبيرية متكاملة لكل أداء فني، معبرة عن سحر المتخيل لدى إنسان هذه الأرض، وطبيعته الفطرية، في التعبير الإبداعي عن نفسه.
ما حصل في حديقة الملاهي، على مدى سنوات، هو تجريد الألعاب من هدفها الفعلي، لتأصيل مفهوم الفصل بين الجنسين، فتم استخدام «الاكريليك»، دون انتباه للأمان الصحي لمستخدمي الألعاب، وتمت إضافة الجلود مع الوقت، وصولاً إلى «إضاءات النيون».
وفسرت الفنانة أروى، بأنها أدوات شوهت المنظر العام.
وتضيف إن جمالية المشروع الفوتوغرافي كان في سريته، وقتها لاحظت كيف أن الفتيات في لعبة تصادم السيارات، يغضبن عند تعرضهن لتصادم معين من فتيات أخريات، رغم أن الالتحام هو الغاية من اللعبة، ويعود السبب إلى أن الواحدة منهن تلعب لتقود السيارة فعلياً، والتصادم يشتتهن عن فعل القيادة، وجاء ذلك قبل إقرار قيادة المرأة للسيارة في السعودية، وربما هذا الفضاء المتخيل، كان يوماً جزءاً غير مباشر، من تشكله على الواقع!
في المقابل، قامت الفنانة يميني تجودهري، بخلق شاعرية روائية للمكان، متخذة من قصيدة «غرف لا متناهية»، للشاعر آغا شهيد علي، «البيت هو عمل قيد التنفيذ دائماً»، مدى ممتداً لبحثها عن المدينة التي لا تتحقق بالكامل أبداً، ففي السير نحو أعمالها في «مركز مرايا للفنون»، يستشعر المشاهد، تجربة المضي باتجاه البحر، بعد المرور بحواجز تصف المتغير والتحول في المكان، واللافت في مجمل عمل الفنانة يميني تجودهري هو مفهوم «الحاجز»، الذي عادةً ما يطرح موضوعاً حول الأحياء السكنية، وتفاصيل شكل البيوت، وما شابها من تبدل عميق، ولكن اللافت أكثر في عمل الفنانة يميني تجودهري، هو العمل الصوتي «There Was Nothing»، وكيف أن بناء شيء من العدم يعد أمراً معقداً، ويناقش مواضيع الانتماء والهجرة والنزوح والعلاقة بين الأجيال.
جاء المشروع نتاج محادثة جمعت القيمة لورا متزلر والقيم عزيز سهيل، اللذين عبرا عن التجربة، بأنها انبثقت ضمن تقسيم معرض كبير بالتساوي لكلا الفنانتين، بطريقة تمكنهما من إقامة حوار وتبادل للآراء حول بعضهما بعضاً.

اقرأ أيضا

450 مثقفاً عربياً في الملتقى الثقافي الثاني بالفجيرة